عباد الله فتشوا قلوبكم بتأن وائتاد، وابحثوا عما تغلغل فيها من الأضغان والأحقاد، فإذا وجدتم شيئًا من ذلك فاجتهدوا واعملوا على سرعة إزالته ومحوه بجد واجتهاد وأعرضوا بكليتكم عن وحي الشيطان ووساوسه، واستعيذوا بالله القوي القدير من همزاته وهواجسه، فإنه لا يريد إلا إيقاعكم في البلاء، وتعريضكم لسخط الله ومقته الشديد، ماذا يضركم إن تنازلتم عن بعض حقوقكم، وتجاوزتم وصفحتم عمن أساء إليكم من إخوانكم، وقصدتم وجه الله وثوابه في صفحكم وتنازلكم، وبذلك تكونون قد أرضيتم الله رب العالمين، وأبعدتم شبح الشر عنكم. وعن إخوانكم المسلمين وكنتم أصحاب الفضل والمنة، يشكر الله والناس لكم هذا الخلق الطيب الحميد، ألا فاحرصوا عباد الله على الفضل العظيم، وأقبلوا سراعًا إليه، واكظموا غيظكم، وابذلوا
[ ١ / ٢٨٤ ]
جهدكم في التغلب عليه، واعلموا أن الجزاء من جنس العمل، فالله يغفر من ذنوب العافين عن الناس، ويمجد الكاظمين الغيظ، ويتولاهم بالفضل والكرامة، ويزوجهم من حور الجنان ما يشاءون يوم القيامة، ويدعوهم يوم القيامة على رءوس الخلائق إلى تلك الكرامة، ليعلم فضلهم، ويشهد مجدهم القريب والبعيد. فإذا ما علمتم هذا فقارنوا بينه وبين ما يعامل الله به المشاحن الحقود الحسود، الذي أجاب داعي الشيطان، وأعرض عن نصيحة ربه الذي خلقه ورزقه، ويسر له أموره، وأصر على ما هو عليه من التقاطع والشحناء والصدود، وسترون أنه بعناده وإبائه واستكباره قد خسر الدنيا والآخرة عرض نفسه في الدنيا لنقم الله المتعاقبة، وأبقى لها بعد الموت جهنم يلقى فيها العذاب الأليم، وقد ورد عن النبي - ﷺ -: أن المتهاجرين المتشاحنين يُعرض الله عنهما، وإذا أفاض على خلقه رحمته كان الحرمان نصيبهما، ولا يزالان هكذا. حتى يزيلا ما بينهما من الخصام، ويعودا إلى ما كانا عليه من قبل من الصفاء والوئام، والله ﷾ عفو غفور: تفهموا يا إخواني جيدًا، واقرعوا قلوبكم بما سمعتم من الزواجر والعظات، واعلموا أن أقرب المتصافيين إلى الله أسبقهما إلى الصفح، وتناسي ما فات، وأعظمهما أجرًا من بدأ بالسعي إلى إزالة الأضغان والأحقاد، فإن استجاب خصمه للصلح، ولم يتأخر، فبها ونعمت، واستحق نصيبه من الأجر والثواب، وإن أبى وامتنع فقد احتمل الإثم والعقاب فاتقوا الله عباد الله، واعملوا بهذه النصيحة، وسارعوا بالاعتذار إلى ربكم، واستجيبوا إلى داعي الهدى والرشاد، وأصلحوا ذات بينكم، وهلموا سراعًا إلى مصافاة من خاصمتم من إخوانكم، وبذلك تصونون بيوتكم من الخراب، وتحفظون أموالكم من التلاشي والذهاب، وترجون رضا ربكم وعفوه يوم البعث والحساب، ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ
[ ١ / ٢٨٥ ]
إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٩]، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧] .
روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا يحل لمؤمن أن يهجر مؤمنًا فوق ثلاث، فإن مرت به ثلاث فليلقه فليسلم عليه، فإن رد ﵇ فقد اشتركا في الأجر، وإن لم يرد عليه فقد باء بالإثم وخرج المسلم من الهجر» .
وروى الطبراني عن جابر ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس، فمن مستغفر فيغفر له، ومن تائب فيتاب عليه، ويرد أهل الضغائن بضغائنهم حتى يتوبوا» .
وورد عنه - ﷺ - أنه قال: «من كظم غيظًا وهو قادر أن ينفذه دعاه الله يوم القيامة على رءوس الخلائق، حتى يخيره من الحور العين ما شاء» . والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.