كان السلف ﵏ ومن سار على نهجهم من الخلف احرص الناس على حفظ الوقت، وتعبيته بالأعمال الصالحة سواء في ذلك العالم، وطالب العلم، والعابد.
وكانوا يقتدي بعضهم ببعض ويوصي أحدهم الآخر على صيانته وملئه بالخير وكانوا يسابقون الساعات، ويبادرون اللحظات، حرصًا منهم على الوقت، وأن لا يذهب هدرًا.
[ ١ / ٨٤ ]
لعلمهم أنه يمر مر السحاب ويجري جري الريح.
قيل إن نوحًا عليه وعلى نبينا محمد أفضل الصلاة والسلام جاء ملك الموت ليقبض روحه بعد ألف سنة أو أقل أو أكثر الله أعلم.
فسأله ملك الموت قال له يا أطول الأنبياء عمرًا كيف وجدت الدنيا فقال كدارٍ لها بابان دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر.
قال الله جل وعلا وتقدس: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ﴾ [الأحقاف: ٣٥] .
وقال ﵎: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٤٦] .
وقال ﵎ وتقدس: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٤٥] .
ومن خصائص الوقت أن كل ساعة أو يوم أو لحظة تمر ليس يمكن استرجاعها.
وقال الحسن البصري ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي يا ابن آدم أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد فتزود مني فإني إذا مضيت لا أعود.
وَمَا الْمَرْءُ إِلاَّ رَاكِبٌ ظَهْرَ عُمْرِه … عَلَى سَفَرٍ يُفِنْيِه بِاليَوْمِ وَالشَّهْرِ
يَبِيْتُ وَيُضْحِى كَل يَومٍ وَلَيْلَةٍ … بَعِيْدًا عَنْ الدُّنْيَا قَرَيْبًا إِلَى القَبْرِ
فالذي ينبغي للإنسان أن يحافظ على وقته أعظم من محافظته على ماله، وأن يحرص على الاستفادة منه في كل لحظة فيما ينفعه في دينه وفي دنياه، مما هو وسيلة إلى الدار الآخرة.
قال عمر بن عبد العزيز إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما.
[ ١ / ٨٥ ]
وقال حكيم من أمضى يومًا من عمره في غير حق قضاه، أو فرض أداه، أو مجد أثله، أو حمد حصله، أو خير أسسه، أو علم اقتبسه، فقد عق يومه وظلم نفسه.
والذي يعين على اغتنام الزمان، العزلة مهما أمكن، إلا لضرورة، أو حاجة لمن يلقاه، أو يزوره، وقلة الكل.
لأن كثرته تكسل البدن، وسبب للنوم الطويل، وضياع الليل، وفوات التهجد، أو تقليله. والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
[فصل]
ولقد كانت همم السلف عالية يدل عليها كثرة مصنفاتهم التي هي خلاصة أعمارهم.
وقد أمر الله ﷾ باستباق الخيرات والمسارعة إليها قبل أن تشغل عنها الشواغل أو تعوق العوائق.
قال الله جلا وعلا: ﴿فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨] .
وقال عز من قائل: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] .
وقال جل وعلا: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [الحديد: ٢١] .
ومدح الصالحين من أهل الكتاب بأنهم ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ١١٤] .
وقد حث النبي - ﷺ - على المبادرة بالعمل قبل حلول العوائق والفتن.
[ ١ / ٨٦ ]
فقال: «هل تنتظرون إلا غنى مطغيًا أو فقر منسيًا أو مرضًا مفسدًا أو هرمًا مفندًا أو موتًا مجهزًا أو الدجال فشر غائب ينتظر أو الساعة فالساعة أدهى وأمر» . رواه الترمذي.
وقال ابن القيم ﵀ وعمارة الوقت الاشتغال في جميع آنائه بما يقرب إلى الله تعالى أو يعين على ذلك من مأكل ومشرب أو منكح أو منام أو راحة.
فإن متى أخذها بنية القوة على ما يحبه الله وتجنب ما يسخطه كانت من عمارة الوقت.
وغن كان له فيها أتم لذة فلا تحسب عمارة الوقت بهجر اللذات والطيبات المباحة.
قال بعض العلماء أغلق باب التوفيق عن الخلق من ستة أشياء.
انشغالهم بالنعمة عن شكرها.
ورغبتهم في العلم وتركهم العمل.
وإقبال الآخرة وهم معرضون عنها.
والاغترار بصحبة الصالحين وترك الاقتداء بفعالهم.
