عباد الله اغتنموا مواسم الطاعات فأيام المواسم معدودة وانتهزوا فرص الأوقات فساعات الإسعاد محدودة وجدوا في طلب الخيرات فمناهل الرضوان مورودة وقوموا على قدم السداد واتقوا الله الذي إليه تحشرون.
وكونوا من الذين يدعون ربهم خوفًا وطمعًا ومما رزقهم ينفقون قال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٩] .
فيا سعادة أولى الطاعات الذين اجتباهم مولاهم لدار السلام واصطفاهم لحظيرة قدسه وأوردهم مناهل الإنعام وأولاهم حلاوة الأنس ووالاهم بمواهب الإكرام وسقاهم من رحيق مختوم ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
ويا مسرة من شاهد معالم الرشد فسلك مسالكه وكان من المستبشرين الذين يوم القيامة وجوهم مسفرة ضاحكة لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون.
فتدبروا عباد الله الأمر وانظروا بعين الناقد البصير وتذكروا العرض يوم الفزع الأكبر بين يدي رب العالمين العليم الخبير واعلموا أن الظالمين ما لهم من
[ ١ / ٢٩٩ ]
ولي ولا نصير "يوم يقال" ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩] .
شعرًا:
لا تَبْكِ للدُّّنْيَا ولا أَهْلِهَا … وابْكِ لِيَوْمٍ تَسْكُنِ الحَافرة
وابْكِ إذا صِيْحَ بِأهلِ الثَّرى … فاجْتَمَعُوا في سَاعَةِ السَّاهِرة
وَيْلَكِ يَا دُنْيَا لَقَدْ قَصَّرَتْ … آمَالُ مَن يَسْكُنُكِ الآخرة
آخر:
واذْكُرْ مُنَاقَشِةَ الحِسَابِ فَإِنَّهُ … لا بُدَّ يُحْصَى مَا جَنَيْتَ وَيُكْتَبُ
لَمْ يُنْسَهُ المَلَكَانِ حِيْنَ نَسِيْتَهُ … بَلْ أَثْبَتَاهُ وَأَنْتَ لاهٍ تَلْعَبُ
اللهم ثبت محبتك في قلوبنا ثبوت الجبال الراسيات واشرح صدرنا ويسر أمورنا وألهمنا ذكرك وشكرك واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(فصل)
إذا فهمت ذلك فاعلم أنه ينبغي لمن آيس من حياته بل يستحب له ويتأكد أن يكثر من قراءة القرآن والأذكار ويكره له الجزع وسوء الخلق والشتم والمخاصمة والمنازعة في غير الأمور الدينية في الدفاع عنها ويستحب أن يكون شاكرًا لله تعالى بقلبه ولسانه ويستحضر في ذهنه أن هذا آخر أوقاته من الدنيا فيجتهد على ختمها بخير ويكثر من قول لا إله إلا الله.
ويبادر إلى أداء الحقوق إلى أهلها من رد المظالم والعواري والودائع والغصوب ويستحل أهله وزوجته ووالديه وأولاده وغلمانه وجيرانه
[ ١ / ٣٠٠ ]
وأصدقاءه وزملاءه وكل من كانت بينه وبينه معاملة أو مصاحبة في سفر أو غيره أو له تعلق بشيء.
وأخرج البيهقي وابن عساكر عن عبادة بن محمد بن عبادة بن الصامت قال لما حضرت عبادة ﵁ الوفاة قال أخرجوا إلي موالي وخدمي وجيراني ومن كان يدخل علي فجمعوا له فقال إن يومي هذا لا أراه إلا آخر يوم يأتي علي من الدنيا وأول ليلة من الآخرة.
وإني لا أدري لعله قد فرط مني إليكم بيدي أو بلساني شيء وهو والذي نفسي بيده القصاص يوم القيامة وأحرج إلى أحد منكم في نفسه شيء من ذلك إلا اقتص مني من قبل أن تخرج نفسي فقالوا بل كنت والدًا وكنت مؤدبًا قال وما قال لخادم سوءًا قط فقال أعفوتم ما كان من ذلك؟ قالوا! نعم قال اللهم اشهد … إلخ.
وورد أن عبد الله بن عمرو لما حضرته الوفاة قال انظروا فلانًا فإني كنت قلت له في ابنتي قولًا كشبه العدة فما أحب أن ألقى الله بثلث النفاق فأشهدكم أني قد زوجته.
وينبغي أن يوصي بأمور أولاده إن لم يكن جد يصلح للولاية ويوصي بما لا يتمكن من فعله في الحال من قضاء الديون ونحو ذلك وأن يكون حسن الظن بالله تعالى راجيًا عفوه ومغفرته ورحمته وإحسانه.
