عباد الله اعتاد الناس أن من طلب شيئًا من نفائس الدنيا لا يهدأ ولا ينام، بل يسعى للوصول إليه، ليله ونهاره، سعي النشيط الهمام، وكلما سد في وجهه باب، قرع بابًا آخر، وإن تعدد الأبواب، كما هو دأب الحريص المقدام، وكلما نظر إلى قدر ما يطلب هان عليه السعي، وما يلقاه من مصاعب ومتاعب وآلام والعجيب أنه لا يمل ولا يسأم، وإن واصل السعي سنين، وأعجب من ذا أنه لا ينثني عن مطلوبه، وإن مس شرفه وأهين، وإن استصعب عليه الوصول، استعان بذوي الوجاهة المحترمين، ولا يزال هذا يواصل السعي حتى يصل مبتهجًا إلى ماله من مرام. أنت تطلب الجنة يا هذا
[ ١ / ٦٩ ]
ولا نفيس أنفس منها لأنها لا تفنى ولا تبيد، ولأن لك فيها ما اشتهت نفسك، ولذت عينك دون أي تقييد، ولأنك خالد فيها أبدًا دون أن يكدر، بأي مكدر، ذلك العيش الرغيد فهل شمرت عن ساق وسعيت للوصول إليها، كما تسعى فقط لذلك الفاني من الحطام، المشاهد أنك لا تسعى لتلك الجنة ولا يخطر لك السعي إليها على بال، ولو أنك ساويتها في السعي إليها بأي مطلوب دنيوي لكنت من عظماء الرجال، ولكن يا للأسف لم يكن من ذلك شيء، والسعي للجنة لا يكون بالكلام، ولا بالأماني والأحلام، ولكن بصالحات الأعمال، وهل تزهدت أنت في شيء كما تزهدت في تلك الأعمال الفخام، ولذلك أجرى الله العادة أن من خاف شيئًا من مؤلمات الدنيا يبعد عنه ويفر، كل الفرار، ويذهب هدوؤه وطمأنينته، وربما ذهب نومه اضطرارًا لا اختيارًا ولا يطمئن بعض الاطمئنان إلا إذا احترس منه بكل ما يقدر عليه من أعوان، وأنصار، يفعل كل ذلك لئلا يصل إليه من الأذى ما يكدر عليه حياته، وصفوها، جهنم يا هذا أعظم مخوف فهل عملت الاحتياط لها كما تحتاط لمخوفات هذه الدار.
الذي يتبادر منك ويظهر أن إيمانك بها ضعيف، وأنك لم تعمل أي احتياط لها، فلو كان إيمانك قوي في قوله تعالى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر: ٢٣] . لسعيت جهدك في الأعمال الصالحات، التي تحول بينك وبينها ولأزعجك وأقلقك ولم تهنأ بنوم ولا طعام وشراب، وأمامك تلك العقبات، شعرًا:
وَكَيْْفَ تَنَامُ العَيْنَ وَهِيَ قَرِيْرَةٌ … وَلَمْ تَدْرِ فِي أَيْ الْمَكَانَيْنَ تَنْزِلُ
اللهم وفقنا لصالح الأعمال، ونجنا من جميع الأهوال، وأمنا من الفزع
[ ١ / ٧٠ ]
الأكبر يوم الرجف والزلزال، واغفر لنا ولوالدينا، ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصل الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
وصايا وفوائد ومواعظ وآداب
أوصى بعضهم، فقال إذا عصيت الله بموضع بأن حصل منك ذنب فاعمل في ذلك الموضع طاعة كاستغفار وذكر لله ونحو ذلك فكما يشهد عليك يشهد لك.
قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥] . وكلما تذكرت ذنبًا صدر منك فتب عقب ذكرك إياه توبة نصوحًا وأكثر من الاستغفار.
قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] .
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥] . وقال تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠] .
احرص على أن تنوي فعل الخير، وإذا حدثتك نفسك بشر فاعزم على تركه لله.
فعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله - ﷺ - قال: قال: الله ﷿: «إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعمل، فإذا عملها فأنا أكتبها بعشر أمثالها وإذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها، فإذا عملها فأنا أكتبها له بمثلها» . ومما أوصى به بعضهم قال عليك بذكر الله قائمًا وقاعدًا وعلى جنبك في السر والعلانية وفي الملا.
[ ١ / ٧١ ]
قال الله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١] . وقال: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥] . وقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] .
وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُواْ اللهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥] .
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - يقول الله ﷿: «أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إلي شبرًا، تقربت إليه ذراعًا، وإن تقرب إلي ذراعًا تقربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة» .
احرص على صيانة الوقت وثابر على إتيان جميع ما يقربك إلى الله من الأعمال وبالأخص الإكثار من كلمة الإخلاص وهي لا إله إلا الله.
واعلم أنها كلمة التوحيد والتوحيد لا يماثله شيء، وهي كلمة الإسلام، ومفتاح دار السلام، وهي كلمة الحق، ودعوة الحق.
وهي أعلا كلمة وأشرف كلمة وأحسن كلمة وأفضل كلمة وأنجى كلمة وما أنعم الله على عبد نعمة أفضل من أن عرفه لا إله إلا الله وفهمه معناها ووفقه للعمل بمقتضاها وعليك بالقيام بما افترض الله عليك وملازمته على الوجه الأكمل الذي أمرك الله جل وعلا أن تقوم به.
قال الله جل وعلا: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢] . وفي حديث سفيان بن عبد الله قال: قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا غيرك قال: «قل آمنت بالله ثم استقم» . رواه مسلم.
وفي حديث ثوبان عن النبي - ﷺ - قال: «استقيموا ولن تحصوا واعلموا
[ ١ / ٧٢ ]
أن خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن» . وفي رواية للإمام أحمد "سددوا وقاربوا ولا يحافظ على الصلاة إلا مؤمن". وعليك بمراعاة أقوالك كما تراعي أعمالك فإن أقوالك من جملة أعمالك قال الله جل وعلا: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٢] .
وقال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] واحذر الإقامة بين أظهر الكفار فإن ذلك تشجيعًا للكفار وإهانة لدين الإسلام وإعلاء لكلمة الكفر.
قال النبي - ﷺ -: «أنا برئ من كل مسلم يقيم بَيْنَ أظهر المشركين لا ترآءى ناراهما» رواه أبو داود والترمذي. وقال - ﷺ -: «من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله» . رواه أبو داود.
وعليك بتلاوة القرآن بتفهم وتدبر وتفكر ونظر فيما تتلوه إلى ما حمد فيه من النعوت والصفات التي وصف الله جل وعلا بها من أحبه من عباده فاتصف بها.
وما ذمه الله في القرآن من الصفات فاجتنبها فإن الله جل وعلا ما أنزلها في كتابه وذكرها لك وعرفك بها إلا لتعمل بها.
فإذا قرأت القرآن فاجمع قلبك وحضره وفكر فيما تتلو وما أشكل عليك فطالع معناه في التفسير إن كنت تحسن ذلك وإلا فأسأل أهل الذكر.
قال الله جل وعلا وتقدس: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] . ولا أفضل من تلاوة كلام الله فأفضل الكلام كلام الملك العلام جل وعلا وتقدس.
وكل ذكر ورد فضله في خبر أو أثر فهو بعد كلام الله فالتسبيح
[ ١ / ٧٣ ]
والتهليل والتكبير والتحميد بعد التلاوة وبعدهن الصلاة على رسول الله - ﷺ -. وعليك بمجالسة من تنتفع بمجالسته في دينك من علم تستفيده أو عمل يكون فيه أو خلق حسن يكون عليه تكسبه من صحبته.