وإدبار الدنيا عنهم وهم يتبعونها.
والمسارعة إلى المعاصي والذنوب وتأخير التوبة.
وَكَمْ ذِيْ مَعَاصٍ نَالَ مِنْهُنَّ لَذَّةً … وَمَاتَ وَخضلاَّهَا وَذَاقَ الدَّوَاهِيَا
تَصَرَّمُ لذات المعاصي وتنقضي … وتبقى تباعات المعاصي كما هيا
فَيَا سَوْءَتَا وَاللهِ رَاءٍ وَسَامِعٌ … لِعَبْدٍ بِعَيْنِ اللهِ يَغْشَى الْمَعَاصِيَا
[ ١ / ٨٧ ]
آخر:
تَوَارَىْ بِجِدْرَانِ الْبِيوتِ عَن الوَرَى … وَأَنْتَ بعَيْنِ اللهِ لَا شَكَّ تُنْظَرُ
وقال آخر: إن لله عبادًا جعلوا ما كتب عليهم من الموت مثالًا بين أعينهم وقطعوا الأسباب المتصلة بقلوبهم من علائق الدنيا فهم أنضاء عبادته حلفاء طاعته.
قد أنضجوا خدودهم بوابل دموعهم وافترشوا جباههم في محاريبهم يناجون ذا الكبرياء والعظمة في فكاك رقابهم.
ومر إبراهيم بن أدهم برجل يتحدث فيما لا يعنيه فوقف عليه فقال كلامك هذا ترجو به الثواب.
قال لا فقال أفتأمن عليه العقاب قال لا.
قال فما تصنع بكلام لا ترجو عليه ثوابًا وتخاف منه عقابًا.
قال بعضهم لو بعت لحظة من إقبالك على الله بمقدار عمر نوح في ملك قارون لكنت مغبونًا في العقد.
قال سفيان الثوري دخلت على جعفر الصادق فقلت له ما لي أراك سكنت دارك ولا تخالط الناس.
فقال نعم يا ابن سعيد في العزلة دعة وفي الدعة القناعة وما قدر لك يأتيك.
يا سفيان فسد أهل الزمان وتغير الأصدقاء فرأيت الانفراد أسكن للفؤاد. والله أعلم وصل الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
[ ١ / ٨٨ ]
(فصل)
أعلم أن قصر الأمل ديدن العلماء العاملون المتقون الورعون المبعدون عن التكالب على الدنيا الزاهدون في حطامها الفاني وكذلك أرباب القلوب الواعية وإن لم يكونوا علماء يقصرون أملهم ويحتقرون الدنيا ويعلمون أنها زائلة عكس ما عليه أكثر أهل الزمان عبيد الدنيا للبطون والفروج.
قال - ﷺ -: «ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم يرجع» . رواه مسلم.
وعن ابن عمر ﵄ قال أخذ رسول الله - ﷺ - بمنكبي فقال: «كن في الدنيا كَأَنَّكَ غريب أو عابر سبيل» وكان ابن عمر ﵄ يقول إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك. رواه البخاري.
قالوا في شرح هذا الحديث معناه لا تركن إلى الدنيا ولا تتخذها وطنًا ولا تحدث نفسك بطول البقاء فيها ولا تشتغل فيها إلا بما يشتغل به الغريب فقط الذي يريد الذهاب إلى أهله، وأحوال الإنسان ثلاث: حال لم يكن فيها شيئًا وهي قبل أن يوجد.
وحال أخرى وهي من ساعة موته إلى ما لا نهاية له في البقاء السرمدي فإن لنفسك وجود بعد خروج الروح من البدن إما في الجنة وإما في النار وهو الخلود الدائم وبين هاتين الحالتين حالة متوسطة وهي أيام حياته في الدنيا فانظر إلى مقدار ذلك بالنسبة إلى الحالتين يتبين لك أنه أقل من طرفة عين في مقدار عمر الدنيا.
ومن رأى الدنيا بهذه الصفة وبهذا التفكير السليم لم يلتفت إليها ولم
[ ١ / ٨٩ ]
يبالي كيف انقضت أيامه بها في ضرر وضيق أو سعة ورخاء ورفاهية ولهذا لم يضع النبي - ﷺ - لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة.
وقال عيسى ﵇ الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها هذا مثل واضح فإن الدنيا معبر إلى الآخرة والمهد هو الركن الأول على أول القنطرة واللحد هو الركن الثاني على آخر القنطرة.
