روى أبو الدرداء ﵁ قال قال رسول الله - ﷺ -: «تفرغوا من الدنيا، فإنه من كانت الدنيا أكبر همه، فرق الله عليه أمره وجعل فقره بَيْنَ عينيه ومن كانت الآخرة أكبر همه جمع الله له أموره وجعل غناه في قلبه وما أقبل عبد بقلبه إلى الله ﷿ إلا جعل الله قلوب المؤمنين تفد إليه بالود والرحمة وكان الله ﷿ إليه بكل خير أسرع» . ولما دخل أبو الدرداء الشام قال يا أهل الشام اسمعوا قول أخ ناصح فاجتمعوا إليه فقال ما لي أراكم تبنون ما لا تسكنون وتجمعون ما لا تأكلون وتؤملون ما لا تدركون إن الذين كانوا قبلكم بنوا مشيدًا وأملوا بعيدًا وجمعوا عتيدًا فأصبح أملهم غرورا
[ ١ / ٢١٥ ]
ومساكنهم قبورا. وقال بعضهم:
إن كل يوم يمر بكم يحمل ما ثبت فيه من خير أو شر ثم يمضي فلا يعود أبدًا فإن قدرتم أن تحظوا كل يوم بمكرمة وتثبتوا فيه حسنة فلا تؤخروا فإن الأيام صحائف فخلدوا فيها الجميل فقد رأيتم حفظها لما استودعت من المحامد والمحاسن والمكارم في قديم الدهر وحديثه.
شعرًا:
لَيْسَ الغَرِيْبُ غَرِيْبَ الشَّامِ وَاليَمَنِ … إِنَّ الغَرِيْبَ غَرِيْبُ اللَّحْدِ والكَفَنِ
تَمُرُ سَاعَاتُ أَيَّامِيْ بِلَا نَدَمٍ … وَلا بُكاءٍ ولا خَوفٍ ولا حَزَنِ
سَفَرِيْ بَعِيْدٌ وَزَادِيْ لا يُبَلِّغُنِي … وَقَسْمَي لم تَزَلْ وَالموتُ يَطْلُبُنِي
مَا أَحْلَمَ اللهَ عَني حَيْثُ أَمْهَلَنِي … وَقَدْ تَمَادَيْتُ في ذَنْبِي وَيَسْتُرنِي
أَنَا الذِي أُغْلِقُ الأَبْوَابَ مُجْتَهِدًا … عَلَى المعاصِي وَعَيْنُ اللهِ تَنْظُرُنِي
يا زَلةً كُتِبَتْ يا غَفْلَةً ذَهَبَتْ … يَا حَسْرَةً بَقِيَتْ في القَلْبِ تَقْتُلُنِي
دَعْ عَنْكَ عَذْلِي يا مَن كَانَ يَعْذِلُنِي … لَوْ كُنْتَ تَعْلَمُ مَا بِي كُنْتُ تَعْذُرُنِي
دَعْنِي أَنُوْحُ على نَفْسِي وَأَنْدِبُهَا … وَأَقْطَعُ الدَّهْر بالتَّذْكَارِ وَالحَزَنِ
دَعْنِي أَسِحُّ دُمُوعًا لا انْقطاع لَهَا … فَهَل عَسَى عَبْرَةٌ مِنْهَا تُخَلِّصُنِي
كَأَنَّنِي بَيْنَ تِلْكَ الأَهْلِ مُنْطَرِحًا … عَلَى الفِرَاشِ وَأَيْدِيهِمْ تُقَلِّبُنِي
وَقَدْ أَتَوْا بِطَبِيْبٍ كَيْ يُعَالِجُنِي … وَلَم أَرَ مِن طَبِيْبِ اليَومِ يَنْفَعُنِي
وَاشْتَدَّ نَزْعِي وَصَارَ الموتُ يَجْذِبُها … مِن كُلِّ عِرقٍ بِلا رِفْقٍ وَلا هَوَنِ
وَاسْتَخْرَجَ الرُوْحُ مِنِّي في تَغَرْغُرِهَا … وَصَارَ في الحَلْقَ مُرًا حِيْنَ غَرْغَرنِي
وَغَمَّضُونِي وَرَاحَ الكُلُّ وَانْصَرَفُوا … بَعدَ الإِيَاسِ وَجَدُّوا في شِرَا كَفَنِي