وعليك بالبذاذة فإنها من الإيمان وهي ترك الزينة وعدم الترفه ورثاثة الهيئة والرضا بالدون من الثياب لما ورد في الحديث: «إن البذاذة من الإيمان» وفي الحديث الآخر: «إن الله ﷿ يحب المتبذل الذي لا يبالي ما لبس» وفي الحديث الآخر: «ومن ترك لبس ثوب جمال وهو يقدر عليه -أحسبه قال تواضعًا- كساه الله حلة الكرامة» رواه أبو داود. ومن يرتضي أدنى اللباس تواضعًا سيكسى الثياب العبقريات في غد.
اللهم يا حي يا قيوم طهر قلوبنا من النفاق وعملنا من الرياء وألسنتنا من الكذب وأعيننا من الخيانة إنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وأغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصل الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[فائدة عظيمة النفع]
اعلم أن من كان داؤه المعصية، فشفاؤه الطاعة، ومن كان داؤه الغفلة، فشفاؤه اليقظة، ومن كان داؤه كثرة الأشغال، فشفاؤه في تفريغ المال.
فمن تفرغ من هموم الدنيا قلبه، قل تعبه، وتوفر من العبادة نصيبه، واتصل إلى الله مسيره، وارتفع في الجنة مصيره، وتمكن من الذكر والفكر والورع والزهد والاحتراس من وساوس الشيطان، وغوائل النفس.
ومن كثر في الدنيا همه، أظلم طريقه، ونصب بدنه، وضاع وقته، وتشتت شمله، وطاش عقله، وانعقد لسانه عن الذكر، لكثرة همومه وغمومه،
[ ١ / ٧٤ ]
وصار مقيد الجوارح عن الطاعة، من قلبه في كل واد شعبة، ومن عمره لكل شغل حصة.
فاستعذ بالله من فضول الأعمال والهموم فكل ما شغل العبد عن الرب فهو مشئوم، ومن فاته رضى مولاه فهو محروم، كل العافية في الذكر والطاعة، وكل البلاء في الغفلة والمخالفة، وكل الشفاء في الإنابة والتوبة، وانظر أو أن طبيبًا نصرانيًا نهاك عن شرب الماء البارد لأجل مرض في جسدك لأطعته في ترك ما نهاك عنه، وأنت تعلم أن الطبيب قد يصدق وقد يكذب وقد يصيب وقد يخطئ وقد ينصح وقد يغش، فما بالك لا تترك ما نهاك عنه أنصح الناصحين وأصدق القائلين وأوفى الواعدين لأجل مرض القلب الذي إذا لم تشف منه فأنت من أهلك الهالكين.
تَْغِي الوُصُولَ بِسَيْرَ فِيه تَقْصِيْرُ … لَا شَكَّ أَنَّكَ فِيْمَا رُمْتَ مَغْرِوْرُ
قَدْ سَارَ قَبْلَكَ أَبْطَالُ فَمَا وَصَلُوا … هَذا وَفِي سَيْرِهِم جِدٌ وَتَشْمِيْرُ
يَا مُدَّعِي الْحُبَّ فِي شَرْعِ الغَرامِ وَقَد … أَقَامَ بَيِّنَةً لَكِنَّهَا زُوْرُ
أَفْنَيْتَ عُمْرَكَ فِي لَهْوٍ وَفِي لَعِبٍ … هَذَا وَأَنْتَ بَعِيْدُ الدَّارِ مَهْجُوْرُ
لَوْ كَانَ قَلْبُكَ حَيًّا ذُبْتَ مِن كَمَدٍ … مَا لِلْجِرَاحِ بِجِسْمِ الْمَيْتِ تَأْثِيْرُ
وقال ابن القيم ﵀ إن الذي يحسم مادة رجاء المخلوقين من قلبك هو الرضى بحكم الله ﷿ وقسمه لك.
فمن رضي بحكم الله وقسمه لم يبق لرجاء الخلق في قلبه موضع.
والذي يحسم مادة الخوف هو التسليم لله فإن من سلم لله واستسلم له وعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه.
وما أخطأه لم يكن ليصيبه وعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له لم يبق
[ ١ / ٧٥ ]
لخوف المخلوقين في قلبه موضع أيضًا.
