إخواني إن في مواعظ الأيام والليالي لعبرة لذوي البصائر ركائب أموات تزعج عن مقصورات القصور ثم تحمل إلى مضائق القبور، فكم قد شاهدتم من شخصيات في الأرض، قد وضعت، وكم قد عاينتم من أبدان ناعمة في الأكفان قد لفت وإلى مضيق الألحاد قد زفت فيا لها من غاية يستبق إليها العباد ويا له من مضمار يتناوبه جواد بعد جواد ويا له من هول شديد يعقبه أهوال شداد فتنة قبور وحشر في موقف مهيل موقف فيه تنقطع الأنساب وتخضع فيه الرقاب وتنسكب فيه العبرات وتتصاعد فيه الزفرات ذلك موقف تنشر فيه الدواوين، وتنصب فيه الموازين، ويمد فيه الصراط، وحينئذ يقع الامتياز فناج مسلم ومكردس في النار.
دخل عمر بن عبد العزيز ﵀ على سابق البربري وهو يتمثل بالأبيات المشهورة من قصيدة الأعشى.
أَجِدَّكَ لمْ تَذْكُرْ وِصَاةَ مُحَمَّدٍ … نَبِيّ الإلهِ حِيْنَ أَوْصَى وَأَشْهَدَا
إِذَا أَنْتَ لَمْ تَرْحَلْ بِزَادٍ مِنَ التَّقَى … وَأَبْصَرْتَ بَعْدَ المَوْتِ مَنْ قَدْ تَزَوَّدَا
نَدِمْتَ عَلَى أَنْ لا تَكُوْنَ كَمِثْلِهِ …
[ ١ / ٢٩٢ ]
وَأَنَّكَ لَمْ تُرْصِدْ كَمَا كَانَ أَرْصَدَا
فغشي على عمر ﵀ فلما أفاق قال زدنا فقال القصيدة التي تلي:
بِاسْمِ الذِي أَنْزِلَتْ مِنْ عِنْدِهِ السُّوَرُ … الحَمْدُ للهِ أَمَّا بَعْدُ يَا عُمَرُ
إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ مَا تُبْقِى وَمَا تَذَرُ … فَكُنْ عَلَى حَذَرٍ قَدْ يَنْفَعُ الحَذَرُ
واصْبِرْ عَلَى القَدَرِ المَقْدُورِ وارْضَ به … وَإِنٍ أَتَاكَ بِمَا لا تَشْتَهِي القَدَرُ
فَمَا صَفَى لامْرِئٍ عَيْشٌ يُسَرُّ بِهِ … إِلا وَأَعْقِبَ يَوْمًا صَفْوُهُ كَدَرُ
قَدْ يَرعَوِي المَرْءُ يَوْمًا بَعْدَ هَفْوَتِهِ … وَتُحْكمُ الجَاهِلَ الأَيَّامُ والعِبَرُ
إِن التُّقَى خَيْرُ زَادٍ أَنْتَ حَامِلُهُ … وَالبِرُّ أَفْضَلَ مَا تَأَتِي وَمَا تَذَرُ
مَن يَطْلُبِ الجَوْرَ لا يَظْفُرْ بِحَاجَتِه … وَطَالِبُ العَدْلِ قَدْ يُهْدَى لَهُ الظَّفَرُ
وَفي الهُدَى عِبَرٌ تُشْفَى القُلُوبُ بِهَا … كَالغَيْثِ يَحْيَى بِهِ مَنْ مَوتِهِ الشَّجَرُ
وَلَيْسَ ذُو العِلْمِ بالتَّقْوَى كَجَاهِلِهَا … وَلا البَصِيرُ كَأَعْمَى مَالَهُ بَصَرُ
وَالذِّكْرُ فِيْهِ حَيَاةٌ لِلْقُلُوبِ كَمَا … تَحْيَا البِلادُ إِذَا مَا جَاءَهَا المَطَرُ
والعِلْمُ يَجْلُو العَمَى عَن قَلْبِ صَاحِبه … كَمَا يُجَلِّي سَوادَ الظُّلمَةِ القَمَرُ
لا يَنْفَعُ الذِّكْرُ قَلْبًا قَاسِيًا أَبدًا … وَهَلْ يَلِيْنُ لِقَوْلِ الوَاعِظِ الحَجَرُ
ما يَلْبَثُ المَرْءُ أَنْ يَبْلَى إِذَا اخْتَلَفت … يَوْمًا عَلَى نَفْسِهِ الرَّوْحَاتُ وَالبِكَرُ