شعرًا:
يَا غَافِلَ الْقَلْبِ عَنْ ذِكْرِ الْمَنَيَّاتِ … عَمَّا قَلِيْل سَتُلْقَى بَيْنَ أَمْوَاتِ
فَاذْكُر مَحَلَّكَ مِن قَبْل الْحُلُولِ بِهِ … وَتُبْ إِلَى الله مِنْ لَهْوٍ وَلَذَّاتِ
إِنَّ الْحَمَامَ لَهُ وَقْتٌ إِلَى أَجَلٍ … فَاذْكُرْ مَصَائِبَ أَيَّامٍ وَسَاعَاتِ
لَا تَطْمَئِنَّ إِلَى الدُّنْيَا وَزِيْنَتَهَا … قَدْ آنَ لِلمَوْتِ يَا ذَا اللَبِّ أَنْ يِأْتِي
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(فصل)
ومن الناس من قطع نصف القنطرة ومنهم من قطع ثلثها ومن الناس من قطع الثلثين ومنهم من قطع ثلاثة أرباع المسافة ومنهم من لم يبق له إلا ثمن المسافة ومنهم من لم يبق له إلا خطوة واحدة وهو غافل عنها وكيف ما كان فلابد من العبور فمن وقف يبني على القنطرة ويزينها وهو يستحث على العبور عليها فهو في غاية الجهل والحمق والسفه.
وروي عن الحسن قال بلغني عن رسول الله - ﷺ -: «أنه قال إنما مثلي ومثلكم ومثل الدنيا كمثل قوم سلكوا مفازة غبراء حتى إذا لم يدروا ما سلكوا منها أكثر أو ما بقي أنفذوا الزاد وخسروا الظهر وبقوا بَيْنَ ظهراني
[ ١ / ٩٠ ]
المفازة لا زاد ولا حمولة فأيقنوا بالهلكة فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم رجل في حلة يقطر رأسه فقالوا أن هذا قريب عهد بريف وما جاء هذا إلا من قريب فلما انتهى إليهم قال يا هؤلاء علام أنتم قالوا على ما ترى قال أرأيتكم إن هديتكم إلى ماء رواء ورياض خضر ما تعملوا قالوا لا نعصيك شيئًا قال عهودكم ومواثقكم بالله فأعطوه عهودهم ومواثيقهم بالله لا يعصونه شيئًا قال فأوردهم ماء ورياضًا خضراء فمكث فيهم ما شاء الله ثم قال يا هؤلاء الرحيل قالوا إلى أين قال إلى ماء ليس كمائكم وإلى رياض ليست كرياضكم فقال أكثر القوم والله ما وجدنا هذا حتى ظننا أن لن نجده وما نصنع بعيش خير من هذا وقالت طائفة ألم تعطوا هذا الرجل عهودكم ومواثيقكم بالله لا تعصوه وقد صدقكم في أول حديثه فو الله ليصدقنكم في آخره قال فراح فيمن اتبعه وتخلف بقيتهم فنزل بهم عدو فأصبحوا من بَيْنَ أسير وقتيل» .
وعن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - قال «ما حق امرء مسلم له شيء يوصى فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده» . متفق عليه.
وعن أنس ﵁ قال خط النبي - ﷺ - خطًا مريعًا وخط خطًا في الوسط خارجًا منه وخط خططًا صغارًا إلى هذا الذي في الوسط من جانبه فقال هذا الإنسان وهذا أجله محيط به –أو قد أحاط به. وهذا الذي هو خارج أمله وهذه الخطط الصغار الأعراض فإن أخطاه هذا نهشه هذا وإن أخطاه هذا نهشه هذا رواه البخاري.
وَالْمَرْءُ يَبْلَيِه فِي الدُّنْيَا وَيَخْلقُهُ … حِرْصٌ طَوِيْلٌ وَعُمْرُ فِيْه تَقْصِيْرُ
يَطَوِّقُ النَّحْرِ بِالآمالِ كَاذِبَةً … وَلَهْذَمُ الْمَوْتِ دُوْنَ الطَّوْق مَطْرُوْرُ
[ ١ / ٩١ ]
جَذْلَانَ يَبْسِمُ فِي أَشْرَاكِ مِيْتَتِه
ِ … إِنْ أَفْلَتَ النَّابُ أَرْدَتْهُ الأَظَافِيْرُ
وعن سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال قال رسول الله - ﷺ - لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء. رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.
وقال - ﷺ - "مالي وللدنيا أنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب قال في ظل شجرة في يوم صائف ثم راح وتركها".