فإن نفسه التي يخاف عليها قد سلمها إلى وليها ومولاها وعلم أنه لا يصيبها إلا ما كتب لها.
وأن ما كتب لها لا بد أن يصيبها فلا معنى للخوف من غير الله.
والذي يحسم مادة المبالات بالناس شهود الحقيقة.
وهو رؤية الأشياء كلها من الله وبالله وفي قبضته وتحت قهره وسلطانه.
لا يتحرك منها شيء إلا بحوله وقوته ولا ينفع ولا يضر شيء إلا بإذنه ومشيئته فما وجه المبالات بالخلق.
اللهم إنا نسألك العافية في الدنيا والآخرة اللهم إنا نسألك العفو والعافية في ديننا ودنيانا وآخرتنا وأهلنا ومالنا اللهم استر عوراتنا وأمن روعاتنا واحفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا وعن أيماننا وعن شمائلنا ومن فوقنا ونعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال أحد العلماء: لا يكن هم أحدكم في كثرة العمل، ولكن ليكن همه في إحكامه وإتقانه، وتحسينه.
فإن العبد قد يصلي وهو يعصي الله في صلاته، وقد يصوم وهو يعصي الله في صيامه.
وقيل لآخر: كيف أصبحت فبكى، وقال أصبحت في غفلة عظيمة عن الموت مع ذنوب كثيرة قد أحاطت بي، وأجل يسرع كل يوم في عمري، وموئل لست أدري علاما أهجم ثم بكى.
وقال آخر: لا تغتم إلا من شيء يضرك غدًا (أي في الآخرة) ولا تفرح بشيء لا يسرك غدًا، وأنفع الخوف ما حجزك عن المعاصي، وأطال الحزن
[ ١ / ٧٦ ]
منك على ما فاتك من الطاعة، وألزمك الفكر في بقية عمرك.
وقال آخر: عليك بصحبة من تذكرك الله ﷿ رؤيته، وتقع هيبته على باطنك ويزيد في عملك منطقه.
ويزهدك في الدنيا عمله، ولا تعصي الله ما دمت في قربه، يعظك بلسان فعله ولا يعظك بلسان قوله.
قال إسرافيل: حضرت ذي النون المصري وهو في الحبس وقد دخل الشرطي بطعام له، فقام ذو النون فنفض يده (أي قبضها عن الطعام) .
فقيل له: إن أخاك جاء به، فقال: إنه على يدي ظالم، قال: وسمعت رجلًا سأله ما الذي أتعب العباد وأضعفهم؟
فقال: ذكر المقام وقلة الزاد، وخوف الحساب، ولم لا تذوب أبدان العمال وتذهل عقولهم، والعرض على الله جل وعلا أمامهم، وقراءة كتبهم بين أيديهم.
والملائكة وقوف بين يدي الجبار ينتظرون أمره في الأخيار والأشرار، ثم مثلوا هذا في نفوسهم وجعلوه نصب أعينهم.
وقال: سقم الجسد في الوجاع، وسقم القلوب في الذنوب، فكما لا يجد الجسد لذة الطعام عند سقمهن كذلك لا يجد القلب حلاوة العبادة مع الذنوب.
وقال: من لم يعرف قدر النعم، سلبها من حيث لا يعلم.
ما خلع الله على عبد خلعة أحسن ولا أشرف من العقل ولا قلده قلادة أجمل من العلم ولا زينة بزينة أفضل من الحلم وكمال ذلك التقوى.
وقال آخر: أدركت أقوامًا يستحيون من الله في سواد الليل من طول الهجعة، إنما هو على الجنب فإذا تحرك قال لنفسه: ليس لك قومي خذي
[ ١ / ٧٧ ]
حظك من الآخرة.
وقال أبو هاشم الزاهد: إن الله ﷿ وسم الدنيا بالوحشة، ليكن أنس المريدين به دونها، وليقبل المطيعون له بالإعراض عنها، وأهل المعرفة بالله فيها مستوحشون، وإلى الآخرة مشتاقون.
