عباد الله إنما حرم الله عليكم الخمر، لما فيه من الأضرار والأخطار، وما منعكم من شربها إلا لما ينشأ عن ذلك من المفاسد والشرور والأضرار، فشارب الخمر ملعون على لسان نبيكم محمد - ﷺ -، وبائعها، وشاربها، وعاصرها ومعتصرها، وساقيها، وحاملها، والمحمولة إليهن ومدمن شربها لا يدخل الجنة، بل يدخل النار ويسقى من طينة الخبال -عرق أهل النار- وورد أن مدمن الخمر كعابد وثن فشارب الخمر مفسد لدينه، ومفسد لجسمه، وصحته، وجان على نفسه، وعلى أولاده، وأقاربه، وأهله وجيرانه ومفرط في ماله ومسرف فيه وعابث بكرامته، وساع إلى الشر والفساد بيده، ورجله، ولسانه، وصائل، خبيث، على الأخلاق والأديان شارب الخمر عضو مسموم في جسم مواطنيه، إذا لم يبادروه بالعلاج أو يقطعوه أصابهم ضرره، شارب الخمر يزين الشر ويحسنه، لبنيه، وبناته، وأصدقائه ويدعوهم بلسان حاله ومقاله، وأنتم تعلمون أن داعي الفساد مجاب في كل زمان ومكان وأنصاره بلا عد ولا حسبان، وإذا دبت الخمر في رأس شاربها فقد شعوره، وزنى، ولاط، أو ليط به، وجاء بأنواع الفحش، والفجور، وسب وشتم، وقذف، ولعن، وطلق وسب الدين والمسلمين، بل ربما وقع على أمه، أو بنته أو أخته أو على نساء جيرانه، أو على بهائمه، وربما كفر بالله وارتد عن الإسلام، وترك الصلاة، وأفطر في رمضان، وسب القرآن، وبالجملة أن من تعاطى الخمر سقط من شاهق مجده إلى مستوى الخنازير، والقردة يصدق بهذا من عاين شارب الخمر وقد استولى عليه الشراب وغطى عقله فترى من يقوده متعب، يجره كما يجر الدابة الحرون بل الدابة تمشي أحيانًا هادئة إذا جرت لا
[ ١ / ٢٥١ ]
تتعب القائد دائمًا، وأما السكران فيميل بقائده هكذا وهكذا، حتى يكلفه متاعب عظيمة، والدابة إذا رأت حفرة امتنعت عنها وتباعدت عنها، أما شارب الخمر فتكون الحفرة أمامه ويسقط فيها، والدابة ربما دافعت عن طعامها وشارب الخمر تسلب منه النقود، ولا يحصل منه أدنى ممانعة، ومعنى هذا أن البهيمة أرجح وأحسن حالًا منه، وقد قال الخبير بأحوال شراب الخمر، من أردا أن يعرف قدر السكير، فلينظر إلى قهقهته، وضحكه، والخمار يوالي الصفعات على قفاه، ولينظر رقصه أمام البزور، كأنه قرد يرقصه صاحبه، ليضحك من يراه، ولينظره وهو يجري وراء أمه، أو بنته، ليقضي منها حاجته ومناه، ولينظره وامرأته تكنس ملابسه، وتمسحها من الأوساخ، التي يقذفها على ثيابه، والقاذورات، هذا قدر شارب الخمر عندنا، أما عند الله ﷿ فهو كعابد وثن ملعون، نسأل الله جل وعلا أن يعصمنا وإخواننا المسلمين منها ومن سائر المعاصي وأن يلطف بنا ويوفقنا لما يرضيه عنا ويغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمته إنه أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
شعرًا:
نَبْنِي وَنَجْمَعُ وَالآثارُ تَنْدَرِسُ … وَنَأَمَلُ اللُّبْثَ والأعمارُ تُخْتَلَسُ
ذَا اللُّبِّ فَكِّرْ فَمَا في العَيْشِ مِن طَمَعٍ … لا بُدَّ مَا يَنْتَهِي أَمْرٌ وَيَنْعَكِسُ