وفي صحيح مسلم من حديث المستورد بن شداد قال قال رسول الله - ﷺ - "ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في أليم فلينظر بم يرجع" وأشار بالسبابة.
وليس العجب من انهماك الكفرة في حب الدنيا والمال فإن الدنيا جنتهم وإنما العجب أن يكون المسلمون يصل حب المال والدنيا في قلوبهم إلى حد أن تذهل عقولهم وأن تكون الدنيا هي شغلهم الشاغل ليلًا ونهارًا وهم يعرفون قدر الدنيا من كتاب ربهم وسنة نبيهم - ﷺ - أليس كتاب الله هو الذي فيه ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠] .
ويقول: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩] .
وتقدمت الأحاديث عن النبي - ﷺ - المبينة لحقارة الدنيا وليس المعنى أن نترك الدنيا ونبقى جياعًا عارين محتاجين بل معناه أن لا نجعلها مقصدًا كما جعلها الكفار بل نجعل الدنيا وما فيها وسيلة إلى تلك الحياة الأبدية فنكون
[ ١ / ٩٢ ]
من الفريق الذي يحب المال لأجل الآخرة.
وقد كان على هذا المبدأ الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين وكذلك التابعون لهم اتخذوا الدنيا مطية للآخرة فسادوا بها أهل الدنيا ولما تخلفنا عنهم في هذا المبدأ وجعلنا المال هو المقصد سكنًا إلى الدنيا وأحببنا الحياة ولذائذها والداهية العظيمة هي أنا ضربنا بالذل.
ولذلك قال النبي - ﷺ -: «إن أكثر ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الأرض» . رواه البخاري ومسلم.
وقال - ﷺ -: «فو الله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم» . متفق عليه.
اللهم إنا ظلمنا أنفسنا فاغفر لنا ذنوبنا وهب لنا تقواك واهدنا بهداك، ولا تكلنا إلى أحد سواك، واجعل لنا من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا.
اللهم أعذنا بمعافاتك من عقوبتك، وبرضاك من سخطك، واحفظ جوارحنا من مخالفة أمرك، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
[ ١ / ٩٣ ]
(فصل)
فائدة نفيسة قال أحد العلماء رحمه الله تعالى أعلم أن الدنيا رأس كل خطيئة كما قال - ﷺ - وقد صارت عدوة لله وعدوة لأوليائه وعدوة لأعدائه، أما عداوتها لله تعالى فلأنها قطعت الطريق بينه وبين أوليائه.
ولهذا فإنه لم ينظر إليها منذ خلقها، وأما عداوتها لأوليائه فلأنها تزينت لهم بزينتها وغمرتهم بزهرتها وتزهت لهم بنضارتها حتى تجرعوا مرارات الصبر في مقاطعتها وتحملوا المشاق في البعد منها.
وأما عداوتها لأعدائه فلأنها استدرجتم بمكرها ومكايدها واقتنصتهم بحبائلها وأقصدتهم بسهامها حتى وثقوا بها وعولوا عليها.
فخذلتهم أحوج ما كانوا إليها وغدرت بهم أسكن ما كانوا إليها فاجتنوا منها حسرة تنقطع دونها الأكباد. وحرمتهم السعادة الأخروية على طول الآماد فانتبه يا من اغتر بها قبل أن يصيبك مثل ما أصاب المغترين بها.
وقال بعض العارفين إذا كان أبونا آدم بعد ما قيل له أسكن أنت وزوجك الجنة صدر منه ذنب واحد فأمر بالخروج من الجنة فكيف نرجوا دخولها مع ما نحن مقيمون عليه من الذنوب المتتابعة والخطايا المتواترة.
كان أبو الفتح المنهى قد برع في الفقه وتقدم عند العوام وحصل له مال كثير ودخل بغداد وفوض إليه التدريس بالنظامية وأدركه الموت بهمدان.
