قال الله جل ذكره: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥] . وقال جل وعلا: ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى: ٩] . وقال عز من قائل: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: ٤٥] . وقال ﵎: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ٢٩] .
[ ١ / ١١٧ ]
وقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] . وقال جل وعلا: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ﴾ [إبراهيم: ٥] . وقال جل وعلا وتقدس: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾ [النور: ١٧] .
وكان النبي - ﷺ - يتخول أصحابه بالموعظة فالوعظ والتذكير فريضتان واجبتان ماضيتان على أهلهما بكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -.
وقد أمر الله الموعوظين بالاستماع والإصغاء للموعظة لما فيها من المنافع العظيمة.
فعلى كل إنسان مهما جل قدره وعظم خطره أن يحرص ويجتهد على استماع الموعظة وقبول النصيحة لأنه إذا فعل ذلك فاز بقسطه الأوفر وحظه الأجزل واستحق من الله البشرى في العاجل والثواب في الآجل ومن عقلاء خلقه الثناء الحسن والمدح والإكرام والدعاء.
فإن الله جل ذكره يقول: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٧]، ثم قال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٨] .
وقد شبه الله الكفرة المعرضين عن القرآن الذي هو مشتمل على التذكرة الكبرى والموعظة العظمى بالحمر قال تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: ٥١] . فليحذر المسلم أن يتشبه بهم ويعرض عن الموعظة.
وقد جعل الله جل ذكره الخير في الاعتبار والاعتبار بالتفكير وحث عليه في عدة مواضع من كتابه قال تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢] . وقال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِي الْأَبْصَارِ﴾ [النور: ٤٤] .
وقال جلا وعلا: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ
[ ١ / ١١٨ ]
وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ [الروم: ٨] . وقال جل وعلا وتقدس: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرعد: ٣] .
وقال عز من قائل: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١] . وقال جل وعلا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٤٢] .
فمن قريب ما يجب أن يفكر فيه اللبيب ويتدبره أن يتذكر أحوال الأمم والقرون الماضية والملوك الأولين الذي كانوا من أشد خلق الله قوة وأكثر جمعًا وأبين آثارًا وأطول أعمارًا الذين بنوا المدائن وجمعوا الخزائن وحفروا الأنهار وعمروا الديار وشيدوا القصور.
ودبروا الأمور وجمعوا الجموع وقادوا الجيوش وساقوا الخيول ودوخوا البلاد وأذلوا العباد ومشوا في الأرض مرحًا واختالوا بما أوتوا فرحًا فأخذهم الله بما كانوا يكسبون.
فأصبحوا بعد العز والمنعة والملك والرفعة والصيت والسطوة والذكر والصولة عظامًا رميمًا ورفاتًا هشيمًا وأصبحت منازلهم خاوية وقصورهم خالية وأجسادهم بالية وأصواتهم هادئة.
تخبرك آثارهم معاينة وتقرع سمعك أخبارهم مجاهرة فلم يصحبهم من الدنيا ما جمعوا ولم يدفع عنهم الردى ما كسبوا ولعلهم ندموا حيث لم تنفعهم الندامة وتلهفوا حيث لا يغني عنهم التلهف شيئًا.
وإن الباقي عما قليل كالفاني والغابر عما قليل كالماضي وما بينهما إلا أنفاس معلومة وأيام معدودة سريعة الانقضاء قريبة الانتهاء.
فليحذر المغتر بملكه والمتمتع بعزه هذه الصرعة وليستعد لهذه الوجبة
[ ١ / ١١٩ ]
ولينته لهذه الموعظة فإن الله جعلها في أوائل مواعظه.
وكررها في مواضع من كتابه حيث جل وعلا وتقدس يقول: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [الروم: ٩] .
وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [غافر: ٨٢] .
وقال جل وعلا وتقدس: ﴿أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ﴾ [غافر: ٢١] .
وعد جل وعلا كثيرًا منهم في كتابه ووصفهم وسماهم في خطابه حيث يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَاد﴾ [الفجر: ١٤] .
وقال: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٨]، هذا خبر أصدق القائلين وهذا قول حق وقد جعل الله بكل ما شوهد في أيامه وعوين في زمانه ممن رفعوا ثم وضعوا وعلوا ثم صرعوا ودارت عليهم الدوائر ونابتهم النوائب ما في بعضه مقنع لمعتبر وبلاغ لمدكر.