أَيْنَ المُلُوْكُ وَأَبْنَاءُ المُلوكِ وَمَن … كانُوا إِذَا النَّاسُ قَامُوا هَيْبَةً جَلَسُوا
وَمَنْ سُيُوفُهُم في كُلِّ مُعْتَرَكٍ … تَخْشَى وَدُوْنَهُم الحُجَّابُ وَالحَرَسُ
أَضْحَوْا بِمَهْلَكَةٍ في وَسْطِ مَعْرَكَةٍ … صَرْعَى وَصَاُروا بِبَطْنِ الأَرْضِ واْنَطَمُسوا
وَعَمَّهُهُم حَدَثٌ وَضَمَّهُمْ جَدَثٌ … بَاتُوْا فَهُم جُثَثٌ في الرَّمْسِ قَدْ حُبِسُوا
كَأَنَّهُم قَطُ مَا كَانَوا وَمَا خَلَقُوْا …
[ ١ / ٢٥٢ ]
وَمَاتَ ذِكْرُهم بَيْنَ الوَرَى وَنُسُوا
واللهِ لَو عَايَنَتْ عَيْنَاكَ مَا صَنَعَتْ … أَيْدِي البِلَى بِهِمُوا وَالدُودُ يَفْتَرِسُ
لَعَايَنَتْ مَنْظِرًا تُشٍجَى القُلُوْبُ لَهُ … وَأَبْصَرَتْ مُنْكَرًا مِنْ دُوْنِه البَلَسُ
مِن أَوْجُهٍ نَاظِرَاتٍ حَارَ نَاظِرُهَا … في رَوْنَقِ الحُسْنِ مِنْهَا كَيْفَ يَنْطَمِسُ
(فصل)
قال بعض العلماء ليس في العالم منذ كان إلى أن يتناهى أحد يستحسن الهم ولا يريد إلا طرحه عن نفسه.
فلما استقر في نفسي هذا العلم الرفيع وانكشف لي هذا السر العجيب وأنار الله تعالى لفكري هذا الكنز العظيم.
بحثت عن سبيل موصلة -على الحقيقة- إلى طرد الهم الذي هو المطلوب النفيس الذي اتفق جميع أنواع الإنسان الجاهل منهم والعالم والصالح والطالح على السعي له فلم أجد إلا التوجه إلى الله ﷿ بالعمل للآخرة.
وإلا فإنما طلب المال طلابه ليطردوا به هم الفقر عن أنفسهم.
وإنما طلب الصيت من طلبه ليطرد به عن نفسه هم الاستعلاء عليها.
وإنما طلب العلم من طلبه ليطرد به عن نفسه هم الجهل.
وإنما هش إلى سماع الأخبار ومحادثة الناس من يطلب ذلك ليطرد بها عن نفسه هم التوحد ومغيب أحوال العالم عنه.
وإنما أكل من أكل وشرب من شرب ونكح من نكح ولبس من لبس ولعب من لعب واكتنز من اكتنز وركب من ركب ومشى من مشى وتودع من تودع.
[ ١ / ٢٥٣ ]
ليطردوا عن أنفسهم أضداد هذه الأفعال وسائر الهموم.
وفي كل ما ذكرنا لمن تدبره هموم حادثة لا بد لها من عوارض تعرض في خلالها وتعذر ما يتعذر منها.
وقال ﵀: وجدت العمل للآخرة سالمًا من كل عيب خالصًا من كل كدر موصلًا إلى طرد الهم على الحقيقة.
ووجدت العامل للآخرة إن امتحن بمكروه في تلك السبيل لم يهتم بل يسر.
إذ رجاؤه في عاقبة ما ينال به عون على ما يطلب وزائد في الغرض الذي إياه يقصد.
ووجدته إن عاقه عما هو بسبيله عائق لم يهتم إذ ليس مؤاخذًا بذلك فهو غير مؤثر فيما يطلب ورأيته إن قصد بالأذى سر.
وإن نكبته نكبة سر وإن تعب فيما سلك فيه سر فهو في سرور متصل أبدًا وغيره بخلاف ذلك أبدًا.
وقال رحمه الله تعالى: ولو تدبر العالم في مرور ساعاته ماذا كفاه العلم من الذل بتسليط الجهال.
ومن الهم بمغيب الحقائق عنه ومن الغبطة بما قد بان له وجهه من الأمور الخفية عن غيره.
لزاد حمدًا وشكرًا وذكرًا لله ﷿ وغبطة بما لديه من العلم ورغبة في المزيد منه.
أَجَلَّ العلوم ما قربك إلى خالقك جل وعلا وما أعانك على الوصول إلى رضاه.