وَالَمْرءُ يَصْعَدُ رَيْعَانُ الشَّبَابِ بِهِ … وَكُلُّ مُصْعِدَةٍ يَوْمًا سَتَنْحَدِرُ
وَكُلُّ بَيِتٍ سَبَيْلَى بَعْدَ جِدَّتِهِ … وَمِن وَرَاءِ الشَّبَابِ المَوْتُ والكِبَرُ
والمَوْتُ جَسْرٌ لِمَنْ يَمْشِيْ عَلَى قَدَمِ … إِلى الأُمُورِ التِي تُخْشَى وَتَنْتَظَرُ
فَهُمْ يَمُرُّونَ أَفْوَاجًا وَتَجْمَعُهَم … دَارٌ يَصِيْرُ إِلَيْهَا البَدْو والحَضَرُ
كَمْ جَمْعُ قَوْمٍ أَشَتَّ الدَّهُر شَمْلَهُم … وَكُلُّ شَمْلٍ جَمِيْعٍ سَوْفَ يَنْتَثِرُ
وَرُبَّ أَصْيَدَ سَامَ الطَّرْفِ مُقْتَضِبًا …
[ ١ / ٢٩٣ ]
بَالتَّاج نِيْرانُه لِلْحَرْبِ تُسْتَعرُ
يَظَلُّ مُفْتَرِشَ الدِّيْبَاجِ مُحْتَجِبًا … عَلَيْهِ تُبْنِى قِبَابُ المُلْكِ وَالحُجَرُ
إِلى الفَنَاءِ وَإِن طَالَتْ سَلامَتُهُم … مَصِيْرُ كُلِّ بَنِي أنثَى وَإِنْ كَبُرُوا
إِذَا قَضَتْ زُمْرٌ آجالَها نَزَلَتْ … عَلَى مَنَازِلِهِم مِنْ بَعْدِهَا زُمَرُ
أَصْبَحْتُمْ جُزُرًا لِلْمَوْتِ يَأْخُذُكُمْ … كَمَا البَهَائِمُ فِي الدُّنْيَا لَكُمْ جُزُرُ
أَبَعْدَ آدَمَ تَرْجُونَ الخُلُودَ وَهَل … تَبْقَى الفُرُوعُ إِذَا مَا الأَصْلُ يَنْعَقِرُ
وَلَيْسَ يَزْجُرُكُمْ مَا تُوعَظُونَ بِهِ … وَالبَهْمُ يَزْجُرُهَا الرَّاعِي فَتَنْزَجِرُ
لا تَبطُرُوا واهْجُروا الدُّنْيا فإِنَّ لهَا … غِبًا وَخِيْمًا وَكُفْرُ النِّعْمَةِ البَطَرُ
ثُمَّ اقْتَدُوا بالأُوْلَى كَانُوا لَكُمْ غُرَرًا … وَلَيْسَ مِن أُمَّةٍ إِلا لَهَا غُرَرُ
مَتَى تَكُونُوا عَلَى مِنْهَاجِ أَوَّلِكُمْ … وَتَصْبِرُوا عَن هَوَى الدُّنْيَا كَمَا صَبَرُوا
مَالِي أَرَى النَّاسَ والدُّنْيَا مُوَليَّةٌ … وَكُلُّ حَبْلِ عَلَيْهَا سَوْفَ يَنْبَتِرُ
لا يَشْعُرُونَ إِذَا مَا دِيْنَهُم نُقِصُوا … يَوْمًا وَإِنْ نُقِصَتْ دُنْيَاهُم شَعِرُوا
حَتَّى مَتَى أَكُ في الدُّنْيا أَخَا كَلَفٍ … في الخَدِّ مِنِّي إِلى لَذَّاتِهَا صَعرُ
وَلا أَرَى أَثَرًا لِلذكْرِ في جَسَدِي … وَالحَبْلُ في الحَجَرِ القَاسِي لَهُ أَثَرُ
لَوْ كَانَ يَسْهِر لَيِْلي ذِكْرُ آخِرتِي … كَمَا يُؤرِّقَنِي لِلْعَاجِلْ السَّفَرُ
إِذَا لِدَاوَيْتُ قَلْبًا قَدْ أَضَرَّ بِهِ … طُولُ السِّقامِ وَكَسْرُ العَظْمِ يَنْجَبِرُ
ثُمَّ الصَّلاةُ عَلَى المَعْصُومِ سَيِّدِنَا … مَا هَبَّت الرِّيْحُ واهْتَزَّتْ بِهَا الشَّجَرُ
اللهم ثبت إيماننا ثبوت الجبال الراسيات واشرح صدورنا للإسلام وثبتنا عليه واجعلنا من حزبك المفلحين وعبادك الصالحين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ١ / ٢٩٤ ]