وَقَامَ مَنْ كَانَ أَوْلَى الناسِ في عَجَلٍ …
[ ١ / ٢١٦ ]
إِلى المُغَسِّلِ يأتِيْنِي يُغَسِلُنِي
وَقَالَ يا قَوْمُ نَبْغِي غَاسِلًا حَذقًا … حُرًّا أَدِيْبًا أَرِيْبًا عَارِفًا فَطِني
فَجَاءَنِي رَجُلٌ مِنْهُمْ فَجَردَنِي … مِن الثِيَابِ وَأعْرَانِي وَأفردَنِي
واطَّرحُونِي عَلَى الأَلْواحِ مُنْفَرِدًا … وَصَارَ فَوْقِي خَرِيْرُ المَاءِ يُنْظِفُنِي
وَأَسْكَبَ المَاءَ مِنْ فَوْقِي وَغَسَّلَنِي … غُسْلًا ثَلاثًا وَنَادَى القَوْمَ بِالكَفَنِي
وَأَلْبَسُونِي ثِيْابًا لا كُمُومَ لَهَا … وَصَارَ زَادِي حَنُوْطًا حِيْنَ حَنَّطَنِي
وَقَدَّمُونِي إِلى المِحْرَابِ وانصرفُوا … خَلْفَ الأمَامِ فَصَلَّى ثِم وَدَّعْنِي
صَلَّوا عَلَي صَلاةً لا رُكُوعَ لَهَا … وَلا سُجُودَ لَعَلَّ اللهَ يَرْحَمُنِي
وَأَنْزَلُونِي في قَبْرِي عَلَى مَهَل … وَأَنْزَلُوا وَاحِدًا مِنْهُم يُلَحِّدُنِي
وَكَشَّفَ الثَوْبَ عن وَجْهِي لِيْنَظُرنِي … وَأَسْبَلَ الدَّمْعَ مِن عَيْنَيْهِ أَغْرَقَنِي
فَقَامَ مُحْتَرِمًا بِالعَزْمِ مُشْتَمِلًا … وَصَفَّفَ اللِّبنَ مِن فَوقِي وَفَارَقَنِي
وَقَالَ هُلُّوا عَلَيْهِ التُّرَبَ واغْتَنِمُوا … حُسْنَ الثَّوَابِ مِن الرحمنِ ذِي المِنَنِ
في ظُلْمَةِ القَبْرِ لا أُمُّ هُنَاكَ وَلا … أَبٌ شَفِيْقٌ وَلا أَخٌ يُؤَنِّسُنِي
وَأَوْدَعُونِي وَلَجُوا في سُؤالِهمُوا … مَا لِي سِوَاكَ إِلهي مَن يُخَلِّصُنِي
وَهَالَنِي صُوْرةٌ في العَيْنِ إِذْ نَظَرَتْ … مِن هَوْلِ مَطْلَعِ مَا قَدْ كَانَ أَدْهَشَنِي
من مُنْكَرٍ وَنَكِيْرٍ مَا أَقُولُ لَهُم … إِذْ هَالَنِي مِنْهُمَا مَا كَانَ أَفْزَعَنِي
فامْنُن عَلَيَّ بِعَفْو مِنْكَ يَا أَمَلِي … فَإِنَّنِي مُوثَقٌ بِالذَّنْبِ مُرْتَهَنِ
تَقَاسَمَ الأَهْلُ مالِيْ بَعْدَمَا انْصَرَفُوا … وَصَارَ وزْرِي عَلى ظَهْرِي فَأثْقَلَنِي
فَلا تَغُرَّنَكَ الدُّنْيَا وَزِيْنَتُهَا … وانْظُرْ إلى فِعْلِهَا في الأَهْلِ والوَطَنِ
وانْظُر إلى مَن حَوَى الدُّنْيَا بِأَجْمَعِهَا … هَلْ رَاحَ مِنْهَا بِغَيْرِ الزَّادِ وَالكَفَنِ
خُذْ القَنَاعَةَ مِنْ دُنْيَاكَ وَارْضَ بِها …
[ ١ / ٢١٧ ]
لَوْ لَمْ يَكُنْ لَكَ إِلا رَاحَةُ البَدَنِ
يَا نَفْسُ كَفِّيْ عَنِ العِصْيَانِ واكْتَسِبِي … فِعْلًا جَمِيْلًا لَعَلَّ اللهَ يَرْحَمُنِي
اللهم أيقظنا من غفلتنا بفضلك وإحسانك وتجاوز عن جرائمنا بعفوك وغفرانك وألحقنا بالذين أنعمت عليهم في دار رضوانك وارزقنا كما رزقتهم من لذيذ مناجاتك واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(فصل)