قالوا وأشرف أبو الدرداء صاحب رسول الله - ﷺ - على أهل حمص فقال يا أهل حمص أتبنون ما لا تسكنون وتأملون ما لا تدركون وتجمعون ما لا تأكلون.
[ ١ / ١٢٠ ]
إن من كان قبلكم بنوا شديدًا وأملوا بعيدا وجمعوا كثيرا فأصبحت اليوم مساكنهم قبورًا وأملهم غرورا وجمعهم بورا.
وقد قال أحد فصحاء الملوك في خطبته: ألم تروا مصارع من كان قبلكم كيف استدرجتهم الدنيا بزخارفها ونفتهم ثم تركتهم وقد تخلت عنهم فهم في حيرة وظلمة مدلهمة تركوا الأهلين والأولاد والعيال والأموال.
مساكنهم القبور وقد خلت منهم الدور وتقطعت منهم الأوصال والصدور وصاروا ترابًا باليًا وكان الله لهم ناهيًا قال تعالى: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦]﴾ [فاطر: ٥] .
شعرًا:
نَبْكِي على الدنيا وما مِن مَعْشَرٍ … جَمَعَتْهُم الدنيا فِلَمْ يَتفرَّقُوا
أَيْنَ الأكاسِرَةُ الجَبَابِرةُ الأُولى … كَنُزوا الكُنوزَ فما بَقِينَ ولا بَقُوا
مِن كُلِ مَن ضاقَ الفَضَاءُ بِجَيشِهِ … حَتَّى ثَوى فَحَواهُ لَحْدٌ ضَيِّقُ
خُرُسٌ إذا نُوُدُوا كَأنْ لم يَفْهَمُوا … أَنَّ الكلامَ لهُم حَلالٌ مُطْلَقُ
فالموتُ آتٍ والنفُوسُ نَفَائِسٌ … والمُسْتَغِرُ بِمَا لَدَيْهِ الأَحْمَقُ
آخر:
أَجِدكَ مَا الدنيَا ومَاذا نَعِيْمُها … وهَلْ هِيَ إِلَّا جَمْرَةً تَتَوقَدُ
لَعَمِري لَقَدْ شَاهَدتُ فِيهَا عَجَائِبًا … وصَاحَبنَي فيها مَسوْدٌ وسَيدُ
رأيتُ بها أهْلَ المَواهِبِ مَرَّة … وقد طَابَ عَيْشٌ والسُّرور يُجَدَّدُ
فما رَاعَهُم إلا الرَّزا يا ثَوابِتٌ … عَلَيهِم وَقَامَت في أذاهم تُحَشَّدُ
وأَسْقَتْهُمُوا كأسًا مِن الذُلِ مُتْرَعًا … وَكانَ لَهُم فَوقَ السِّمَاكَينِ مَقْعَدُ
[ ١ / ١٢١ ]
وَدانَتْ لِمَنْ ناوَاهُمُ بَعْضَ بُرهَةٍ … عَلَى نَكَدٍ فِي كُلَّ يَومٍ يُجَدَّدُ
اللهم وفقنا للزوم الطريق الذي يقربنا إليك وهب لنا نورًا نهتدي به إليك ويسر لنا ما يسرته لأهل محبتك وأيقظنا من غفلاتنا وألهمنا رشدنا واسترنا في الدنيا والآخرة واحشرنا في زمرة عبادك المتقين وألحقنا بعبادك الصالحين واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(فصل)
قال علي بن أبي طالب من هوان الدنيا وحقارتها أن الله أخرج أطايبها من خسائسها فالدنيا سبعة أشياء: مأكول ومشروب وملبوس ومشموم ومنكوح ومسموع ومبصر.
أما المأكولات فأشرفها العسل وهو لعاب ذباب وأطيب المشروبات الماء ويستوي في شربه الآدمي والكلب والخنزير والحمار.
وأفضل الملبوسات الحرير والإبريسم وهو لعاب دودة وأشرف المناكح النساء وحقيقتها مبال في مبال وأشرف المشمومات المسك وهو دم غزال والمسموع والمبصر مشترك بين ذلك وبين البهائم.