العلوم الغامضة كالدواء القوي يصلح الأجساد القوية ويهلك الأجساد
[ ١ / ٢٥٤ ]
الضعيفة.
وكذلك العلوم الغامضة تزيد العقل القوي جودة وتصفيه من كل آفة وتهلك ذا العقل الضعيف.
العاقل في الدنيا متعب ومن جهة أخرى مستريح.
ووجه ذلك أنه متعب ومتكدر فيما يرى من انتشار الباطل وغلبة دولته وبما يحال بينه من إظهار الحق.
وأما وجه راحته فمن كل ما يهتم به سائر الناس من فضول الدنيا.
إذا حققت أمر الدنيا لم تجدها إلا الآن الذي هو فصل بين زمانين فقط.
وأما ما مضى وما لم يأت فمعدومان كما لم يكن.
فمن أضل ممن يبيت باقيًا خالدًا بمدة هي أقل من كر الطرف.
من شغل نفسه بأدنى العلوم وترك أعلاها وهو قادر عليه كان كغارس الأثل والسدر في الأرض التي يجود ويزكوا فيها النخيل والتين والموز والعنب.
نشر العلم عند من ليس من أهله مفسد لهم كإطعامك العسل والسكر والتمر من به مرض السكر ومن به احتراق وحمى.
وكتشميمك المسك والعنبر لمن به صداع الصفراء، أو به شقيقة وهو وجع نصف الرأس.
من أراد الآخرة وحكمة الدنيا وعدل السيرة والاحتواء على محاسن الأعمال والأخلاق والآداب كلها واستحقاق الفضائل بأسرها فليقتدي بمحمد - ﷺ - وليستعمل أخلاقه وسيره.
والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
[ ١ / ٢٥٥ ]
(فصل)
وقال ﵀: منفعة العلم في استعمال الفضائل عظيمة وهو أن يعلم حسن الفضائل فيأتيها ويعلم قبح الرذائل فيجتنبها ويستمع الثناء الحسن فيرغب في مثله والثناء الردي فينفر منه.
فعلى هذه المقدمات وجب أن يكون للعمل حصة في كل فضيلة وللجهل حصة في كل رذيلة.
وقال: وقد رأيت من غمار العامة من يجري من الاعتدال وحميد الأخلاق إلى ما لا يتقدمه فيه حكيم عالم رائض لنفسه ولكنه قليل جدًا.
ورأيت ممن طالع العلوم وعرف عهود الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ووصايا الحكماء وهو لا يتقدمه في خبث السيرة.
وفساد العلانية والسيرة شرار الخلق وهذا كثير جدًا فعلمت أنهما مواهب وحرمان من الله تعالى.
وقال: من جالس الناس لم يعدم إثمًا وهمًا يؤلم نفسه وغيظًا ينضج كبده وذلًا ينكس همته.
فما الظن بعد بمن خالطهم وداخلهم واندمج معهم.
وإنما يندم ويحزن ويتحسر على ذلك في معاده.
فالعز والسرور والأنس والراحة والسلامة في الإنفراد عنهم.
ولكن اجعلهم كالنار تدفأ بها ولا تخالطها.
وقال آخر: من مضار مجالسة الناس ومخالطتهم الانهماك في الغيبة. ثانيًا: ضياع الوقت في الآثام.
ثالثًا: فوات الأعمال النافعة في الآخرة أو الأعمال الدنيوية التي يعود
[ ١ / ٢٥٦ ]
نفعها في الآخرة ولا سبيل إلى السلامة من ذلك إلا بالانفراد عن مجالستهم جملة.
مَن جَنَّبَ النَّاس يَسْلَمْ مِن غَوَائِلهم … وَعَاشَ وَهْوَ قَرِيْرُ العَيْنِ جَذْلان
وقال لا تحقرن شيئًا من عمل غد بأن تخففه وتعجله اليوم وإن قل فإن من قليل الأعمال يجتمع كثيرها.
لا تُحَقِّرَنَّ مِن الأُمُورِ صِغَارَهَا … فَالقَطْرُ مِنْهُ تَدَفَّقُ الخِلْجَانِ
وربما أن الأعمال إذا لم تخفف يعجز أمرها فيبطل الكل.
ولا تحقر شيئًا مما تثقل به ميزانك يوم البعث أن تعجله الآن وإن قل.
فإنه يحط عنك كثيرًا لو اجتمع لقذف بك في النار.