فلما دنت وفاته قال لأصحابه أخرجوا فلما خرجوا عنه جعل يلطم وجهه ويقول "يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله" ويقول لنفسه موبخًا لها يا أبا الفتح ضيعت العمر في طلب الدنيا وتحصيل المال والجاه والتردد إلى
[ ١ / ٩٤ ]
السلاطين وينشد هذين البيتين:
عَجِبْتُ لأَهَلِ العِلم كَيْفَ تَغَافُلُوا … يَجُرُوْنَ ثَوْبَ الْحَرْصِ حَوْلَ الْممالِكِ
يَدُوْرُوْنَ حَوْلَ الظَّالِمِيْنَ كَأَنَّهُم … يَطُوْفُونَ حَوْلَ الْبَيْتِ وَقْتَ الْمَنَاسِكِ
أرسل عثمان بن عفان ﵁ مع عبد له كيسًا من الدراهم إلى أبي ذر ﵁ وقال لعبده إن قبل هذا أبو ذر فأنت حر أي عتيق فأتى بالكيس إلى أبي ذر وألح عليه في قبوله فلم يقبل فقال الغلام لأبي ذر إنه علق عتقي على قبولك هذا الكيس فقالوا أبو لكن في قبوله رقي.
هذه القصيدة الشيبانية عدلنا فيها بعض أبيات وكان بعضها في شيء لا يصلح.
سَأَحْمِدُ رَبِّي طَاعَةً وَتَعَبُّدًا … وَانْظِمُ عَقْدًا فِي العَقِيْدَةِ أَوْحَدَا
وَأَشْهَدُ أَنَّ اللهَ لَا رَبَّ غَيْرَه … تَعَزَّزَ قِدْمًا بِالْبَقَاء وَتَفرَّدًا
هُوَ الأَوَّلُ المُبْدِى بِغَيْرِ بِدَايَةٍ … ولا بعده شَيْءٌ علا وتوحَدَا
سمِيعٌ بَصِيرٌ عَالِمٌ مُتَكَلِّمٌ … قَدِيرٌ يُعِيدُ الْعَالَمِينِ كَمَا بَدَا
مُرِيدٌ أَرَادَ الْكَائِنَاتِ لِوَقْتِهَا … قَدير فَأَنْشَا ما أَرَادَ وَأَوْجَدَا
إِلَه عَلَى عَرْشِ السَّمَاءِ قَدِ اسْتَوَى … وَيَايَنَ مَخْلُوقاتِهِ وَتَوَحَّدَا
إِذَا الْكَوْنُ مَخْلُوقٌ وَرَبي خَالِقٌ … لَقَدْ كَانَ قَبْلَ الْكَوْنِ رَبًّا وَسَيِّدَا
وَلَيْسَ كَمِثْلِ الله شَيْءٌ وَلَا لَهُ … شَبيهٌ تَعَالى رَبُّنَا وتَوحَّدَا
وَمَنْ قَالَ في الدُّنْيا يَرَاهُ بِعَيْنِهِ … فَذَلِكَ زِنْديقٌ طَغى وَتَمَرَّدَا
وَخَالَفَ كُتْبَ الله وَالرُّسْلَ كُلَّهُمْ … وَزَاغَ عَن الشَّرْعِ الشَّرِيف وَأَبْعَدَا
وَذَلِكَ مِمَّنْ قَالَ فِيهِ إِلهُنَا … يَرَى وَجْهُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَسْوَدَا
[ ١ / ٩٥ ]
وَلَكِنْ يَرَاهُ فِي الجِنَانِ عِبادُهُ … كما صَحَّ فِي الأَخْبَارِ نَرْوِيهِ مُسْنَدَا
وَنَعْتَقِدُ الْقُرْآنَ تَنْزِيلَ رَبَّنَا … بِهِ جاءَ جِبْرِيلُ النَّبِيَّ (مُحَمَّدَا)
وَأَنْزَلَهُ وَحْيًا إِليْهِ وَأَنَّهُ … هُدَى الله يَا طُوبى بِهِ لِمَنْ اهْتَدَى
كلام كريم مُنْزَلٌ من إلهنا … بِأَمْرٍ وَنَهْيٍ وَالدَّلِيلُ تَأَكَّدَا
كَلَامُ إِلهِ الْعَالَمِينَ حَقِيقَة … فَمَنْ شَكَّ فِي هَذا فَقَدْ ضَلَّ وَاعْتَدَى
وَمِنْهُ بَدَا قَوْلًا وَلَا شَكَّ انهُ … يَعُودُ إِلَى الْرَّحْمنِ حَقًا كما بَدَا
فَمنْ شَكَّ فِي تَنْزِيلِه فَهْوَ كافِرٌ … وَمَْ زَادَ فِيْهِ قَدْ طَغَى وَتَمَرَّدَا