قَدْ أوْلَعَ الناسُ في الدنيا بأرْبَعَةٍ … أَكلٍ وشُرْبٍ ومَلْبُوسٍ وَمْنكُوحٍ
وَغَايَةُ الكُلِّ إنْ فَكرتَ فِيهِ إِلى … رَوْثٍ وبَولٍ وَمَطْرُوح ومَفضوحٍ
فإن قيل ما السبب في حب الدنيا والتعلق بها والتكالب عليها مع كثرة همومها وغمومها وأنكادها فالجواب قلة المعرفة بعيوبها فلو كشف الغطاء لهربوا منها فإن قيل ما سبب زهد الأمراء في أبواب العلماء ورغبة العلماء فيما
[ ١ / ١٢٢ ]
عند الأمراء قيل سبب زهدهم لقلة رغبتهم ومعرفتهم بالعلم وأما رغبة العلماء فلمعرفتهم بفضيلة المال عند الحاجة إليه والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم (فائدة في معالجة حب الدنيا المستغرق للوقت)
أعلم أن حب الدنيا يندر من يسلم منه وهو ينبعث من طول الأمل لأن الإنسان يقول الأيام بين يدي وأفعل غدًا كذا وبعد غد سأفعل وأتمتع بالدنيا والتوبة مفتوح بابها وتتمادى به الأيام في جمع الأموال وبناء القصور ونحو ذلك وتشعب آماله إلى أن ينسى أن النفس الواحد يبعده من الدنيا ويدنيه من الآخرة.
وما نَفَسٌ إِلَّا يُباعِدُ مَوْلِدًا … ويُدْنِي المَنَايَا لِلنُّفوسِ فَتَقْرُبُ
ولكن من العلاج النافع أن يقول الموت ليس بيدي فكيف اعتمد على الحياة فربنا قضى والموت لا يتأخر بكراهتي قال الله جل وعلا: ﴿فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [النحل: ٦١] . وقال عز من قائل: ﴿وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا﴾ [المنافقون: ١١] .
ومن ذلك أن يقول هبني جمعت الدنيا أليس عند الموت أترك ذلك وأسأل عنه ويتمتع فيه غيري فلما لا أفكر في ذلك أجمع الدنيا لغيري وأبوء بحسابها وأضرارها. وأكون كما قال الشاعر:
كَدُوْدٌ كَدُودِ القَزِّ يَنْسِجُ دَائِمًا … ويَهْلِكُ غَمًّا وَسْط ما هُوْ نَاسِجُ
آخر:
وذِي حِرصٍ تَرَاهُ يُلِمُّ وفرًا … لِوَارِثِهِ وَيَدْفَعُ عَن حِمَاهُ
ككَلْبِ الصَّيِّد يُمْسِكُ وَهُو طَاوٍ … فَرِيْسَتَهُ لِيَأَكَلَها سِوَاهُ
ومن العلاج أن يعلم أن من كانت دنياه أكثر فحسرته أشد وخوفه
[ ١ / ١٢٣ ]
أعظم بخلاف من كان أخف منه دنيا فأمره أسهل فصاحب الألفين أشد حسابًا من صاحب الألف وهلم جرا.
ومن العلاج زيارة المقابر والنظر في مصارع الآباء والأمهات والأخوة والأخوات وسائر القرابات والأقران والزملاء والأصدقاء ويزور المستشفيات والمرضى والسجون والمستوصفات ليشكر الله على نعمه العظيمة.
تَزَوَّدْ مِن الدُنَيا فِإِنكَ رَاحِلُ … وَبَادِرْ فإنَّ الموتَ لا شَكَّ نَازِلُ
آخر:
خَلتْ دُورُهُم منهم وَأقْوَتْ عِراصُهُم … وساقَهُمُ نَحْو المنايَا المَقَادِرُ
وَخَلَّوْا عَن الدُنَيا وما جَمَعُوا لَها … وضَمَّهُمُ تَحْتَ التُرابِ الحَفائِرُ
آخر:
وعَضَتَكَ أجْدَاثٌ وهُنَّ صُمُوْت … وَأَصْحَابُهَا تَحْتَ التُراب خُفُوْتُ
أيا جَامِعَ الدنيا ومُهْمِلَ نَفْسِهِ … لِمَنْ تَجْمَعِ الدُنْيَا وَأَنْتَ تَمُوْتُ
ومن العلاج أن ينظر الإنسان إلى جسمه وانحلال قواه واشتعال الشيب الذي هو بريد الموت وضعف نظره وسمعه وتقارب خطاه وسقوط أسنانه.