ثم أعلم أيها الأخ أنه ما من ساعة تمر على العبد لا يذكر الله فيها إلا تأسف وتحسر على فواتها بغير ذكر الله ولذلك ينبغي للعاقل أن يجعل معه شيئًا يذكره لذكر الله كلما غفل عنه.
ويقال إن العبد تعرض عليه ساعات عمره في اليوم والليلة فيراها خزائن مصفوفة أربع وعشرين خزانة فيرى في كل خزانة أمضاها في طاعة الله ما يسره. فإذا مرت به الساعات التي غفل فيها عن ذكر الله رآها فارغة ساءه ذلك وتندم حين لا يفيده الندم.
وأما الساعات التي كان يذكر الله فيها فلا تسأل عن سروره فيها وفرحه بها حتى يكاد أن يقتله الفرح والسرور. قال بعضهم أوقات الإنسان أربعة لا خامس لها النعمة، والبلية، والطاعة، والمعصية.
ولله عليك في كل وقت منها سهم من العبودية.
فمن كان وقته الطاعة لله فسبيله شهود المنة من الله عليه أن هداه ووفقه للقيام بها.
[ ١ / ٢١٨ ]
ومن كان وقته المعصية فعليه بالتوبة والندم والاستغفار.
ومن كان وقته النعمة فسبيله الشرك والحمد لله والثناء عليه.
ومن كان وقته البلية فسبيله الرضا بالقضاء والصبر والرضا رضى النفس عن الله، والصبر ثبات القلب بين يدي الرب. اهـ.
العمر إذا مضى لا عوض وما حصل لك منه لا قيمة له. فعمر الإنسان هو ميدانه للأعمال الصالحة المقربة من الله تعالى والموجبة له جزيل الثواب في الآخرة. ولكن ما يعرف قدر العمر إلا نوادر العلماء.
قال الله جل وعلا وتقدس: ﴿ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] . وقال ﵎: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الطور: ١٩] . وقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ [الذاريات: ١٦] . الآيات.
وهذه هي السعادة التي يكدح العبد ويسعى من أجلها وليس لها منها إلا ما سعى كما قال جل وعلا وتقدس: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] .
فكل جزء يفوته من العمر خاليًا من عمل صالح. يفوته من السعادة بقدره ولا عوض له منه.
فالوقت لا يستدرك وليس شيء أعز منه وكل جزء يحصل له من العمر غير خال من العمل الصالح يتوصل به إلى ملك كبير لا يفنى ولا قيمة لما يوصل إلى ذلك لأنه في غاية الشرف والنفاسة.
ولأجل هذا عظمت مراعاة السلف الصالح ﵃ لأنفاسهم ولحظاتهم وبادروا إلى اغتنام ساعاتهم وأوقاتهم ولم يضيعوا أعمارهم في البطالة والتقصير ولم يقنعوا لأنفسهم إلا بالجد والتشمير فلله درهم ما أبصرهم
[ ١ / ٢١٩ ]
بتصريف أوقاتهم.