وَمَنْ قالَ مَخْلُوقُ كَلَامُ إِلهِنَا … فَقَدْ خَالَفَ الإِجْمَاعَ جَهْلًا وَأَلْحَدَا
وَنُؤْمِنُ بِالْكُتُبِ الَّتِي هِيَ قَبْلَهُ … وَبِالْرُّسُلِ حَقَّا لَا نُفَرِّقُ كالْعِدَا
وَإِيمَانُنَا قَوْلٌ وَفِعْلٌ وَنِيِّةٌ … وَيَزْدَادُ بِالتَّقْوَى وَيَنْقُصُ بِالرَّدَى
فَلَا مَذْهَبَ التَّشْبِيِه نَرْضَاهُ مَذْهَبًا … وَلَا مَقْصدَ التَّعْطِلِ نَرْضَاهُ مَقْصِدَا
وَلَكِنْ بِالقُرْآنِ نَهْدِي وَنَهْتَدِي … وَقَدْ فَازَ بِالقُرْآنِ عَبْدٌ قَدْ اهْتَدَى
وَنُؤْمِنُ أَنْ الخَيرَ وَالشَّرَ كُلَّهُ … مِنَ الله تَقْدِيرًا عَلَى العَبْدِ عُدِّدَا
فَمَا شَاءَ رَبُّ العَرْشِ كَانَ كَمَا يَشَا … وَمَا لَمْ يَشَا لَا كَانَ فِي الْخَلْقِ مَوْجُدَا
وَنُؤْمِنُ أَنَّ المَوْتَ حَقٌّ وَأَنَّنَا … سَنُبْعَثُ حَقًّا بَعْدَ مَوْتِنَا غَدَا
وَأَنَّ عَذَابَ الْقَبْرَ حَقٌّ وَأَنَّهُ … عَلَى الْجِسْمِ وَالرَّوحِ الذِّي فِيهِ أَلْحِدَا
وَمُنْكَرُهُ ثُمَّ النَّكِيرُ بِصُحْبَةِ … هُما يَسْألَانِ الْعَبْدَ فِي الْقَبْرِ مَقْعَدَا
وَمِيْزَانُ رَبِّي وَالصِّرَاطُ حَقِيقَةً … وَجََّتُهُ وَالنَّارُ لَمْ يُخْلَقَا سُدَى
وَأَنَّ حِسَابَ الخَلْقِ حَقٌّ أَعَدَّهُ … كَمَا أَخْبَرَ القُرْآنُ عَنْهُ وَشَدَّدَا
وَحَوْضُ رَسُولِ الله حَقًّا أَعَدَّهُ … لَهُ الله دُونَ الرُّسلِ مَاءً مُبَرْدَا
[ ١ / ٩٦ ]
وَيَشْرَبُ مِنْهُ الْمُؤْمِنونَ وَكِلُّ مَنْ … سُقِي مِنْهُ كَأَسًا لَمْ يَجِدْ بَعْدَهُ صدَا
أَبارِيقُهُ عَدُّ النُّجُومِ وَعَرْضُهُ … كَبُصْرَى وَصَنْعًا فِي المَسَافَةِ حُدِّدَا
وَأَنَّ رَسُولَ الله أَفْضَلُ مَنْ مَشَى … عَلَى الأَرْضِ مِنْ أَوْلَادِ آدَمَ أَو غَدَا
وَأَرْسَلَهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ رَحْمَةً … إِلَى الثَّقَلَيْنِ الإِنْسِ وَالْجِنِّ مُرْشَدَا
وَأْسَرى بِهِ لَيْلًًا إِلَى الْعَرْشِ رِفْعَةً … وَأَدَْاهُ مِنْهُ قَابَ قَوْسَيْنَ مُصْعِدَا
وَخَصَّصَ ُموسى رَبُّنَا بِكَلَامِهِ … عَلَى الطورِ نَادَاهُ وَأَسْمَعَهُ النَّدَا
وَكِلُّ نَبِي خَصَّهُ بِفَضِيلَةٍ … وَخَصَّصَ بالقرآن رَبِّي مُحَمَدَا
وَأَعْطَاهُ فِي الحَشْرِ الشَّفَاعَةَ مِثْلَ ما … رُوِي في الصَّحِيحَيْنِ الحَدِيثُ وَأَسْنِدَا
فَمَنْ شَكَّ فيْهَا لَمْ يَنَلْهَا وَمَنْ يَكُنْ … شَفِيْعًا لَهُ قَدْ فَازَ فَوْزًا وَأَسْعَدَا
وَيَشْفَعُ بَعْدَ المُصْطَفى كُلُّ مُرْسَلٍ … لِمَن عَاشَ فِي الدُّنْيَا وَمَاتَ مُوَحدَا
وَكِلُّّ نَبِيٍّ شَافِعٌ وَمُشَفَّعٌ … وَكُلُّ وَلِيٍّ فِي جَمَاعَتِهِ غَدَا
وَيَغْفِرُ دُونَ الشَّرْكِ رَبِّي لِمَن يَشَا … وَلَا مُؤْمِنٌ إِلَّا لَهُ كافِرٌ فِدَا
وَلَمْ يَبْقَ فِي نَارِ الجَحِيمِ مُوَحِّدٌ … وَلَوْ قَتَلَ النَّفْسَ الحَرَامَ تَعَمُّدَا