اجتهد في أن تستعين في أمورك بمن يريد منها لنفسه مثل ما تريد منها لنفسك.
أَبْلَغَ في ذمك من مدحك بما ليس فيك لأنه نبه على نقصك.
وأبلغ في مدحك من ذمك بما ليس فيك لأنه نبه على فضلك ولقد انتصر لك من نفسك بذلك وباستهدافه إلى الإنكار واللائمة.
ولو علم الناقص نقصه لكان كاملًا إذا عدله.
من عيب حب الذكر أنه ربما يحبط الأعمال إذا أحب أن يذكر بها لأنه يعمل لغير الله ﷿.
وهو يطمس الفضائل لأن صاحبه لا يكاد يفعل الخير حبًا للخير لكن ليذكر به.
من أفضل نعم الله على العبد أن يحبب إليه العدل ويوفقه للعمل به ويحبب إليه الحق وإيثاره والعمل به.
[ ١ / ٢٥٧ ]
ومن قلة توفيق العبد وخذلانه أن يطبع على الجور واستسهاله وعلى الظلم واستخفافه.
ومن كان كذلك فلييئس من أن يصلح نفسه أو يقوم طباعه أبدًا إلا أن يشأ الله.
إذا حضرت مجلس علم فلا يكون حضورك إلا حضور مستزيد علمًا وأجرًا لا طالبًا لعثرة أو زلة تشنعها أو غريبة تشيعها.
فإن تتبع العثرات والزلات أفعال الأراذل والسفل الذين لا يفلحون في العلم فإذا حضرتها على طلب الاسترشاد فقد حصلت خيرًا.
وإن لم تحضرها على نية صالحة فجلوسك في منزلك أحسن وأروح لبدنك وأكرم لخلقك وأسلم لدينك.
فإذا حضرتها فالتزم أحد ثلاثة أوجه أحدها إما أن تسكت فتحصل على أجر النية بالمشاهدة وعلى الثناء عليك بقلة فضول الكلام وعلى كرم المجالسة ومودة من تجالس.
وإذا سألت فاسأل سؤال المتعلم عما لا تدري فإن السؤال عما تدري سخف وقلة عقل ولا تخلو من العجب.
وفيه شغل عما هو أولى وفيه قطع لزمانك بما لا فائدة فيه لا لك ولا لغيرك وربما ترتب عليه مفسدة أو مفاسد.
وإذا أردت أن تراجع فراجع مراجعة العالم.
وصفة ذلك أن تعارض جوابه بما ينقضه نقضًا بينًا فإن لم يكن عندك إلا تكرار قولك أو لمعارضة بما لا يراه خصمك معارضة فأمسك.
لأنك لا تحصل بتكرار ذلك على أجر زائد ولا على تعليم بل ربما حصلت على ما يسؤك من الغيظ والعداوة.
[ ١ / ٢٥٨ ]
واحذر سؤال التعنت ومراجعة المكابر الذي يطلب الغلبة بغير علم فهما خلقا سوء دليلان على قلة الدين وضعف العقل وقوة السخف وكثرة الفضول. والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
(فصل)
صلاح القلب بتقوى الله وطاعته والتوكل عليه وتوحيده وإخلاص العمل لوجهه الكريم.
وفساد القلب بعدم التقوى والتوكل والطاعة والتوحيد والإخلاص.
ومما يورث فساد القلب وانتكاسه وفساد الأخلاق مجالسة أموات القلوب وأهل الآراء الفاسدة وأهل البدع كالأشاعرة والمعتزلة والرافضة والفسقة كأهل الملاهي والمنكرات.
عليك بمجالسة أهل الدين والصلاح فإنهم هم الناس لأن أعقل خلق الله من امتثل أمره واجتنب نهيه.
وأجهل خلق الله من عصى الله.
العلماء العاملون المخلصون هم السالكون طريقة الرسل عليهم الصلاة والسلام.
الذين لا يطلبون من الناس أجرًا على أعمالهم بل يريدون وجهه ﷿ قال الله جل وعلا لنبيه - ﷺ -: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢]، وقال جل وعلا: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٩] .
قلوب صافية طاهرة معرضة عن الخلق مقبلة على الخالق ذاكرة له ناسية للدنيا ذاكرة للآخرة.
[ ١ / ٢٥٩ ]
الجلوس مع الذين يطيعون الله نعمة من الله على عبده والجلوس مع المنافقين والمكذبين نقمة على العبد نعوذ بالله من مجالسة أهل الضلال والبدع والأخلاق المنحرفة وأهل الملاهي والمنكرات.