تَبْغِي الوُصُولَ بِسَيْرٍ فيه تَقْصِيْرُ … لا شَكَّ أَنَّكَ فِيْمَا رُمْتَ مَغْرُورُ
قَدْ سَارَ قَبْلَكَ أَبْطَالٌ فَمَا وَصِلُوا … هَذا وفي سَيْرهم جدٌّ وَتَشْمِيْرُ
قال بعضهم أدركت أقوامًا كانوا على ساعاتهم أشفق منكم على دنانيركم ودراهمكم فكما لا يخرج أحدكم دينارًا ولا درهمًا إلا فيما يعود نفعه عليه فكذلك السلف لا يحبون أن تخرج ساعة بل ولا دقيقة من أعمارهم إلا فيما يعود نفعه عليهم ضد ما عليه أهل هذا الزمان من قتل الوقت عند المنكرات.
بَقِيَّةُ العُمْرِ عندِي مَا له ثَمنٌ … وإِنْ غَدَا غَيْرَ مَحْسُوبٍ مِن الزمَنِ
يَسْتدَرِكُ المرءُ فِيهَا كلَّ فائِتةٍ … مِن الزمانِ وَيَمْحُو السُوءَ بِالحَسَنِ
آخر:
لا يحْقِر الرَّجُلُ الرَّفِيْعُ دَقِيْقَةً … في السَّهْو فيها لِلْوَضِيْعِ مَعَاذِرُ
فَكَبَائِرُ الرَّجُلِ الصَّغِير صَغِيْرَةٌ … وَصَغَائِرُ الرجُلِ الكَبير كَبَائِرُ
رأى أحد الزهاد إنسانًا يأكل فطوره وهو يحتاج إلى مضغ فقال هذا يستغرق وقتًا طويلًا فلما أخرج فطوره وإذا هو ما يستغرق إلا وقتًا يسيرًا.
فقال له ما حملك على هذا فقال إني حسبت ما بين المضغ والسف سبعين تسبيحة.
لله دره على هذه الملاحظة ولقد بلغنا أن أحد علماء السلف كان يأكل باليمنى والكراس باليسرى.
وإذا دخل الخلا أمر القارئ أن يرفع صوته كل هذا محافظة على الوقت.
[ ١ / ٢٢٠ ]
بلغ يا أخي قتالة الأوقات عند الملاهي والمنكرات من تلفاز ومذياع وكورات وجرائد ومجلات وقيل وقال ونحو ذلك.
ويا أخي إن كنت ممن عصمهم الله من هذه الشرور والبلايا والمنكرات فكثر من حمد الله وشكره وذكره واسأله الثبات حتى الممات.
وانصح إخوانك المسلمين واجتذبهم عن ضياع الأوقات فلعلك أن تكون سببًا لهدايتهم.
وَلا يَذْهَبَنَّ العُمْرُ مِنْكَ سَبَهْلَلا … وَلا تُغْبَنَنْ بالنَّعْمتينَ بَل اجْهِدِ
فَمَنْ هَجَر اللذَّاتِ نَالَ المُنَى ومَنْ … أَكَبَّ على اللذَّاتِ عَضَّ عَلَى اليَدِ
فَفِي قَمْعِ أَهْوَاءِ النُفُوسِ اعْتِزَازُهَا … وفي نَيْلِها ما تشتهِي ذِلُ سَرْمَدِ
ثم اعلم أيها الأخ إن الوقت ليس من ذهب كما يقول الناس فإنه أغلى من الذهب والفضة مهما بلغا كثرة إنه الحياة من ساعة الميلاد إلى ساعة الوفاة فتنبه لذلك وحافظ عليه واقتد بالسلف الصالح الذين عرفوا قيمة الوقت.
