عباد الله لقد كانت القلوب موضع العناية التامة عند السلف الصالح لأنهم يعلمون أنها كما قال النبي - ﷺ -: «إذا صلحت صلح الجسد كله» وذلك لأنها مبدأ الحركات البدنية، والإرادات النفسانية، فإن صدرت من القلوب إرادة صالحة تحرك البدن حركة طاعة، وإن صدرت عنها إرادة فاسدة تحرك البدن حركة فاسدة، فهو كملك والأعضاء كالرعية، ولا شك أن الرعية تصلح بصلاح الملك وتفسد بفساده، وكان واجبًا علينا أن نكون كما كان سلفنا في العناية بهاتيك القلوب لأن بها سعادتنا بإذن الله وبها شقاؤنا، ولكن يا للأسف ما كان من ذلك شيء والذي كان منا أننا أهملنا قلوبنا إهمالًا تتجرح له القلوب، وتذوب له الأكباد ولذلك نشأ فينا نتيجة الإهمال كثرة الأمراض في القلوب وتشعبت وأعضلت وصعب شفاؤها، وانعدم أطباؤها ومن وصل إلى هذا الحد فهو في خطر عظيم.
فمن الأمراض التي أزمنت في قلوبنا مرض الرياء الذي لا يكاد يسلم منه إلا النوادر، ومن الأمراض التي أصبنا بها مرض العجب، ولهذا يعتقد الصغير منا والكبير الكمال في نفسه ومن اعتقد ذلك في نفسه هوى لأنه لا يلتفت إلى ما به كمال الرجال، ومرض ينتج مرضًا آخر هو مرض الكبر وصف
[ ١ / ٢٨١ ]
الأنذال والأرذال والجهال، والمتكبر لا ينظر إليه بعين الرضا، والكبر ينشأ عنه مرض الحسد والحسود يتمنى زوال نعمة الله عن خلقه، والحسد يولد الحقد الذي ربما حمل صاحبه على قتل من لا ذنب له إلا ما أولاه الله من النعم، وليس هذا كل ما في قلوبنا من الأمراض بل فيها مرض البخل والشح الذي وصل بنا إلى منع الزكاة أو بعضها، وغير ذلك كثير وكلها أمراض مهلكات، ونحن لا نهتم بقلوبنا ولا بأمراضها وإنما نهتم بأمراض أجسامنا، ونبادر في علاجها إلى المستشفيات، وأمراضها يسيرة بسيطة بالنسبة إلى أمراض القلوب، ونهتم أيضًا بجمال ظواهرنا فنبالغ في تحسين ملابسنا ومراكبنا ومساكننا ومجالسنا وأبداننا، انظر إلينا عند الذهاب إلى مقر العمل لتتعجب من تغفيلنا وانخداعنا، ولو كانت عنايتنا بالقلوب كعنايتنا بالملابس فقط ما كنا بهذه الحالات المحزنات.
اللهم يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه اجمع بيننا وبين الصدق والنية الصالحة والإخلاص والخشوع والمراقبة واليقين والعلم والمعرفة والفصاحة والبيان والفهم في القرآن وخصنا منك بالمحبة والاصطفائية ووفقنا للعمل الصالح الرشيد والرزق الهنيء الذي لا حجاب به في الدنيا ولا حساب ولا سؤال ولا عقاب عليه في الدنيا والآخرة واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم انفعنا بما علمتنا، وعلمنا ما ينفعنا، ووفقنا للعمل بما فهمتنا، اللهم إن كنا مقصرين في حفظ حقك، والوفاء بعهدك، فأنت تعلم صدقنا في رجاء رفدك، وخالص ودك، اللهم أنت أعلم بنا منا، فبكمال جودك تجاوز عنا، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، الأحياء منهم والميتين، برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ١ / ٢٨٢ ]