فتفكر يا أخي في ذلك عسى الله أن ينفعنا وإياك واستعن بالله واصبر واجتهد وشمر وبادر بالأعمال الصالحة قبل أن يحال بينك وبينها فلا تجد إليها سبيلًا.
وكن حذرا من مفاجأة الأجل فإنك غرض للآفات وهدف منصوب لسهام المنايا وإنما رأس مالك الذي يمكنك إن وفقك الله أن تشتري به سعادة الأبد هذا العمر.
إخواني المؤمن يتقلب في الدنيا على جمرات الحذر في نيران الخوف، يرهب العاقبة، ويحذر المعاقبة، فالخوف من النار متمكن من سويداء قلبه.
فإن هفا بأن حصل منه زلة توقدت في قلبه نار الندم، وإن تذكر ذنبًا إضطرمت نار الحزن في باطنه، وإن تفكر في مصيره ومنقلبه التهبت نار الحذر في قلبهن وصار لا يهنؤه طعام ولا شراب.
خُذْ مَا صَفَا لَكَ فَالْحَيَاةُ غُروْرُ … وَالْمَوتُ آَتٍ وَاللَّبِيْبُ خَبِيْرُ
لَا تَعْتِبَنَّ عَلَى الزَّمَانِ فَإِنَّهُ … فَلَكٌ عَلَى قُطْبِ الْهِلاكِ يَدورُ
تَعْفُو السُّطوْرُ إِذَا تَقَادَمَ عَهْدُهَا … وَالْخَلْقُ فِي رِقِّ الْحَيَاةِ سُطُوْرُ
كُلّ يَفرُ مِن الرَّدَى لِيَفُوتَهُ … وَلَه إِلَى مَا فَر مِنْهُ مَصِيْرُ
فَانْظُرْ لنَفْسُكَ فَالسَّلَامَة نُهْزَةٌ … وَزَمَانُهَا ضَافِي الْجَنَاحِ يَطِيْرُ
مِرْآةُ عَيْشِكَ بِالشَّبَابِ صَقِيْلَةٌ … وَجَناحُ عُمْرَك بِالْمَشِيْبِ كَسِيْرُ
[ ١ / ٧٨ ]
بَادِرْ فَإِنَّ الوَقْتَ سَيْفٌ قَاطِعٌ … وَالعُمْرُ جَيْشٌ وَالشَّبَابُ أَسِيْرُ
والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
[فائدة عظيمة النفع]
قال بعض العلماء: ذكر الله تعالى في ابتداء الأقوال والأفعال أنسة من الوحشة وهداية من الضلال.
وحمده جل وعلا فرض لازم لكل أحد على كل حال لأنه أهل أن يحمد إن ابتلى، وإن منع، وإن أنال.
ففضله جل وعلا عم النساء والرجال والكهول والأطفال.
ولطف في قدره وقضائه بأهل أرضه وسمائه فلم يخل من لطفه سافل ولا عال.
اللهم يا من لا تمد الأيدي بالرغبة والمسألة إلا إليه، ولا يعول في كشف الشدائد والكروب في الدنيا والآخرة إلا عليه.
يا من كل الرغائب والمطالب لديه، وجميع المواهب لديه، ليس لضرنا سواك كاشف ولا على ضعفنا سواك عاطف.
المعافى من عافيته، فعافنا يا مولانا من موجبات سخطك وعقابك، والمهدي من هديته فأهدنا يا ربنا سبل الواصلين إلى مرضاتك.
بذكر الله تحيا القلوب من موت غفلتها فالله الله بالمداومة على ذكر الله سرًا وجهارًا ليلًا ونهارًا قيامًا وقعودًا ماشين ومضطجعين.