قال ابن مسعود ﵁ ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه عمري ولم يزد فيه عملي.
وقال آخر كل يوم يمر بي لا أزداد فيه علمًا يقربني من الله ﷿ فلا بورك لي في طلوع شمسه.
وقال آخر من أمضى يومًا من عمره في غير حق قضاه أو فرض أداه أو مجد أثله أو حمد حصله أو خير أسسه أو علم اقتبسه فقد عق يومه وظلم نفسه. ولا تسأل عن ندمه يوم ينظر المرء ما قدمت يداه.
وإذا كان هذا حرص السلف على الوقت والمحافظة عليه وتقديره عندهم فإن مما يحزن المسلم ويجرحه ويدمي القلب ويمزق الكبد أسى وأسفًا
[ ١ / ٢٢١ ]
نشاهده عند كثيرين من المؤمنين من إضاعة للوقت تعدت حد التبذير والإسراف والتبديد.
وبالحقيقة أن السفيه هو مضيع الوقت لأن المال له عوض أما الوقت فلا عوض له.
فالعاقل من حفظ وقته وتجنب ما يضيعه عليه كالجلوس عند الملاهي والمنكرات ومطالعة في الكتب الهدامات إن من أخسر الناس أعمارًا من شغلتهم شهواتهم عن أمور دينهم ومصالح أمورهم قال الله جل وعلا وتقدس: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨] .وقال عز من قائل: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨] .
اللهم انفعنا بما علمتنا، وعلمنا ما ينفعنا، ووفقنا للعمل بما فهمتنا، اللهم إن كنا مقصرين في حفظ حقك، والوفاء بعهدك، فأنت تعلم صدقنا في رجاء رفدك، وخالص ودك، اللهم أنت أعلم بنا منا، فبكمال جودك تجاوز عنا، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، الأحياء منهم والميتين، برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
شعرًا: قصيدة زهدية وعظية سقط بعضها وعوضناها عنه ما بين الأقواس:
لا تَأْسَفَنَّ عَلَى الدُّنْيَا وَمَا فِيْهَا … فَالمَوْتُ لا شَكَّ يُفْنِيْنَا وَيُفْنِيْهَا
وَمَنْ يَكُنْ هَمُّهُ الدُّنْيَا لِيَجْمَعَهَا … فَسَوْفَ يَوْمًا عَلَى رَغْمٍ يُخَلِّيْهَا
لا تَشْبَعُ النَّفْسُ مِنْ دُنْيَا تُجَمِّعُهَا … وَبُلَغَةٌ مِنْ قِوَامِ العِيْشِ تَكْفِيْهَا
إعْمَلْ لِدَارِ البَقَا رِضْوَانُ خَازنُهَا … الجَارُ أحْمِدُ والرَّحمنُ بَانِيْهَا
أَرْضٌ لَهَا ذَهَبٌ والمِسْكُ طِيْنَتُهَا … وَالزَّعْفَرانُ حَشِيْشٌ نَابِتٌ فِيْهَا
أَنْهَارُهَا لَبَنٌ محْضَّ وَمِنْ عَسَلٍ …
[ ١ / ٢٢٢ ]