تَسَاقَطُ أَسْنِانٌ وَيَضْعُفُ ناظِرٌ … وتَقْصُرُ خُطْواتٌ ويَثْقُلُ مَسْمَعُ
ومن العلاج أن تقول الرسل أعلم مني قنعوا بالقوت ورضوا بالكفاف وما طلبوا الدنيا فلماذا أنهمك فيها وأحرق نفسي وأغفل عن ما قدامي من الأهوال والعظائم التي أنا مقبل عليها في الآخرة.
أين الملوك أين الجبابرة أين الطغاة وأعوانهم انظري يا نفس هل بقى منهم أحد قال تعالى: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: ٩٨] .
[ ١ / ١٢٤ ]
ومن العلاج أن تقول نفرض أنك ملكتي الدنيا بأسرها وصفا لك عذبها وزلالها وأدركت الأماني أليس آخر ذلك الموت وعاقبته الفوت فلماذا تحرق نفسك في طلب ما هو عارية ووديعة ولا تذهب إلا بالكفن فقط.
فَقُلْ لِلِّذِي قد غَرَّهُ طُولُ عُمْرهِ … وَمَا قَدْ حَوَاهُ مِن زَخَارِفَ تَخْدَعُ
أفِقْ وانظُر الدُنيا بعَيْنِ بَصِيْرةٍ … تَجِدْ كُلَّ ما فيها وَدَائعَ تَرْجِعُ
آخر:
وَمَا المالُ والأَهْلُوْنَ إِلا وَدَائعٌ … وَلَا بُدَّ يومًا أَنْ تُرَدَّ الوَدَائِعُ
آخر:
هَوِّنْ عَلَْيَك فما الدُنْيا بِدَائمةٍ … ِ … وَإِنَّمَا أَنْتَ مِثْلَ الناسِ مَغْرُوْرُ
وَلَو تَصَوَّرَ أَهْلُ الدهْرِ صُورَتَهُ … لم يُمْسِ منهُمْ لَبيبٌ وَهْوَ مَسْرُورُ
آخر:
لَمَا تُؤْذِنُ الدُّنْيا به مِن صُرُوْفهَا … يَكُونُ بُكَاءَ الطِفْلِ سَاعَةَ يُوْلَدُ
آخر:
نَصِيْبُكَ مِمَّا تَجْمَعَ الدَّهْرَ كُلَّهُ … رِدَاآنِ تُطْويَ فِيْهمَا وحَنُوطُ
والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وسلم
(فصل)
عن إبراهيم التيمي قال ينبغي لمن لا يحزن أن يخاف أن يكون من أهل النار لأن أهل الجنة قالوا: "الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن" وينبغي لمن لم يشفق أن يخاف أن لا يكون من أهل الجنة لأنهم قالوا:"إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين".
[ ١ / ١٢٥ ]
وعن الفضيل بن عياض قال قيل لسليمان التيمي أنت وأنت أي يثنون عليه قال لا تقولوا هكذا فإني لا أدري ما يبدو لي من ربي ﷿ سمعت الله ﷿ يقول: ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧] . وإني أخشى أن يبدو لي من الله ما لم أكن احتسب.
وعن عكرمة عن محمد بن المنكدر أنه جزع عند الموت فقيل له لم تجزع فقال أخشى آية من كتاب الله ﷿ قال الله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧] . وإني أخشى أن يبدو لي من الله ما لم أكن أحتسب.
قلت وفيه آيات أخرى ينبغي أن تكون نصب عيني العاقل اللبيب وذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩] .
وقوله تعالى: ﴿يوم تبلوا كل نفس ما أسلفت﴾ [وقوله: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٦] .
وقوله جل وعلا وتقدس: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠] .
وقال عبد الأعلى التيمي شيئان قطعا عني لذة الدنيا ذكر الموت والوقوف بين يدي الله ﷿.
وعن أبي إسحاق قال أوى أبو ميسرة عمرو بن شرحبيل إلى فراشه فقال يا ليت أمي لم تلدني فقالت له امرأته أبا ميسرة أليس الله قد أحسن إليك هداك للإسلام وفعل بك كذا قال بلى ولكن الله أخبرنا أنا واردون على النار ولم يبين لنا أنا صادرون عنها.
[ ١ / ١٢٦ ]
وقال الحسن إن المؤمن يصبح حزينًا ويمسي حزينًا وينقلب باليقين في الحزن ويكفيه ما يكفي العنيزة الكف من التمر والشربة من الماء.
