عباد الله ما هذه الغفلة وأنتم مستبصرون وما هذه الرقدة وأنتم مستيقظون كيف نسيتم الزاد وأنتم راحلون، أين ما كان قبلكم ألا تتفكرون أما رأيتم كيف نازلهم المنون ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٥٠] .
عباد الله لو حضرت القلوب لجرت من العيون عيون فكأنكم بالآلام قد اعترضت، وبالأجسام قد انقضت، وبالأوصال قد فصلت، فرحم الله عبدًا أعتق نفسه من رق شهواتها ونظر لها قبل مماتها وأخذ من جدته عتادًا لفقره وادخر من صحته زاد لقبره قبل أن يفوت زمن الاستدراك بوقوع الهلاك.
فكأنكم بالموت قد حل العراص، وأنشب مخاليبه في الأرواح للاقتناص، وأين لكم الفلات فلات حين مناص ثم يقومون للحساب والجزاء والقصاص.
وإذا الخلائق قد حشرت، وإذا الصحف قد نشرت، وإذا جهنم قد سيقت ومرارة الندم قد ذيقت، فستنطق عليكم الجوارح وتنشر حين القضاء الفضائح.
فيا خجل المقصرين ويا أسف المذنبين ويا حسرة المفرطين ويا سوء منقلب الظالمين، قال الله جل وعلا وتقدس ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء﴾ [إبراهيم: ٤٣] .
وقال تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] .
خَفِ اللهِ في ظلمِ الورَى واحْذَرَنَّهُ … وَخَفْ يومَ عض الظالمين على اليد
[ ١ / ٢٩٨ ]
اللهم سلمنا من شرور أنفسنا التي هي أقرب أعدائنا وأعذنا من عدوك واعصمنا من الهوى ومن فتنة الدنيا ومكن محبتك في قلوبنا وقوها وألهمنا ذكرك وشكرك وفرح قلوبنا بالنظر إلى وجهك الكريم في جنات النعيم واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.