والخَمْرُ يَجْرِي رَحَيْقًا في مَجَارِيْهَا
وَالطَّيْرُ تَجْرِي عَلَى الأَغْصَانِ عَاكِفَةً … تُسَبِّحُ اللهَ جَهْرًا في مَغَانِيْهَا
مَنْ يَشْتَرِي قُبَّةً في العَدْنِ عَالِيةً … في ظَلِّ طُوبى رَفِيْعَاتٍ مَبَانِيْهَا
دَلالُهَا المُصْطَفَى واللهُ بَائِعُهَا … وَجُبْرَئِيْل يُنَادِي في نَوَاحِيْهَا
مَنْ يَشْتَرِيْ الدَّارِ في الفِرْدَوْسِ يَعْمُرَهَا … بِرَكْعَةٍ في ظَلامِ اللَّيْلِ يُخْفِيْهَا
أَو سَدِّ جَوْعَةِ مِسْكِينٍ بِشِبْعَتِهِ … في يَوْم مَسْغَبَةٍ عَمَّ الغَلا فِيْهَا
النَّفْسُ تَطْمَعُ في الدَّنْيَا وَقَدْ عَلِمَتْ … أَنَّ السَّلامَةَ مِنْهَا تَرْكُ مَا فِيْهَا
وَاللهِ لَو قَنِعَتْ نَفْسِي بِمَا رُزِقَتْ … مِنَ المَعِيْشَةِ إِلا كَانَ يَكْفِيْهَا
وَاللهُ واللهِ أَيْمَانٌ مُكَرَّرَةٌ … ثَلاثَةٌ عَنْ يَمِيْنٍ بَعْدَ ثَانِيْهَا
لَوْ أَنْ في صَخْرَةٍ صَمَّا مُلَمْلَمَةٍ … في البَحْر رَاسِيَةٌ مِلْسٌ نَوَاحِيْهَا
رِزْقًا لِعَبْدٍ بَرَاهَا اللهُ لانْفَلَقَتْ … حَتَّى تُؤدِيْ إِلَيْهِ كُلُّ مَا فِيْهَا
أَوْ كَانَ فَوْقَ طِباقِ السَّبْعِ مَسْلَكُهَا … لَسَهَّلَ اللهُ في المَرْقَى مَرَاقِيْهَا
حَتَّى يَنَال الذِي في اللَّوحِ خُطَّ لَهُ … فَإِنْ أَتَتْهُ وإِلا سَوْفَ يَأْتِيْهَا
أَمْوَالُنَا لِذَوِي المِيْرَاثِ نَجْمَعُهَا … وَدَارُنا لِخَرَاِب البُومِ نَبْنِيْهَا
لا دَارَ لِلْمَرْءِ بَعْدَ المَوتِ يَسْكُنُهَا … إِلا التي كانَ قَبْلَ المَوْتِ يَبْنِيْهَا
فَمَنْ بَنَاهَا بِخَيْر طَابَ مَسْكَنُهُ … وَمَنْ بَنَاهَا بِشرِّ خَابَ بِانِيْهَا
وَالنَّاسُ كَالحَبِّ والدُّنْيَا رَحَى نَصُبِتْ … لِلْعَالمِيْنَ وَكفُّ المَوْتِ يُلْهِيْهَا
فَلا الإِقَامَةُ تُنْجِي النَّفْسَ مِنْ تَلَفٍ … وَلا الفِرَارُ مِنَ الأَحْدَاثِ يُنجِيْهَا
ولِلنُّفُوسِ وَإَن كَانَتْ عَلَى وَجَلٍ … مِن المنية آمَالٌ تُقَوِّيْهَا
فَالمَرْء يَبْسُطُهَا والدَّهْرُ يَقْبِضُهَا … وَالبِشْرُ يَنْشُرهَا وَالمَوْتُ يَطْوِيْهَا
وَكُلُّ نَفْسٍ لَهَا زَوْرٌ يُصَبِّحُهَّا …
[ ١ / ٢٢٣ ]
مِنَ المَنِيَّةِ يَوْمًا أَوْ يُمَسِّيْهَا
تِلْكَ المَنَازِلُ في الآفَاقِ خَاوِيَةٌ … أَضْحَتْ خَرَابًا وَذَاقَ المَوْتَ بَانِيْهَا
