عباد الله إن صفات الشر وخصال السوء ما وجدت في قوم إلا كانوا أهلًا لغضب الله وسخطه فاستحقوا الشقاء والذل في الدنيا والآخرة وإن من أقبح الخصال وأشنع الخلال الغيبة والنميمة وقد انهمك الناس فيهما وصارت مجالسهم لا تعمر إلا بهما يسمع المرء من أخيه الكلمة ليفرج بها من كربه ويخفف بها من آلامه فينقلها إلى صاحبها قصد الإيقاع به والتفريق بين المؤمنين هذه يا عباد الله غاية الدناءة، ومنتهى الخسة والنذالة واللآمة، ألا شهامة تحمل النمام على كتمانه سر أخيه ألا مروءة تمنعه من أن ينم على أخيه المسلم، إن النمام لا يعرف للشهامة سبيلًا، ولا للمروءة طريقًا، إن من ينم على المسلمين ليبدل الود جفا وبغضًا والصفو كدرًا وحقدًا ويفتح أبواب الشرور والجنايات على مصراعيها بين المؤمنين من أكبر المصائب، وأشد الرزايا على هذا المجتمع الإنساني، وكذلك الغيبة فإنها تذهب الحسنات، وأنت إذا قلت في أخيك كلمة يكرهها فأنت له بها مغتاب وهو لا يكره كلمة إلا
[ ١ / ٢٧٤ ]
إذا كانت متضمنة عيبًا، ذلك العيب الذي أنت تريد أن تكشفه للناس تريد منهم أن يحقروه ويزدروه ويحترسوا منه أن يكون يومًا لهم من الأصحاب أنت تريد منهم أنه أن خطب منهم منعوه لتحقيرك إياه عندهم تريد من غيبتك له أن يبعد منهم ويكون منطويًا عنهم لما لقنتهم مما ذكرته فيه ويكون في وحشية منهم وتريد من غيبتك أنه إذا احتاج لا يدلي عليهم بشيء يقضي فيه حاجته بل تريد منهم أن لا يردوا ﵇ إذا سلم لما عندهم له مما لقنتهم من الازدراء والاحتقار وإن كان صانعًا فيسبب غيبتك له أن يجفوا صنعته فتقف، وإن كان تاجرًا فتريد بعيبتك أن تخسر تجارته لإعراضهم عنه، وتريد أنه إذا كان له أولاد أو بنات يرغب في تزويجهم أن يأنف الناس منهم فيبورون، هذا والله شيء يؤلم النفوس الزكية لأنها مضار عظيمة جدًا تنزل بمن تغتابه فعلى العاقل أن لا يصدق المغتاب وأن يرده خائبًا ولا يظن بأخيه المسلم إلا خيرًا والله أعلم.
شعرًا:
حَيَاتُكَ في الدُّنْيَا قَلِيْلٌ بَقَاؤُهَا … وَدُنْيَاكَ يَا هَذَا شَدِيْدٌ عَنَاؤُهَا
وَلا خَيْرَ فيْهَا غَيْرَ زَادٍ مِنَ التَّقَى … يَنَالُ بِهِ جَنَّاتُ عَدْنٍ وَمَاؤُهَا
بَلَى إِنَّهَا لِلْمُؤْمِنِيْنَ مَطِيَّةٌ … عَلَيْهَا بُلُوغُ الخَيْرِ والشَّرُ دَاؤُهَا
وَمَنْ يَزْرَعُ التَّقْوى بِهَا سَوْفَ يَجْتَنِي … ثِمَارًا مِنَ الفِرْدَوْسِ طَابَ جَنَاؤُهَا
نُؤَمِلُ أَنْ نَبْقَى بِهَا غَيْرَ أَنَّنَا … عَلَى ثِقَةٍ أَنَّ المَمَاتَ انْتَهَاؤُهَا
فَكُنْ أَيَّهَا الإِنْسَانُ في الخَيْرِ رَاغِبًا … يَلُوحُ مِن الطَّاعَاتِ فِيْكَ بَهَاؤُهَا
وَجَانِبْ سَبِيْلَ الغَي واتْرَكْ مَعَاصِيًا … يُذِيبُكَ مِنَ نَارِ الجَحِيْمِ لَظَاؤُهَا
اللهم توفنا مسلمين وألحقنا بعبادك الصالحين الذين لا خوف عليهم ولا
[ ١ / ٢٧٥ ]
هم يحزنون واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.