ذاكر الله لا يستطيع الشيطان في ظله مقيلا، ذاكر الله لا يجد الشيطان إلى إغوائه سبيلا، ذاكر الله لا يزال شيطانه مدحورًا ذليلا، ذاكر الله قد تكفل الله بحفظه وكيف يضيع من كان الله به كفيلا، بذكر الله تطمئن القلوب
[ ١ / ٧٩ ]
وتحيا، قال الله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] . وقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] .
ذِكْرُ إِلَه الزَمْ هُدِيْتَ لِذِكْرِهِ … فِيْهِ الْقُلوبُ تَطِيْبُ وَالأفْوَاهُ
آخر:
وَالذِّكرُ فِيْهِ حَيَاةٌ لِلْقُلُوبِ كَمَا … تَحْيَا البِلَادُ إِذَا مَا جَاءَهَا الْمَطَرُ
اللهم إن نواصينا بيديك وأمورنا ترجع إليك وأحوالنا لا تخفي عليك، وأنت ملجؤنا وملاذنا، وإليك نرفع بثنا وحزننا وشكايتنا، يا من يعلم سرنا وعلانيتنا نسألك أن تجعلنا ممن توكل عليك فكفيته واستهداك فهديته وهب لنا من فضلك العظيم وجد علينا بإحسانك العميم، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[فوائد ومواعظ]
أعلم يا أخي أن الناس عند الموت ثلاثة أقسام: الأول: ذو بصيرة علم أن الإنسان وإن طال عمره في الدنيا فهو كخطفة برق لمعت في السماء ثم عادت للاختفاء.
فلا يثقل على العاقل اللبيب الخروج من الدنيا إلا بقدر ما يفوته من خدمة ربه ﷿، والازدياد من ما يقربه إليه، والإشفاق مما يقول أو يقال له.
كما قال بعضهم لما قيل له لم تجزع قال: لأني أسلك طريقًا لم أعهده، وأقدم على ربي جل وعلا ولا أدري ما أقول وما يقال لي.
[ ١ / ٨٠ ]
ومثل هذا الشخص لا ينفر من الموت بل إذا عجز عن العبادة ربما اشتاق إليه.
وقال بعضهم في مناجاته: إلهي إن سألتك الحياة في دار الممات فقد رغبت في البعد عنك، وزهدت في القرب منك.
فقد قال نبيك وصفيك - ﷺ -: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه» .
الثاني: رجل رديء البصيرة متلطخ السريرة منهمك في الدنيا منكر للبعث، قد رضي بالحياة الدنيا واطمأن بها ويئس من الآخرة.
فهذا مصيره كما ذكر الله: ﴿إَنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾ [يونس: ٧] .
القسم الثاني: من خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا واعترفوا بذنوبهم وهؤلاء أيضًا مصيرهم كما ذكر الله، قال الله جل وعلا وتقدس: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٢] .
ثم أعلم أن طول العمر محبوب ومطلوب إذا كان في طاعة الله، لقوله ﵊ «خيركم من طال عمره وحسن عمله» وكلما كان العمر أطول في طاعة الله، كانت الحسنات أكثر والدرجات أرفع.
وأما طوله في غير طاعة، أو في المعاصي، فهو شر وبلاء، تكثر السيئات، وتضاعف الخطيئات.
ومن زعم أنه يحب طول البقاء في الدنيا ليستكثر من الأعمال الصالحة المقربة إلى الله تعالى فإن كان مع ذلك حريصًا عليها ومشمرًا فيها ومجانبًا لما يشغل عنها من أمور الدنيا فهو بالصادقين أشبه.
[ ١ / ٨١ ]
وإن كان متكاسلًا عنها ومسوفًا فيها أي الأعمال الصالحة فهو من الكاذبين المتعللين بما لا يغني عنه.
لأن من أحب أن يبقى لأجل شيء وجدته في غاية الحرص عليه مخافة أن يفوته ويحال بينه وبينه.
ولا سيما والعمل الصالح محله الدنيا ولا يمكن في غيرها لأن الآخرة دار جزاء وليست بدار عمل.