فالواجب هجرانهم والابتعاد عنهم والتحذير منهم.
واهجر أيضًا أقران السوء واقطع المودة والصلة بينك وبينهم وواصلها بينك وبين الصالحين.
قال بعضهم لا تغتر بموضع صالح فلا مكان أصلح من الجنة فلقي فيها آدم ما لقي ولا تغتر بكثرة العبادة فإن إبليس لعنه الله بعد طول تعبده لقي ما لقي.
ولا تغتر بكثرة العلم فإن بُلْعَام كان يحسن الاسم الأعظم فانظر ماذا لقي.
ولا تغتر برؤية الصالحين فلا شخص أكبر من المصطفى - ﷺ - ولم ينتفع بلقائه أعداؤه وبعض أقاربه.
وقال إذا سمعت بحال الكفار وخلودهم في النار فلا تأمن على نفسك فإن الأمر على الخطر ولا تدري ماذا يكون من العاقبة وماذا سبق لك في حكم الغيب.
ولا تغتر بصفاء الأوقات فإن تحتها غوامض الآفات.
والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
[ ١ / ٢٦٠ ]
(فصل)
كتب أبو حامد العزالي إلى أبي الفتح بن سلامة فقال: قرع سمعي بأنك تلتمس مني كلامًا وجيزًا في معرض النصح والوعظ وإني لست أرى نفسي أهلًا له.
فإن الوعظ زكاة نصابه الاتعاظ فمن لا نصاب له كيف يخرج الزكاة وفاقد النور كيف يستنير به غيره ومتى يستقيم الظل والعود أعوج.
وقد أوصى الله جل وعلا عيسى بن مريم ﵉ يا ابن مريم عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس وإلا فاستحي مني.
وقال نبينا - ﷺ - "تركت فيكم ناطقًا وصامتًا" فالناطق هو القرآن والصامت هو الموت وفيهما كفاية لكل متعظ فمن لم يتعظ بهما كيف يعظ غيره.
ولقد وعظت نفسي بهما وقبلت وصدقت قولًا وعلمًا وأبت وتمردت تحقيقًا وفعلًا.
فقلت لنفسي أما أنت مصدقة بأن القرآن هو الواعظ وأنه كلام الله المنزل الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢] . فقالت بلى فقلت لها قد قال الله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥،: ١٦] .
فقد وعد الله جل وعلا بالنار على إرادة الدنيا وكل ما لا يصحب بعد الموت فهو من الدنيا فهل تنزهت عن حب الدنيا وإرادتها.
[ ١ / ٢٦١ ]
ولو أن طبيبًا نصرانيًا وعدك بالموت أو بالمرض على تناول ألذ الشهوات لتحاميتيها وأنفت منا وجنبتها أفكان النصراني عندك أصدق من الله جل وعلا؟
فإن كان كذلك فما أكفرك أم كان المرض أشد عليك من النار؟ فإن كان كذلك فما أجهلك، فصدقت ثم ما انتهت بل أصرت على الميل إلى العاجلة واستمرت.
ثم أقبلت عليها فوعظتها بالواعظ فقلت لها قد قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة: ٨] .
وقلت لها هبي أنك ملت إلى العاجلة أفلست مصدقة بأن الموت لا محالة يأتيك قاطعًا عليك ما أنت متمسكة به وسالبًا منك كل ما أنت راغبة فيه.
وأن كل ما هو آت قريب وقد قال الله ﷻ: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَاءهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٧] .
وقال مخبرًا عن نفسه عندما وعظها ولم تجتهد في التزود للآخرة كاجتهادها في تدبير العاجلة ولم تجتهد في رضا الله كاجتهادها في طلب رضاها وطلب رضا الخلق.
ولم تستحي من الله تعالى كما تستحي من واحد من الخلق ولم تشمر للاستعداد للآخرة كتشميرها في الصيف لأجل الشتاء، وفي الشتاء لأجل الصيف فإنها لا تطمئن في أوائل الشتاء ما لم تتفرغ عن جميع ما تحتاج إليه فيه مع أن الموت ربما يخطفها والشتاء لا يدركها.
فقلت لها ألست تستعدين للصيف بقدر طوله وتصنعين له آلة الصيف
[ ١ / ٢٦٢ ]
بقدر صبرك على الحر قالت نعم.
