خطب علي ﵁ على المنبر فقال في خطبته: اتقوا الله عباد الله، وبادروا آجالكم بأعمالكم، وابتاعوا ما يبقى بما يزول عنكم –أي: اشتروا ما يبقى من النعيم الأبدي- مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، بما يفني من لذة الحياة الدنيا، وشهواتها الزائلة، وترحلوا فقد جد لكم الانتقال-أي: حثثتم وأزعجتم إلى الرحيل –واستعدوا فانتبهوا واعلموا أن الدنيا ليست بدار إقامة، فاستبدلوها بدار الآخرة فإن الله سبحانه لم يخلقكم عبثًا، ولم يترككم سدى- أي: مهملين، بلا راع يزجركم عما يضركم، ويسوقكم إلى ما ينفعكم- وما بين أحدكم وبين الجنة أو النار إلا الموت أن ينزل به، وإن غاية هي الأجل، تنقصها اللحظة، وتهدمها الساعة لجديرة بقصر المدة، وإن غائبًا يحدوه الجديدان الليل والنهار لحري بسرعة الأوبة، وإن قادمًا يقدم بالفوز أو الشقوة، لمستحق لأفضل العدة فتزودوا في الدنيا من الدنيا، ما تحرزون به أنفسكم غدًا، فاتقى عبد ربه، نصح نفسه، قدم توبته وغلب شهوته، فإن أجله مستور عنه، وأمله خادع له، والشيطان موكل به، يزين له المعصية ليركبها ويمنيه التوبة ليسوفها حتى تهجم منيته عليه، أغفل ما يكون عنها. اللهم اجعلنا ممن لا تبطره النعمة، ولا تطغيه، ولا تسدل على بصيرته حجب الغفلة عما هو صائر إليه، ولا تقصر به عن طاعة ربه
[ ١ / ٢٢٨ ]
غاية، ولا تحل به بعد الموت ندامة، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
هذه قصيدة بليغة جدًا وهي زهدية وعظية ألق لها سمعك
سِهَامُ المَنَايَا في الوَرَى لَيْسَ تُمْنَعُ … فَكُلُّ لَهُ يَوْمًا وَإِنْ عَاشَ مَصْرَعُ
وَكُلُّ وَإِنْ طَالَ المَدَى سَوْفَ يَنْتِهِي … إِلى قَعْر لَحْدٍ في ثَرَى مِنْهُ يُوْدَعُ
فَقُلْ لِلَّذِي قَدْ عَاشَ بَعْدَ قَرِيْنِهِ … إِلى مِثْلِهَا عَمَّا قَلِيْلٍ سَتُدْفَعُ
فَكُلُّ ابْنِ أُنْثَى سَوْفَ يُفْضِي إِلى الرَّدَى … وَيَرْفَعُهُ بَعْدَ الأَرائِكِ شَرْجَعُ
وَيُدْرِكُهُ يَوْمًا وَإِنْ عَاشَ بُرْهَةً … قَضَاءٌ تَسَاوَي فِيْهِ عَوْدٌ وَمُرْضَعُ
فَلا يَفْرَحَنْ يَوْمًا بِطُولِ حَيَاتِهِ … لَبِيْبٌ فَمَا في عَيْشِهِ المَرْءُ مَطْمَعُ
فَمَا العَيْشُ إِلا مِثْلُ لَمْحَةِ بَارِقٍ … وَمَا المَوْتُ إِلا مِثْلُ مَا العَيْن تَهْجعُ
وَمَا النَّاسُ إِلا كَالنَّبَاتِ فَيَابِسٌ … هَشِيْمٌ وَغَضُّ إِثرَ مَا بَادَ يَطْلَعُ
فَتَبًا لِدَارٍ مَا تَزَالُ تَعُلُّنَا … أَفَاوِيْقَ كَأْسٍ مُرَّةً لَيْس تُقْنِعُ
سَحَابُ أَمَانِيْهَا جَهَامٌ وَبَرْقُهَا … إِذَا شِيْمَ بَرْقٌ خَلَّبٌ لَيْسَ يَهْمَعُ
تَغُرُّ بَنِيْهَا بالمُنَى فَتَقُودُهُمْ … إِلى قَعْرِ مَهْوَاةٍ بِهَا المَرْءُ يُوْضَعُ