وَنَشْهَدُ أَنَّ الله خَصَّ رَسُولَهُ … بِأَصْحَابِهِ الأَبْرَارِ فَضْلًا وَأَيَّدَا
فَهُمْ خَيْرُ خَلْقِ الله بَعْدَ أَنْبِيَائِهِ … بِهِم يَقْتدِي فِي الدَّينِ كُلُّ مَنِ اقْتَدَى
وَأَفْضَلُهُمْ بَعْدَ النَبِيِّ (مُحَمَّدٍ) … أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ذُو الفضلِ والنَّدَى
لَقَدْ صَدَّقَ الْمُخْتَارَ في كُلِّ قَوْلِهِ … وَآمَنَ قَبْلَ النَّاسِ حَقًّا وَوَحَّدَا
وَفادَاهُ يَوْمَ الْغَارِ طَوْعًا بِنَفْسِهِ … وَوَاساهُ بِالأَمْوَالِ حَتَّى تَجَرَّدَا
وَمَنْ بَعْدِهِ الفَارُوقُ لَا تَنْسَ فَضْلَهُ … لَقَدْ كَانَ لِلإِسْلَامِ حِصْنًا مُشَيَّدَا
لَقَدْ فَتَحَ الفَارُوقُ بَالسَّيْفِ عَنْوَةً … كثير بِلَادِ المُسْلِمِينَ وَمَهَدَّا
[ ١ / ٩٧ ]
وَأَظْهَرَ دِيْنَ الله بَعْدَ خَفَائِهِ … وَأَطْفَأَ نَارَ المُشْرِكِينَ وَأَخْمَدَا
وَعُثْمَانُ ذُو النَّورَيْنِ قَدْ مَاتَ صَائِمًا … وَقَدْ قَامَ بِالقُرْآنِ دَهْرًا تَهَجُّدَا
وَجَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرِ يَوْمًا بِمَالِهِ … وَوَسَّعَ لِلْمُخْتارِ والصَّحْبِ مَسْجِدَا
وَبَايَعَ عَنْهُ المُصْطَفَى بِشِمَالِهِ … مُبَايَعَةَ الرَّضْوَانِ حَقًّا وَأَشْهَدَا
وَلَا تَنْسَ صِهْرَ المُصْطَفَى وَابْنَ عَمَّهِ … فَقَدْ كَانَ حَبْرًا لِلْعُلُومِ وَسيدَّا
وَفادَى رَسُولَ الله طَوْعًا بِنَفْسِهِ … عَشِيَّةَ لِمَا بالْفِرَاشِ تَوَسَّدَا
وَمَنْ كانَ مَوْلَاهُ النَّبِيُّ فَقَدْ غَدَا … عَليُّ لَهُ بِالحَقِّ مَوْلًى وَمُنْجِدَا
وَطَلْحَتُهُمْ ثُمَّ الزُّبَيْرُ وَسَعْدُهُمْ … كَذا وَسَعِيدٌ بِالسَّعَادَةِ أُسْعِدَا
وكانَ ابْنُ عَوْفٍ باذِلَ المَالِ مُنْفِقًا … وكانَ ابْنُ جَرَّاحٍ أَمينًا مؤيَّدًا
وَلَا تَنْسَ بَاقِيَ صَحْبِهِ وَأَهْلَ بَيْتِهِ … وَأَنْصَارَهُ وَالتَّابِعِينَ عَلَى الهُدَى
فَكُلَّهُمُ أَثْنَى الإِلَهُ عَلَيْهِمُ … وَأَثْنَى رَسُولُ الله أَيْضًا وَأَكَّدَا
فَلَا تَكُ عَبْدًا رَافِضِيًا فَتَعْتَدِى … فَوَيْلٌ وَوَيْلٌ فِي الْورَىَ لِمَنْ اعْتَدَى
وَنَسْكُتَ عَنْ حَرْبِ الصَّحَابَةِ فالَّذِي … جَرَى بَيْنَهُمْ كانَ اجْتِهادًا مُجَرَّدَا
وَقَدْ صَحَّ فِي الأَخْبَارِ أَنَّ قَتِيلَهُمْ … وَقَاتِلَهُمْ فِي جَنَّةِ الخُلْدِ خُلَّدَا
فَهذَا اعْتِقَادُ الشَّافِعِيِّ إِمامِنَا … وَمالِك والنُّعْمانِ أَيْضًا وَأَحْمَدَا
فَمَنْ يَعْتَقِدْهُ كُلَّّهُ فَهْوَ مُؤْمِنٌ … وَمَنْ زَاغَ عَنْهُ قَدْ طَغَى وَتَمَرَّدَا
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ١ / ٩٨ ]
قصة
توجه عافية بن يزيد الأودي القاضي إلى المهدي يومًا في وقت الظهيرة لمقابلته على عجل.