ثم استمرت على سجيتها ولما رأيتها متمادية في الطغيان غير منتفعة بموعظة الموت والقرآن رأيت أهم الأمور التفتيش عن سبب تماديها مع اعترافها وتصديقها فإن ذلك من العجائب العظيمة.
فطال تفتيشي عنه حتى وقفت على سببه وها أنا ذا موصي نفسي وإياك بالحذر منه فهو الداء العظيم وهو السبب الداعي إلى الغرور والإهمال.
وهو اعتقاد تراخي الموت واستبعاد هجومه على القرب فإنه لو أخبر صادق في بياض نهاره أنه يموت في ليلته أو يموت بعد أسبوع أو شهر لاستقام واستوى على الصراط المستقيم.
فانكشف لي تحقيقًا أن من أصبح وهو يؤمل أنه يمسي أو أمسى وهو يؤمل أن يصبح لم يخل من الفتور والتسويف.
فأوصيك ونفسي بما أوصى به رسول الله - ﷺ - حيث قال: «صل صلاة مودع» ولقد أوتي جوامع الكلم وفصل الخطاب ولا ينتفع بوعظ إلا به.
ومن غلب على ظنه في كل صلاة أنها آخر صلاته حضر معه خوفه من الله تعالى وخشيته منه.
بخلاف من لم يخطر بخاطره قصر عمره وقرب أجله وغفل قلبه عن صلاته وسئمت نفسه فلا يزال في غفلة دائمة وفتور مستمر وتسويف متتابع إلى أن يدركه الموت ويهلكه حسرة الفوت.
فعلى الإنسان العاقل أن يحذر مواقع الغرور ويحترز من خداع النفس فإن خداعها لا يقف عليه إلا الأكياس وقليل ما هم.
والوصايا وإن كانت كثيرة والمذكورات وإن كانت كبيرة فوصية الله أكملها وأنفعها وأجمعها وقد قال الله جل وعلا وتقدس: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ
[ ١ / ٢٦٣ ]
أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللهَ﴾ [النساء: ١٣١] . فما أسعد من قبل وصية الله وعمل بها وادخرها ليجدها يوم مردها ومنقلبها.
عصمنا الله وإياكم من الزلل ووفقنا لصالح العمل وهدانا بفضله سبيل الرشاد وطريق السداد إنه جل شأنه نعم المولى ونعم النصير وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
(فصل)
وقال ابن القيم ﵀: لا يتم الرغبة في الآخرة إلا بالزهد في الدنيا ولا يستقيم الزهد في الدنيا إلا بعد نظرين صحيحين: نظر في الدنيا وسرعة زوالها وفنائها واضمحلالها ونقصها وخستها وألم المزاحمة عليها والحرص عليها وما في ذلك من الغصص والنغص والأنكاد.
وآخر ذلك الزوال والانقطاع مع ما يعقب ذلك من الحسرة والأسف فطالبها لا ينفك من هم قبل حصولها وهم في حال الظفر بها وغم بعد فواتها فهذا أحد النظرين.
النظر الثاني: النظر في الآخرة وإقبالها ومجيئها ولا بد ودوامها وبقائها وشرف ما فيها من الخيرات والمسرات والتفاوت الذي بينه وبين ما ههنا فهي كما قال الله سبحانه: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٧] . فهي خيرات كاملة دائمة، وهذه خيالات ناقصة، منقطعة مضمحلة.
فإذا تم له هاذان النظران آثر ما يقتضي العقل إيثاره وزهد فيما يقتضي الزهد فيه فكل أحد مطبوع على أن لا يترك النفع العاجل واللذة الحاضرة إلى النفع الآجل واللذة الغائبة المنتظرة إلا إذا تبين له فضل الآجل على العاجل وقويت رغبته في الأعلى الأفضل فإذا آثر الفاني الناقص، كان ذلك إما لعدم
[ ١ / ٢٦٤ ]
تبين الفضل له وإما لعدم رغبته في الأفضل.
وكل واحد من الأمرين يدل على ضعف الإيمان وضعف العقل والبصيرة فإن الراغب في الدنيا الحريص عليها المؤثر لها إما أن يصدق أن ما هناك أشرف وأفضل وأبقى وإما أن لا يصدق فإن لم يصدق بذلك ولم يؤثره كان فاسد العقل سيء الاختيار لنفسه.