فَكَمْ أَهْلَكَتْ في حُبَّها مِنْ مُتَيَّمٍ … وَلَمْ يَحْظَ مِنْهَا بِالمُنَى فَيُمَتَّعُ
تُمَنِّيْهِ بالآمَالِ في نَيْل وَصْلِهَا … وَعَنْ غَيَّهِ في حُبِّهَا لَيْسَ يَنْزِعُ
أَضَاعَ بِهَا عُمْرًا لَهُ لَيْسَ رَاجِعًا … وَلَمْ يَنَلِ الأَمْرَ الذِي يُتَوقَّعُ
فَصَارَ لَهَا عَبْدًا لِجَمْعٍ حُطَامِهَا … وَلَمْ يَهْنَ فِيها بِالذِي كَانَ يَجْمَعُ
وَلَوْ كَانَ ذَا عَقْلٍ لأغْنَتْهُ بُلْغَةٌ … مِنَ العَيْشِ في الدَّنْيَا وَلَم يَكُ يَجْشَعُ
إِلى أَنْ تُوَافِيْهِ المَنِيَّةُ وَهُوَ بَالْ … قَنَاعَةٍ فِيْهَا آمِنًا لا يُرِوَّعُ
مَصَائِبُهَا عَمَّتْ فَلَيْسَ بِمُفْلَتٍ …
[ ١ / ٢٢٩ ]
شُجَاعٌ وَلا ذُو ذِلّةٌ لَيْسَ يَدْفَعُ
وَلا سَابِحٌ في قَعْرِ بَحْرٍ وَطَائِرٌ … يُدَوِّمُ في بُوْحِ الفَضَاءِ وَيَنْزِعُ
وَلاذُو امْتِنَاعٍ في بُرُوجٍ مُشِيْدَةٍ … لَهَا في ذُرَى جَو السَّمَاءِ تَرَفُّعُ
أَصَارَتْهُ مِنْ بَعْدِ الحَيَاةِ بِوَهْدَةٍ … لَهُ مِنْ ثَرَاهَا آخِرَ الدَّهْرِ مَضْجَعُ
تَسَاوَى بِهَا مَنْ حَلَّ تَحْتَ صَعِيْدِهَا … عَلَى قُرْبِ عَهْدٍ بِالمَمَاتِ وَتُبَّعُ
فَسِيَّانِ ذُو فَقْرٍ بِهَا وَذَوُوا الغِنَى … وَذُوْ لَكَنْ عِنْدَ المَقَالِ وَمِصْقَعُ
وَمَنْ لَمْ يَخَفْ عِنْدَ النَّوَائِب حَتْفَهُ … وَذُوْ جُبُنٍ خَوْفًا مِنَ المَوْتِ يُسْرِعُ
وَذُوْ جَشَعٍ يَسْطُو بِنَابٍ وَمَخْلَبٍ … وَكُلُّ بُغَاثٍ ذَلَّةً لَيْسَ يَمْنَعُ
وَمَنْ مَلَكَ الآفَاقَ بَأْسًا وَشِدَّةً … وَمَنْ كَانَ مِنْهَا بِالضَّرُوْرَةِ يَقْنَعُ
وَلَوْ كَشَفَ الأَجْدَاثَ مُعْتَبِرًا لَهُمْ … لِيَنْظُرَ آثَارَ البِلَى كَيْفَ يَصْنَعُ
لِشَاهَدَ أَحْدَاقًا تَسِيْل وَأَوْجُهًا … مُعَفَّرَةً في التُّرْبِ شُوهًا تُفَزعُ
غَدَتْ تَحْتَ أَطْبَاقِ الثَّرَى مُكْفَهِرَّةً … عَبُوْسًا وَقَدْ كَانَتْ مِنَ البَشْرِ تَلْمَعُ
فَلَمْ يُعْرَفِ المَوْلَى مِنَ العَبْدِ فِيْهِم … وَلا خَامِلًا مِنَ نَابِهٍ يَتَرَفَّعُ
وَأَنَّى لَهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ بَعْدَمَا … تَبَيَّنَ مِنْهُم مَا لَهُ العَيْنُ تَدْمَعُ
رَأَى مَا يَسُوءُ الطَّرْفَ مِنْهُم وَطَالَمَا … رَأَي مَا يَسُرُّ النَّاظِرِيْنَ وَيُمْتِعُ
رَأَى أَعْظُمًا لا َتْسَتطِيْعُ تَمَاسُكًا … تَهَافَتَ مِنْ أَوْصَالِهَا وَتَقَطَّعُ
مُجَرَّدَةً مِنْ لَحْمِهَا فَهِي عِبْرَةٌ … لِذِي فِكْرَةٍ فِيْمَا لَهُ يَتَوقَّعُ
تَخَوَّنَها مَرُّ الليَالِي فَأصْبَحَتْ … أَنَابِيْبَ مِنْ أَجْوَافِهَا الرِّيْحُ تُسْمَعُ