كَمْ مِن عَزيزٍ سَيَلْقَى بَعد عزته … ذُلًا وضَاحِكَةٍ يَوْمًا سَيُبْكِيْهَا
وَلِلْمَنَايَا تُرَبِّي كُلُّ مُرضِعَةٍ … وَلِلْحِسَاب بَرَى الأَرْواحَ بارِيْهَا
لا تَبْرَحَ النَّفْسُ تَنْعَى وهي سَالمةٌ … حَتَّى يَقُومَ بِنَادِ القَومِ نَاعِيْهَا
وَلَنْ تَزَالَ طِوَالَ الدَّهْرِ ظَاعِنَةً … حَتَّى تُقِيْمَ بِوَادٍ غَيْرِ وَادِيْهَا
أَيْنَ المُلوكُ الَّتِي عَنْ حَظِّهَا غَفَلَتْ … حَتَّى سَقَاهَا بِكَأسِ المَوْتِ سَاقِيْهَا
أَفْنَى القُرونَ وَأَفْنَى كُلَّ ذِي عُمُرٍ … كَذَلِكَ المَوتُ يُفْنِي كُلَّ مَا فِيْهَا
فَالمَوتُ أَحْدَقَ بِالدُّنْيَا وَزُخْرُفِهَا … وَالنَّاسُ في غَفْلَةٍ عَنْ كُلَّ مَا فِيْهَا
لَوْ أَنَّهَا عَقَلَتَ مَاذَا يُرَادُ بِهَا … مَا طَابَ عَيْشٌ لَهَا يَوْمًا وَيُلْهِيْهَا
"تَجْني الثَمَارَ غَدًا في دَارِ مَكْرُمَةٍ … لا مَنَّ فِيْهَا وَلا التَّكْدِيْرُ يَأْتِيْهَا"
"فِيْهَا نَعِيْمٌ مُقِيْمٌ دَائِمًا أَبَدًا … بِلا انْقِطَاعٍ وَلا مَن يُدَانِيْهَا"
"الأُذْنُ وَالعَيْنُ لَمْ تَسْمَعْ وَلَمْ تَرَهُ … وَلَمْ يَدْر في قُلُوبِ الخَلْقِ مَا فِيْهَا"
"فَيَا لَهَا مِنْ كَرَامَاتٍ إِذَا حَصَلَتْ … وَيَا لَهَا مِنْ نُفُوسِ سَوْفَ تَحْوِيْهَا"
"وَهَذِهِ الدَّارُ لا تَغْرُرْكَ زَهْرَتُهَا … فَعَنْ قَرِيْبٍ تَرَى مُعْجِبكَ ذَاوِيْهَا"
"فَارْبَأ بنَفْسُكَ لا يَخْدَعكَ لامِعُهَا … مِنَ الزَّخَارِفِ وَاحْذَرْ مِنْ دَوَاهِيْهَا"
"خَدَّاعَةٌ لَمْ تَدُمْ يَوْمًا عَلَى أَحَدٍ … وَلا اسْتَقَرَّتْ عَلَى حَالٍ لَيَالِيْهَا"
"فَانْظُرْ وَفَكَّرْ فَكَمْ غَرَّتْ ذَوي طَيْشِ … وَكَمْ أَصَابَتْ بِسَهْم المَوْتِ أَهْلِيْهَا"
اعْتَزَّ قَارُون في دُنْيَاهُ مِنْ سَفَهٍ … وَكَانَ مِنْ خَمْرِهَا يَا قَوْمُ ذَاتِيْهَا
يَبِيْتُ لَيْلَتَهُ سَهْرَانَ مُنْشَغِلًا … في أَمْرِ أَمْوَالِهِ في الهَمِّ يَفْدِيْهَا
وَفي النَّهَارِ لَقَدْ كَانَتْ مُصِيْبَتُهُ …
[ ١ / ٢٢٤ ]
تَحُزُّ في قَلْبِه حَزًّا فَيُخْفِيْهَا
فَمَا اسْتَقَامَتْ لَهُ الدُّنْيَا وَلا قَبِلتْ … مِنْهُ الودَادَ وَلَمْ تَرْحَمْ مُجِبِّيْهَا
"ثُمَّ الصَّلاةُ عَلَى المَعْصُومِ سَيِّدِنَا … أَزْكَى البَرِّيةِ دَانِيْهَا وَقَاصِيْهَا"