فلما أذن له إذا به يحمل أوراقه بين يديه ويسأل المهدي أن يعفيه من القضاء ويستأذنه في تسليم الأوراق التي في حوزته إلى من يأمر الخليفة بتسليمها له.
وظن الخليفة أن القاضي عافية قد أقدم على طلب الاستعفاء من القضاء لأن أحد رجال حاشيته ومن هم محسوبون على الخليفة قد تطاول عليه أو نال منه أو أساء معاملته أو أبدى عدم احترام له أو تدخل في شأن من شؤون قضائه فأضعف سلطانه في تنفيذ أحكامه ولشد ما كانت دهشة الخليفة حينما عرف انه لم يقع شيء من ذلك.
فأحب الخليفة أن يتعرف من ذلك السبب الحقيقي الذي دفع القاضي إلى الاستعفاء على عجل في ذلك الوقت الذي يلجأ الناس فيه إلى الراحة وهو وقت الظهيرة.
ولما أصر الخليفة على طلب معرفة السبب لم يجد القاضي بدًا من أن يروي له ما جرى له مما كان سببًا في طلب الإعفاء حرصًا على دينه وطهارة لنفسه.
فقال القاضي عافية منذ شهرية وأنا أتابع البحث في إحدى القضايا المعضلة محاولًا أن أصل فيها إلى وجه الحق فقد تقدم إلي خصمان موسران وجيهان في قضية معضلة مشكلة.
وكل منها يدعي بينة وشهودًا ويدلي بحجج تحتاج إلى تأمل وتثبت.
ولما لم يتبين لي وجه الحق رددت الخصوم رجاء أن يصلحوا أو يتبين لي
[ ١ / ٩٩ ]
وجه فصل بينهما.
وأثناء ذلك وقف أحد الخصمين من خبري على أني أحب الرطب السكري.
فعمد في وقتنا هذا وهو أول وقت الرطب وجمع رطبًا سكريًا لا يتهيأ في هذا الوقت لأحد جمع مثله إلا لأمير المؤمنين وحقًا ما رأيت أحسن منه.
ثم عمد إلى بوابي فرشاه جملة دراهم ليدخل الطبق إلي على أنه لا يبالي بعد ذلك أن أقبل الطبق أو أرده.
فلما أدخل الطبق إلي أنكرت أمره وطردت بوابي وأمرت برد الطبق فرده لساعته.
فلما كان اليوم تقدم إلي هذا الرجل مع خصمه فهالني أنهما لم يتساويا في قلبي ولا في عيني.
وهذا يا أمير المؤمنين وأنا لم أقبل فكيف يكون حالي لو قبلت ولا آمن أن يقع عليّ حيلة في ديني فأهلك وقد فسد الناس فأقلني أقالك الله واعفني.
ولم يسع الخليفة وهو يستمع إلى ذلك الكلام المنبى عن شدة الورع والحرص الخالص على نزاهة الحكم وبعد القاضي عن المؤثرات أيا كان نوعها إلا أن يستجيب لطلب القاضي النقي النبيل فأعفاه من القضاء.
فتأمل هذه القصة بدقة. وقارن بينه وبين كثير من قضاة هذا الزمن يتبين لك الفرق العظم والبون الشاسع نسأل الله العافية.
اللهم أحي قلوبنا ونورها بنور الإيمان وزينها بمحبتك وجمل ألسنتنا بذكرك وشكرك وحسن أعمالنا ووفقنا لحفظ أوقاتنا وأحيينا حياة طيبة وتوفنا مسلمين وألحقنا بعبادك الصالحين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ١ / ١٠٠ ]
(فصل)