إلى حَالَةٍ مُسْوَدَّةٍ وَجَمَاجِمٍ … مَطَأْطَأَةٍ مِنْ ذِلَّةٍ لَيْس تُرْفَعُ
أُزِيْلَتْ عَنِ الأَعْنَاقِ فَهِي نَوَاكِسٌ … عَلَى التُّرْبِ مِنْ بَعد الوَسَائِدِ تُوْضَعُ
عَلاهَا ظَلامٌ لِلْبِلَى وَلَطَالَمَا …
[ ١ / ٢٣٠ ]
غَدَا نُورُهَا في حِنْدِسِ الظُّلْمِ يَلْمَعُ
كَأَن لَمْ يَكُنْ يَوْمًا عَلا مَفْرِقًا لها … نَفَائِسُ تِيْجَانٍ وُدُرٍ مُرَصَّعُ
تَبَاعَدَ عَنْهُمْ وَحْشَةًَ كُلُّ وَامِقٍ … وَعَافَهُمْ الأَهْلُونَ وَالنَّاسُ أَجْمَعُ
وَقَاطَعَهُمْ مَنْ كَانَ حَالَ حَيَاتِهِ … بِوَصْلِهِمُ وَجْدا بِهِمْ لَيْسَ يَطْمَعُ
يُبَكِّيْهِمْ الأَعْدَاءُ مِنْ سُوءِ حَالِهِمْ … وَيَرْحَمُهُمْ مَنْ كَانَ ضِدًا وَيَجْزَعُ
فَقُلْ لِلذِي قَدْ غَرَّهُ طُوْلُ عُمْرِهِ … وَمَا قَدْ حَوَاهُ مِنْ زَخَارِفَ تَخْدَعُ
أَفِقْ وَانْظُرِ الدُّنْيَا بِعَيْنٍ بَصِيْرَةٍ … تَجِدْ كُلَّ مَا فِيْهَا وَدَائِعَ تَرْجِعُ
فَأَينَ المُلُوكُ الصَّيْدُ قِدْمًا وَمَنْ حَوَى … مِنَ الأَرْضِ مَا كَانَتْ بِهِ الشَّمْسُ تَطْلَعُ
حَوَاهُ صَرِيحٌ مِنْ فَضَاءِ بَسِيْطِهَا … يُقَصِّرُ عَنْ جُثْمَانِهِ حِيْنَ يُذْرَعُ
فَكَمْ مَلِكٍ أَضْحَى بِهَا ذَا مَذَلَّةٍ … وَقَدْ كَانَ حَيًّا لِلْمَهَابَةِ يُتْبَعُ
يَقُودُ عَلَى الخَيْل العِتَاقِ فَوَارِسًا … يَسُدُّ بِهَا رَحْبَ الفَيَافِي وَيُتْرِعُ
فَأَصْبَحَ مِنْ بَعْدِ التَّنَعُّمِ فِي ثَرَى … تُوارِي عِظَامًا مِنْهُ بَهْمَاءُ بَلْقَعُ
بَعِيْدًا عَلَى قُرْبِ المَزَارِ إِيَابُهُ … فَلَيْسَ لَهُ حَتَّى القِيَامَةَ مَرْجِعُ
غَرِيْبًا عَنِ الأَحْبَابِ وَالأَهْلِ ثَاوِيًا … بَأَقْصَى فَلاةٍ خَرْقُهُ لَيْسَ يُرْقَعُ
تُلِحُّ عَلَيْهِ السَّافِيَاتُ بِمَنْزِلٍ … جَدِيْبٍ وَقَدْ كَانَتْ بِهِ الأَرْضُ تُمْرِعُ
رَهِيْنًا بِهِ لا يَمْلِكُ الدَّهْرَ رَجْعَةً … وَلا يَسْتَطِيْعَنَّ الكَلامَ فَيُسْمَعُ
تَوَسَّدَ فِيْهِ التُّرْبَ مِنْ بَعْدِ مَا اغْتَدَى … زَمَانًا عَلَى فُرُشٍ مِنَ الخَزِّ يُرْفَعُ
كَذَلِكَ حُكْمُ اللهِ في الخَلْقِ لَنْ تَرَى … مِنَ النَّاسِ حَيًّا شَمْلُهُ لَيْسَ يَصْدَعُ
اللهم انهج بنا مناهج المفلحين وألبسنا خلع الإيمان واليقين وخصنا منك بالتوفيق المبين ووفقنا لقول الحق وإتباعه وخلصنا من الباطل وابتداعه وكن له
[ ١ / ٢٣١ ]
مؤيدًا ولا تجعل لفاجر علينا يدًا واجعل لنا عيشًا رغدًا ولا تشمت بنا عدوًا ولا حاسدًا وارزقنا علمًا نافعًا وعملًا متقبلًا وفهمًا ذكيًا وطبعًا صفيًا وشفا من كل داء واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.