وهذا تقسيم حاضر ضروري لا ينفك العبد من أحد القسمين منه فإيثار الدنيا على الآخرة إما من فساد في الأيمان وإما من فساد في العقل وما أكثر ما يكون منهما ولهذا نبذها رسول الله - ﷺ - وراء ظهره هو وأصحابه، وصرفوا عنها قلوبهم وأطرحوها ولم يألفوها وهجروها ولم يميلوا إليها وعدُّوها سجنًا لا جنة فزهدوا فيها حقيقة الزهد ولو أرادوها لنالوا منها كل محبوب ولوصلوا منها إلى كل مرغوب.
فقد عرضت عليه مفاتيح كنوزها فردها وفاضت على أصحابه فأثروا بها ولم يبيعوا بها حظهم من الآخرة بها وعلموا أنها معبر وممر لا دار مقام ومستقر وأنها دار عبور لا دار سرور وأنها سحابة صيف تنقشع عن قليل وخيال طيف ما استتم الزيارة حتى آذن بالرحيل.
قال النبي - ﷺ -: «ما لي وللدنيا إنما أنا كراكب مال في ظل شجرة ثم راح وتركها» وقال: «ما الدنيا في الآخرة إلا كما يدخل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم ترجع» .
وقال خالقها سبحانه: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
[ ١ / ٢٦٥ ]
وَاللهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥] .
فأخبر عن خسة الدنيا وزهد فيها وأخبر عن دار السلام ودعا إليها وقال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: ٤٦] .
وقال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠] .
وقال: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ١٤،: ١٥] .
وقال تعالى: ﴿وَفَرِحُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ﴾ [الرعد: ٢٦] .
وقد توعد سبحانه أعظم الوعيد لمن رضي بالحياة الدنيا واطمأن بها وغفل عن آياته ولم يرج لقاءه فقال: ﴿إَنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ [يونس: ٨] .
[ ١ / ٢٦٦ ]
وعبر سبحانه من رضي بالدنيا من المؤمنين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨] .
وعلى قدر رغبة العبد في الدنيا ورضاه بها يكون تثاقله عن طاعة الله وطلب الآخرة ويكفي في الزهد في الدنيا قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَاءهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٧] .
وقوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٤٥] . وقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥] .
وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٤٦] .
وقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥] . وقوله: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٤] .
وقوله: ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ [طه: ١٠٤] . والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وسلم.
خُلِقْنَا لأَحْدَاثِ الليَالِي فَرائِسًا …
[ ١ / ٢٦٧ ]
تَزَفُّ إِلى الأَجْدَاثِ مِنَّا عَرائِسًا
تُجَهِّز مِنَّا لِلْقُبُورِ عَسَاكِرًا … وَتُرْدِفُ أَعْوَادُ المَنَايَا فَوَارِسًا
إِذَا أَمَلٌ أَرْخَى لَنَا مِنْ عَنَانِهِ … غَدا أَجَلٌ عَمَّا نُحَاوِلُ حَابِسًا
أَرَى الغُصْنَ لَمَّا اجْتُثَّ وَهْوَ بِمَائِهِ … رَطِيْبًا وَمَا إِنْ أَصْبَحَ الغُصْنُ يَابِسًا
نَشِيدُ قُصُورًا لِلْخُلُودِ سَفَاهَةً … وَنَصْبِرُ ما شِئْنَا فُتُورًا دَوَارِسًا
وَقَدْ نَعَتِ الدُّنْيَا إِلينَا نُفُوسَنا … بِمَنْ مَاتَ مِنَّا لَوْ أَصَابَتْ أَكَايِسًا
لَقَدْ ضَرَبَتْ كِسْرَى المُلُوكِ وَتُبَّعًا … وَقَيْصَرُ أَمْثَالًا فَلَم نَرَ قَائِسًا
نَرَى ما نَرَى مِنْهَا جَهَارًا وَقَدْ غَدَا … هَوَاهَا عَلَى نُوْرِ البَصِيرةِ طَامِسًا
وَقَدْ فَضَح الدنيا لَنَا الموتُ وَاعِظًا … وَهَيْهَاتَ مَا نَزْدَادُ إِلا تَقَاعُسًا
الله يا حي يا قيوم يا بديع السموات والأرض نسألك أن توفقنا لما فيه صلاح ديننا ودنيانا وأحسن عاقبتنا وأكرم مثوانا واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.