فتفكر يا أخي في ذلك عسى الله أن ينفعنا وإياك واستعن بالله واصبر واجتهد وشمر وبادر بالأعمال الصالحة قبل أن يحال بينك وبينها فلا تجد إليها سبيلا.
وكن حذرًا من مفاجأة الأجل فإنك غرض للآفات وهدف منصوب لسهام المنايا وإنما رأس مالك الذي يمكنك إن وفقك الله أن تشتري به سعادة الأبد هذا العمر.
قال الله جل وعلا: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾ [فاطر: ٣٧] . فإياك أن تنفق أوقاته وأيامه وساعاته وأنفاسه فيما لا خير فيه ولا منفعة فيطول تحسرك وندمك وحزنك بعد الموت.
إِذَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ عُمْركَ فَاحْتَرِزْ … عَلَيْهِ مِن الإِنْفَاقِ فِي غَيْرِ وَاجِبٍ
قال محمد بن القاسم خادم محمد بن أسلم قال محمد بن أسلم:
مَا لِي وَلِهَذَا الْخَلْق كنت فِي صلب أبي وحدي …
ثم صرت في بطن أمي وحدي …
ثم دخلت الدنيا وحدي …
ثم تقبض روحي وحدي …
[ ١ / ٨٢ ]
ثم أدخل في قبري وحدي …
ثم يأتيني منكر ونكير فيسألاني وحدي …
فإن صرت إلى خير صرت وحدي …
ثم يوضع عملي وذنوبي في الميزان وحدي …
وإن بعثت إلى الجنة بعثت وحدي …
فما لي وللناس؟!! …
ثم تفكر ساعة فوقعت عليه الرعدة حتى خشيت أن يسقط قال وسمعته يحلف كذا وكذا مرة يقول: لو قدرت أن أتطوع حيث لا يراني ملكاي لفعلت.
ولكني لا أستطيع ذلك خوفًا من الرياء.
وكان يدخل بيته ويغلق بابه ويدخل معه كوزًا من ماء فلم أدري ما يصنع.
حتى سمعت ابنًا له صغيرًا يحكى بكاءه فنهته أمه فقلت لها: ما هذا البكاء؟
فقالت: إن أبا الحسن يدخل هذا البيت فيقرأ القرآن ويبكي فيسمعه الصبي فيحكيه (أي يقلده) .
وكان إذا أراد أن يخرج غسل وجهه واكتحل لئلا يرى عليه أثر البكاء.
بلغ يا أخي الذين يذكرون أعمالهم للناس من حج وصدقة وصيام رياء وسمعة.
وكان يصل قومًا ويعطيهم ويكسوهم فيبعث إليهم ويقول للرسول: انظر أن لا يعلموا من بعثه إليهم ويأتيهم هو بالليل فيذهب به إليهم ويخفي نفسه.
[ ١ / ٨٣ ]
ولا يعلمون من الذي أعطاهم ولا أعلم أنه وصل أحدًا بأقل من مائة درهم إلا أن يمكنه ذلك.
ودخلت عليه قبل موته بأربعة أيام فقال: يا أبا عبد الله أبشر بما صنع الله بأخيك من الخير قد نزل بي الموت وقد من الله علي أنه ليس عندي درهم يحاسبني الله عليه.
وقد علم ضعفي فإني لا أطيق الحساب، فلم يدع عندي شيئًا يحاسبني الله عليه ثم أغلق الباب ولا تأذن لأحد علي حتى أموت.
واعلم أني أخرج من الدنيا وليس أدع ميراثًا غير كسائي، وإنائي الذي أتوضأ فيه وكتبي.
وكانت معه صرة فيها نحو ثلاثين درهما، فقال: هذا لابني أهداه إليه قريب له ولا أعلم شيئًا أحل لي منه لأن النبي - ﷺ - قال: «أنت ومالك لأبيك» .
فكفنوني منها وابسطوا على جنازتي لبدي وغطوا علي بكسائي وتصدقوا بإنائي أعطوه مسكينًا يتوضأ منه ثم مات باليوم الرابع ﵀.