وقال حبيب ابن أبي ثابت ما استقرضت من أحدٍ شيئًا أحب إلى من نفسي أقول لها أمهلي حتى يجئ من حيث أحب.
شعرًا:
إذا رُمتَ أنْ تَستَقْرِضَ المَالَ مُنْفِقًا … على شهواتِ النَّفْسِ في زَمَنِ العُسْرِ
فَسَلْ نَفْسُكَ الإِنفاقَ مِن كَنْزِ صَبْرِها … عَلَيْكَ وإِنْظَارًا إلى زَمَنِ اليُسْرِ
فإن فَعَلَتْ كُنْتَ الغَنيَّ وإن أَبَتْ … فكُلَّ مَنَوُع بَعْدَها واسِعُ العُذْرِ
وقال الثوري ما ضرهم ما أصابهم في الدنيا جبر الله لهم كل مصيبة بالجنة، وسأل رجل سفيان الثوري فلم يكن معه ما يعطيه فبكى سفيان فقال له مسعر بن كدام ما يبكيك قال وأي مصيبة أعظم من أن يؤمل فيك رجل خيرًا فلا يصيبه عندك.
وبكى ثابت حتى كادت عينه تذهب فجاءوا برجل يعالجها فقال الرجل أعالجها على أن تطيعني قال وأي شيء قال على أن لا تبكي قال فما خيرهما إن لم تبكيا وأبى أن يعالجها.
وكان شقيق بن سلمة إذا صلى في بيته ينشج –أي يخشع ويبكي- ولو جعلت له الدنيا على أن يفعله وأحد يسمعه أو يراه ما فعله- أي يخشى من الرياء.
روى شداد بن أوس أن النبي - ﷺ - قال: «أخوف ما أخاف على أمتي الرياء» .
وكان عمرو بن عتبة بن فرقد يخرج على فرسه ليلًا إلى المقبرة فيقف على القبور فيقول يا أهل القبور قد طويت الصحف وقد رفعت الأعمال ثم
[ ١ / ١٢٧ ]
يبكي ويصف قدميه حتى يصبح فيرجع فيشهد صلاة الصبح.
وقالت امرأة حسان بن سنان كان يجئ فيدخل معي في فراشي ثم يخادعني كما تخادع المرأة صبيها فإذا علم أني نمت سل نفسه فخرج ثم يقوم فيصلي قالت فقلت له يا أبا عبد الله كم تعذب نفسك ارفق بنفسك فقال اسكتي ويحك فيوشك أن أرقد رقدة لا أقوم منها زمانا.
عن عبد الله بن المبارك قال حدثنا وهيب قال ما اجتمع قوم في مجلس أو ملأ إلا كان أولاهم بالله الذي يفتتح بذكر الله حتى يفيضوا في ذكره وما اجتمع قوم في مجلس أو ملأ إلا كان أبعدهم من الله الذي يفتتح بالشر حتى يخوضوا فيه وفي الحديث طوبى لمن كان مفتاحًا للخير مغلاقًا للشر وويل لمن كان مفتاحًا للشر مغلاقًا للخير.
(فصل)
كتب عمر بن عبد العزيز إلى سالم بن عبد الله أن اكتب إلي بشيء من رسائل عمر بن الخطاب فكتب أن يا عمر اذكر الملوك الذين تفقأت أعينهم الذين كانت لا تنقضي لذاتهم وانفقأت بطونهم التي كانوا لا يشبعون بها وصاروا جيفًا في الأرض وتحت أكنافها أن لو كانت إلى جنب مسكين لتأذى بريحهم.
وقال بلال بن سعد: رب مسرور مغبون ورب مغبون لا يشعر فويل لمن له الويل ولا يشعر يأكل ويشرب ويضحك ويلعب وقد حق عليه في قضاء الله أنه من أهل النار.
عن عون بن عبد الله بن عتبة أنه كان يقول: يا ويح نفسي كيف أغفل ولا يغفل عني أم كيف تهنيني معيشتي واليوم الثقيل ورائي أم كيف يشتد
[ ١ / ١٢٨ ]
عجبي بدار في غيرها قراري.
وكان داود الطائي في دار واسعة خربة ليس فيها إلا بيت وليس على بيته باب فقال بعض القوم أنت في دار وحشة فلو اتخذت لبيتك هذا بابًا أما تستوحش فقال حالت وحشة القبر بيني وبين وحشة الدنيا.
