عباد الله إن داء الحسد من أعظم الأدواء، والابتلاء به من أشد البلوى، يحمل صاحبه على مركب صعب ويبعده عن التقوى، ويركبه الأهواء فيظل ويغوى، يضيق صدر الحسود وينفطر قلبه إذا رأى نعمة الله على أخيه المسلم فيعاني من البؤس واللأوى، ما لا يستطيع أن يبث معه ما يجده من الحزن
[ ١ / ٢٣٥ ]
والقلق، ولا يقدر على الشكوى، إلا إلى الشيطان ونفسه الأمارة بالسوء أو من هو مثله في الحسد، فقاتل الله الحسود لا يفعل الخير ولا يحبه لإخوانه المسلمين، غاية أمنيته زوال نعمة الله عن عباده إنه بعمله سالك طريق إبليس لعنه الله، فما أوقع الشيطان في معصية الله إلا حسده لأبينا آدم وامتناعه من السجود بعد ما أمره الله، وما حمل قابيل على قتيل هابيل إلا حسده لأخيه حيث تقبل الله منه قربانه الذي أراد به وجه الله والدار الآخرة وما منع المشركين والمترفين من إتباع الرسل إلا الحسد والكبر، وما حمل أهل الكتاب على كراهة الدين الإسلامي وصرف المسلمين عن كتاب الله والإيمان بسيد الرسل وخاتمهم إلا ما ذكره الله عنهم ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ البقرة: ١٠٩] . الآية، وقال - ﷺ -: «الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب» الحاسد لا يضمر إلا غدرًا ولا يعمل إلا شرًا ولا يدبر إلا مكرًا وجملة القول أن الحاسد ميسر للعسرى لا تجدي معه المواعظ والنصائح وقد قيل إن بضاعة إبليس خمسة أصناف يبيعها من قوم معروفين، وهي الحسد وأهله العلماء، وأهل الحرفة الواحدة، أي كل من يتفق عملهم مسلمين أو غير مسلمين، والكبر وأهله الأنذال والسفلة والسفهاء والحمقاء ومن لا خير فيه من المحترفين.
والجور والطغيان، وأهله الملوك والأمراء والوزراء والعظماء، وأعوانهم من الفسقة والمجرمين، والكيد، وأهله النساء، والنمامين والدلالين، والمتسببين وبئست البضاعة بضاعة الشيطان، ويا حسرة المشترين، ويا ندامتهم ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [الدخان: ٤١] . ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] قيل إنه كان رجل يغشى أحد الملوك
[ ١ / ٢٣٦ ]
فيقوم بحذاء الملك فيقول أحسن إلى المحسن بإحسانه، فإن المسيء سيكفيكه إساءته، فحسده رجل على ذلك المقام، والكلام فسعى به إلى الملك، فقال إن هذا الذي يقوم بحذائك ويقول ويقول ما يقول يزعم أنك أبخر، فقال له الملك وكيف يصح ذلك عندي، قال تدعوه إليك فإنه إذا دنا منك وضع يده على أنفه لئلا يشم رائحة البخر، فقال له انصرف حتى أنظر وأتحقق ذلك، فخرج من عند الملك، فدعا الحاسد ذلك الرجل إلى منزله فأطعمه طعامًا فيه ثوم فخرج الرجل من عنده وذهب إلى الملك على عادته وقام بحذاء الملك فقال أحسن إلى المحسن بإحسانه فإن المسيء سيكفيكه إساءته فقال له الملك إدن مني، فدنا منه ووضع يده على فيه، مخافة أن يشم الملك منه رائحة الثوم فقال الملك في نفسه ما أرى فلانًا إلا صدق، قال وكان الملك لا يكتب بخطه إلا بجائزة أو صلة، فكتب له كتابًا بخطه إلى عامله: قال فيه إذا أتاك حامل كتابي هذا فاذبحه، واسلخه، وأحش جلده تبنًا وابعث به إلي، وأخذ الكتاب وخرج فلقيه الرجل الذي سعى به إلى الملك وكذب عليه، فقال له ما هذا الكتاب قال خط الملك لي به صلة فقال هبه لي فقال هو لك فأخذه، الساعي ومضى به إلى عامل الملك، فقال له العامل: في كتابك أني أذبحك، وأسلخك فقال إن الكتاب ليس لي، فالله الله في أمري حتى تراجع الملك فقال ليس لكتاب الملك مراجعة فذبحه وسلخه وحشى جلده تبنًا، وأرسله للملك، ثم عاد الرجل إلى الملك كعادته وقال مثل قوله، فتعجب الملك، وقال له ما فعل الكتاب، فقال لقيني رجل هو فلان فاستوهبه مني فوهبته له، قال له الملك إنه ذكر لي أنك تزعم أني أبخر قال ما قلت ذلك قال فلم وضعت يدك على فيك قال لأنه أطعمني طعامًا فيه ثوم فكرهت أن تشمه، قال صدقت، ارجع إلى مكانك، فقد كفى المسيء إساءته فانظر يا أخي كيف دارت على الباغي الدوائر
[ ١ / ٢٣٧ ]
واسأل ربك أن يعافيك من هذه الأمراض الفتاكة التي ربما قضت على حياته وأوصلته في الآخرة نار جهنم.
وختامًا فعلى اللبيب أن يتجنب الحسد فإنه من خُلُق الأدنياء وصفة الجهلاء فإن أبصرت بقائم بالحق فاعضده ويسر له السبيل حسب استطاعتك وإن رأيت نعمة أسبغها الله على عبد من عباده فاسع إلى مثلها بقلب طاهر ووجدان نقي لعلك أن تبلغها بإذن الله.
فعزيز النفس إن أبصر غيره في أمر يثنى عليه به، أو رآه في منزلة يغبط عليها فلا يجول في وهمه أن يحسده على نعمته أو يحط من منزلته بل يسعى كل السعي لينال مثل مناله ويرقى مثل رقيه فإن زادت فيه عزة النفس والإباء فلا يرضى لنفسه إلا بما فوق ذلك المقام.
اللهم وفقنا توفيقًا يقينا عن معاصيك وأرشدنا إلى السعي فيما يرضيك وأجرنا يا مولانا من خزيك وعذابك وهب لنا ما وهبته لأوليائك وأحبابك واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.