عباد الله ما ندم من أطاع الله في أي وقت كان، ولا عادت الطاعات على صاحبها إلا بالخير والبركة في كل آن، والعصاة في كل زمن الممقوتون مهما ابتسمت لهم الدنيا وقضوا فيها بعض مآربهم، ومهما هاموا بحبها وأحكموا أساليب جمعها، فإن الدنيا لا تبتسم لفاسق إلا لتسحقه ولا تفتح
[ ٢ / ٢٤ ]
ذراعيها لمقبل عليها إلا لتحرقه، قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: ٣٣] فماذا غرك فيها أيها المسكين، إن كان الذي غرك فيها كثرة النقدين أو ما ناب منابهما من أوراق، فإن الجنة حصباؤها اللؤلؤ، وترابها الزعفران، وبناؤها الذهب والفضة، والدر والياقوت، وإن كان الذي غرك منها فواكهها ومطعوماتها وما حوت من متاع، فإن في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وإن كان الذي غرك جمال نسائها، فإن في الجنة ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾ [النبأ: ٣٣] لو ظهر بنان إحداهن على الدنيا لأضاءت ما بين السماء والأرض ينظر إلى وجهه في خدها أصفى من المرآة، وتسر بمشاهدتها سرورًا لا يعلم قدره إلا الله، لا تنظر إلا إليها ولا تنظر إلا إليك، لا تتكلم إلا بما يسرك، تأمرها فتخضع، وتحدثها فتسمع، إذا تكلمت أطربت، لا تفتخر عليك بحسنها وجمالها، ولا تمن بجميل صنعها، لا تنفر منك ولا تغضب، ولا تلهو عنك ولا تصخب، الجمال كساؤها، والكمال رداؤها، والود والوفاء من طبعها، لا يعلو صوتها على صوتك ولا تجتهد إلا في مرضاتك، هادئة، ساكنة راضية تلك وأمثالها للمؤمنين المعلومين، من قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] إلى قوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١١] أيها المسلمون، لقد فاز والله من اجتهد فيما ينجيه، وخاب من أتعب نفسه فيما يخزيه، وأنتم الآن في فسحة من أجلكم، وصحة من أبدانكم، واكتمال من عقولكم، وآخر الأجل غائب عنكم، ولا تدرون كيف حالكم بعد يومكم فسارعوا إلى ﴿مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:
[ ٢ / ٢٥ ]
١٣٣] . من قبل أن يفقد البدن صحته، ويقول الحق كلمته، فينقضي الأجل، ويختم على العمل، فلا ينقص فيه ولا يزاد، ولا يعدل فيه شيء إلى المعاد، تقول ليتني أطعت، وما هي بنافعة، وليتني ما عصيت، وليست بدافعة، إذا فأضيع، الناس وأخسرهم صفقة من سوف في طاعة ربه، وأشدهم خسرانًا من لم يبادر في التوبة من ذنبه، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَن يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ [القصص: ٦٧] .
وفي الحديث: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل» . رواه البخاري.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين وانصر الإسلام والمسلمين. واجعل كلمتك هي العليا إلى يوم الدين واخذل الكفرة وأعوانهم والملحدين والمبتدعين وأصلح من في صلاحه صلاح الإسلام والمسلمين وأهلك من في هلاكه صلاح للإسلام والمسلمين وول على المسلمين خيارهم يا رب العالمين ولم شعثهم واجمع شملهم ووحد كلمتهم وانصرهم على من خالفهم وأحفظ بلادنا من الفسقة والمجرمين وأصلح أولادنا واشف مرضانا وعاف مبتلانا وارحم موتانا وخذ بأيدينا إلى كل خير واعصمنا من كل شر واحفظنا من كل ضر وأغفر اللهم للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات إنك قريب مجيب، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولا إلى النار مصيرنا ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا ولا تسلب نعمتك عنا وكن معنا حيثما كنا يا حي يا قيوم اللهم صلى على محمد وآله وصحبه أجمعين.
[ ٢ / ٢٦ ]