ويستحضر في ذهنه أنه حقير في مخلوقات الله تعالى وأن الله تعالى غني عن عذابه وعن طاعته وأنه عبده ولا يطلب العفو والإحسان والصفح والامتنان إلا منه جل وعلا وتقدس.
ويستحب أن يكون متعاهدًا نفسه بقراءة آيات من القرآن العزيز في الرجاء وكذلك أحاديث الرجاء يقرؤها أو يجعل من يقرؤها عليه وأن يكون
[ ١ / ٣٠١ ]
خيره متزايدًا ويحافظ على الصلوات الخمس في أوقاتها.
ويجتنب النجاسات ويحرص على التطهر ويصبر على مشقة ذلك وكذا باقي وظائف الدين يحرص على أدائها كاملة مكملة وليحذر من التساهل في ذلك فإنه أقبح القبائح أن يكون آخر عهده من الدنيا التي هي مزرعة الآخرة التفريط فيما وجب عليه أو ندب إليه.
وليجتهد في ختم عمره بأكمل الأحوال ويستحب أن يوصي أهله وأصحابه بالصبر عليه في مرضه واحتمال عما يصدر منه ويوصيهم أيضًا بالصبر على مصيبتهم به ويوصيهم بالرفق بمن يخلفه من طفل وغلام وجارية ويوصيهم بالإحسان إلى أصدقائه ويعلمهم أن النبي - ﷺ - قال: «إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه» .
وقد صح أن رسول الله - ﷺ - كان يكرم صواحبات خديجة ﵂ بعد وفاتها.
ويوصيهم بتعاهده بالدعاء وفعل ما يقرب إلى الله وينوي الثواب له وذلك كالحج والصدقة والأضحية وطبع المصاحف والكتب الدينية المقوية للشريعة المحمدية والإعانة على بناء المساجد.
وكالعين الجارية ونحو ذلك ويوصيهم بأن لا ينسوه بل يتعاهدوه بالدعاء له ولوالديه.
ويتسحب أن يقول لهم في وقت بعد وقت متى رأيتم مني تقصيرًا في شيء انهوني عنه برفق ولطف لأن النفس تضعف في ذلك الوقت وأدوا إلي النصيحة في ذلك فإني معرض للغفلة والسهو والكسل والإهمال فإذا قصرت فنشطوني وعاونوني على التأهب لهذا السفر البعيد والتغرب المخيف.
وإذا حضره النزع فليكثر من قول لا إله إلا الله لتكون آخر كلامه فيا
[ ١ / ٣٠٢ ]
له من ختام ويا له من طابع، فعن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله» .
ويستحضر أحاديث الرجاء مثل حديث أبي ذر قال أتيت النبي - ﷺ - وعليه ثوب أبيض وهو نائم ثم أتيته وقد استيقظ فقال «ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة قلت وإن زنى وإن سرق قال وإن زنى وإن سرق» الحديث متفق عليه.
وحديث ابن عباس ﵄ أن ناسًا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا وزنوا وأكثروا فأتوا محمدًا - ﷺ - فقالوا إن الذي تدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة فنزل: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨] . الآيتين – ونزل: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣] الآية. ونحو هذه الآية والأحاديث التي سبقت.
شعرًا:
إِذَا أَتَى اللهُ يَومَ الحَشرِ في ظُلَلٍ … وَجِيءَ بِالأُمَمِ المَاضِينَ والرُّسُلِ
وَحَاسَبَ الخَلْقَ مَنْ أَحْصَى بِقُدرَتِه … أَنْفَاسَهُم وتَوفَّاهُم إِلى أَجَلِ
وَلَمْ أَجِدْ في كِتَابِي غَيْرَ سَيِّئَةٍ … تَسُوءني وَعَسَى الإِسْلامُ يَسْلَمُ لِي
رَجَوتُ رَحْمَةَ رَبِّي وهي وَاسِعُةٌ … وَرَحْمَةُ اللهِ أَرْجَى لِي مِنَ العَمَلِ
اللهم اجعل في قلوبنا نورًا نهتدي به إليك وتولنا بحسن رعايتك حتى نتوكل عليك وارزقنا حلاوة التذلل بين يديك فالعزيز من لاذ بعزك والسعيد من التجأ إلى حماك وجودك والذليل من لم تؤيده بعنايتك والشقي من رضي بالإعراض عن طاعتك اللهم نزه قلوبنا عن التعلق بمن دونك واجعلنا من قوم
[ ١ / ٣٠٣ ]
تحبهم ويحبونك واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.