عباد الله إن لكم بأبدانكم عناية عظيمة لا تساميها العنايات بل كل حياتكم ذاهبة فيما تبذلونه لخدمة هذا البدن من مجهودات أليس ليلكم ونهاركم في كد مديم لجمع الأموال وهل كل تلك الأموال إلا وسيلة تصلون بها ما لهذا البدن من ملذوذات.
لا بأس بالاعتناء بالبدن لكن بدون هذا الإفراط الذي لا يرتضيه العاقل
[ ١ / ٢٤٣ ]
اللبيب لأن البدن مهما أكرم مآله إلى التراب تتمتع بلذيذ لحمه الديدان والذي ينبغي أن تهتم به وتصرف عنايتك به نفسك قبل جسمك التي أنت بها من صفوة هذا العالم وعلى العناية بها تتوقف سعادتك في هذه الحياة وبعد الممات.
ولهذه النفس غذاء ولعلك تود أن تعرفه وهو جدير بالاعتناء منك والتقدير والجد له والتشمير لأن منفعته دنيا وأخرى ولا نسبة بينها وبين منفعة هذه الأبدان.
ذلك الغذاء أو القوت هو أنواع الطاعات كإخلاص الأعمال لله والذكر له والشكر له ومحبته وتعظيمه والقيام التام بأركان الإسلام الشهادتين والصلاة والزكاة والصيام والحج وسائر الباقيات الصالحات وأنواع العلوم والمعارف أوحاها الله وأودعها هذه المصنوعات.
والاعتناء بمكارم الأخلاق ومحاسن الشيم وما إلى ذلك من أنواع القربات والذي يظهر لنا من حالك وسيرتك أنك في شغل شاغل عن الإقبال على النفس وتغذيتها بما قلنا من أنواع الطاعات ذلك أن قلبك متعلق بتحصيل غذاء الجسم والاعتناء به فهو الذي نصب عينيك.
ولذلك تشب وتشيب وتموت وأنت جاهل بضروريات الدين الإسلامي وربما مر عليك مدة طويلة بدون أن تتفكر بنعم الله وتذكره بلسانك وتشكره على ما أولاك وكذلك الآخرة ربما أنها تمضي المدة لا تذكرها ولا تستعد لها.
وكما أن للأبدان أمراض كثيرة فللنفس أمراض أكثر وأعظم وأخطر وتلك الأمراض هي السيئات التي من وقيها رحم قال الله تعالى: ﴿وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر: ٩] .
وكذلك من أمراض النفس رذائل الأخلاق والجهل بالشرع الحكيم
[ ١ / ٢٤٤ ]
ولهذه الأمراض دواء نافع بإذن الله أن تتوب توبة نصوحًا إلى الله وتتخلق بضد الفعل أو الخلق الذميم فهل لك شوق إلى هذا الدواء الشافي بإذن الله كما أنك تشتاق بل تهرول وتسرع إلى طبيب الأبدان ومعك ما معك من المال إذا أحسست بمرض في بدنك وإن لم تجد في بلادك ذهبت تطلب الشفاء ولو في بلاد الحرية والكفر محكمة القوانين أعداء الله ورسوله والمؤمنين.
أما بديع السموات والأرض فلا أراك تلتجي له إلا عند الشدائد وهذا والله قبيح ممن يدين بدين الإسلام ويؤمن بالبعث والنشور، فالتفت يا أخي لنفسك وذكرها بنعم الله عليك لتتمكن محبته منها واقبل عليها وعودها على الآداب الشرعية.
شعرًا:
للهِ قومٌ أَخْلَصُوْا في حُبِّهِ … فَكَسَا وجُوهَهُمُ الوَسِيْمَةَ نُوْرًا
ذَكَرُوا النَّعِيْمَ فَطَلَّقُوا دُنْْيَاهُمُوا … زُهْدًا فَعَوضَهُم بِذَاكَ أَجُوْرًا
قَامُوا يُنَاجُونَ الإلهَ بِأَدْمُعٍ … تَجْري فَتَحْكِيْ لُؤلُؤًا مَنْثُوْرًا
سَتَروا وُجُوهَهُمُوا بِأَسْتَارِ الدُّجَى … لَيْلًا فَأَضْحَتْ في النَّهَارِ بُدُوْرًا
عَمِلُوا بِمَا عَلِمُوا وَجَادُوْا بِالذِي … وَجَدُوا فَأَصْبَحَ حَظهُم مَوفُورًا
وَإِذَا بَدَا لَيْلٌ سَمِعْتَ حَنِيْنَهُمْ … وَشِهَدْتَ وجْدًا مِنْهُمُوا وَزَفِيرًا
تَعِبُوا قَلِيلًا في رِضَا مَحْبُوبِهِم … فَأَرَاحَهُم يَوْمَ اللِّقَاءِ كَثِيْرًا
صَبَرُوا عَلى بَلْوَاهُمُوا فَجَزَاهُمُوا … يَوْمَ القِيَامَةِ جَنَّةً وَحَرِيْرًا
يَا أَيُّهَا الغِرُّ الحَزِيْنُ إِلى مَتَى … تُفْنِي زَمَانَكَ بَاطِلًا وَغُرُوْرًا
بَادِرْ زَمَانَكَ واغْتَنِمْ سَاعَاتِهِ … وَاحْذَرْ تَوانًا كَي تَحَوُزَ أَجُوْرًا
وَاضْرعْ إِلى المَولى الكَريمِ وَنَادِهِ … يَا وَاحِدًا في مُلكِهِ وَقَدِيْرًا
مَا لي سِوَاكَ وَأَنْتَ غَايَةُ مَقْصَدِي …
[ ١ / ٢٤٥ ]
وَإِذَا رَضِيْتَ فَنِعْمَةٌ وَسُرُوْرًا
اللهم اجعلنا من المتقين الأبرار وأسكنا معهم في دار القرار، اللهم وفقنا بحسن الإقبال عليك والإصغاء إليك ووفقنا للتعاون في طاعتك والمبادرة إلى خدمتك وحسن الآداب في معاملتك والتسليم لأمرك والرضا بقضائك والصبر على بلائك والشكر لنعمائك، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وآله أجمعين.