وقال محمد بن كعب: الدنيا دار فناء، منزل بلغة رغبت عنها السعداء وأسرعت من أيدي الأشقياء فأشقى الناس بها أرغب الناس فيها وأسعد الناس فيها أزهد الناس بها هي المعذبة لمن أطاعها المهلكة لمن اتبعها الخائنة لمن انقاد لها علمها جهل وغناؤها فقر وزيادتها نقصان وأيامها دول.
وعن بكر بن محمد قال: قلت لداود الطائي أوصني قال: عسكر الموتى ينتظرونك.
وقال أبو حازم: من عرف الدنيا لم يفرح فيها برخاء ولم يحزن على بلوى.
وقال ابن المبارك: أهل الدنيا خرجوا من الدنيا قبل أن يتطعموا أطيب ما فيها قيل له وما أطيب ما فيها قال المعرفة بالله ﷿.
وقال شداد بن أوس ﵁: إنكم لم تروا من الخير إلا أسبابه ولم تروا من الشر إلا أسبابه، الخير كله بحذافيره في الجنة والشر كله بحذافيره في النار وإن الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر والآخرة وعد صادق يحكم فيها ملك قاهر ولكل بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا.
وقال عمر بن ذر اعملوا لأنفسكم رحمكم الله في هذا الليل وسواده فإن المغبون من غبن خير الليل والنهار والمحروم من حرم خيرهما وإنما جعلا سبيلًا للمؤمنين إلى طاعة ربهم ووبالًا على الآخرين للغفلة عن أنفسهم فأحيوا لله
[ ١ / ١٢٩ ]
أنفسكم بذكره فإنما تحيا القلوب بذكر الله كم من قائم في هذا الليل قد اغتبط بقيامه في حفرته وكم من نائم في هذا الليل قد ندم على طول نومه عند ما يرى من كرامة الله ﷿ للعابدين غدًا فاغتنموا ممر الساعات والليالي والأيام.
وقال رجل لداود الطائي أوصني فدمعت عيناه ثم قال له يا أخي إنما الليل والنهار مراحل تنزل بالناس مرحلة مرحلة حتى ينتهي بهم ذلك إلى آخر سفرهم فإن استطعت أن تقدم في كل يوم مرحلة زادًا لما بين يديك فافعل.
فإن انقطاع السفر عن قريب والأمر أعجل من ذلك فتزود لسفرك واقض ما أنت قاض من أمرك فكأنك بالأمر قد بغتك إني لأقول هذا وما أعلم أحدًا أشد تضييعًا مني لذلك ثم قام.
وجاء داود الطائي أحد أصحابه بألفي درهم وقال هذا شيء جاء الله به لم تطلبه ولم تشره له نفسك قال داود إنه لمن أمثل ما يأخذون قال فما يمنعك منه قال لعل تركه أن يكون أنجى.
وقال محمد بن واسع: لقد أدركت رجالًا كان الرجل يكون رأسه مع رأس امرأته على وسادة واحدة قد بل ما تحت خده من دموعه لا تشعر به امرأته ولقد أدركت رجالًا يقوم أحدهم في الصف فتسيل دموعه على خده ولا يشعر به الذي إلى جنبه.
وقال سلمان الفارسي ﵁ أضحكني ثلاث وأبكاني ثلاث ضحكت من مؤمل الدنيا والموت يطلبه وغافل لا يغفل عنه وضاحك ملء فيه لا يدري أمُسخطٌ ربه أم مرضيه.
وأبكاني ثلاث فرقة الأحبة محمد وحزبه وهول المطلع عند غمرات الموت والوقوف بين يدي رب العالمين حين لا أدري إلى النار انصرافي أم إلى الجنة.
[ ١ / ١٣٠ ]
وقال أحد السلف لأن أعلم أن الله تقبل مني مثقال حبة من خردل أحب إلي من الدنيا وما فيها لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] .
وقال إبراهيم التيمي مثلت نفسي في النار أعالج أغلالها وسعيرها وأكل من زقومها وأشرب من حميمها فقلت يا نفس أي شيء تشتهين قالت أرجع إلى الدنيا أعمل عملًا أنجو به من هذا العذاب.
ومثلت نفسي في الجنة مع حورها ألبس من سندسها واستبرقها وحريرها فقلت يا نفس أي شيء تشتهين قالت أرجع إلى الدنيا فأعمل عملًا أزداد به من هذا الثواب فقلت الآن أنت في الدنيا وفي الأمنية. والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وسلم.