عباد الله لما كان الإنسان مكلفًا بالسعي والعمل لطلب الرزق من وجوهه المشروعة كان حقًا عليه أن يصون نفسه عن مسألة الناس.
وأن لا يمد يده لسؤالهم ولا يتقدم إليه لطلب حطام الدنيا إلا عند
[ ١ / ٣٠٧ ]
الضرورة أو الحاجة الشديدة لأنه إذا قعد عن العمل ولزم البطالة والكسل ونظر لما في أيدي الناس من أوساخهم ساءت حاله، وضاعت آماله، وضعف توكله، وضاق عيشه، وانحطت نفسه، واعتاد السؤال الذي لا ينفك عن ثلاثة أمور محرمة:
الأول: إظهار الشكوى من الله تعالى، إذ السؤال إظهار للفقر وذكر لقصور نعمة الله عنه، وهو عين الشكوى، وكما أن العبد المملوك لو جعل يسأل وأنه ما يجد شيئًا لكان سؤاله تشنيعًا على سيده ولا يرضى بذلك ولله المثل الأعلى.
ولا سيما إذا أتى إلى بيت الله يسأله من فضله، ثم قام من حين ما يسلم الإمام وجعل يشرح حاله وفقره وأوقف الناس عن تهليلهم، وتسبيحهم، وتكبيرهم، والمساجد لم تبن إلا لذكر الله، والصلاة فيها وقراءة القرآن. وهذا المنكر قل من ينتبه له.
الأمر الثاني: أن في سؤال الناس إذلال لنفس السائل، وليس للإنسان أن يذل نفسه ويخضعها إلا لله، الذي في إذلالها عزه، فأما سائر الخلق فإنهم عباد أمثاله فلا يذل لهم نفسه.
ثالثًا: أن فيه ظلم لنفسه إلا عند الضرورة أو الحاجة الشديدة وفيه أيضًا إيذاء للمسئول خصوصًا إذا كان مع إلحاح، والإيذاء حرام، فأي عاقل يرضى لنفسه بهذه الحالة التعسة، بل كيف يرضى أن يكون عضوًا أشلًا في الهيئة الاجتماعية لا يقام له وزن ولا تقام له قيمة.
وقد أثنى الله على الذين لا يسألون الناس إلحافًا وقال - ﷺ -: «ليس المسكين الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن له فيتصدق
[ ١ / ٣٠٨ ]
عليه ولا يقوم فيسأل الناس» .
ففي زمننا الذي اختلط فيه الحابل بالنابل وصار عندهم الحلال ما وصل إلى اليد وذهب عنهم الورع والابتعاد عن الشبهات، على الإنسان أن يبذل جهده ويتثبت ولا يبذل زكاته إلى كل من مد يده، بل يسأل بدقة، ويتحقق من الأوراق التي تعرض عليه، التي صارت تصور وتباع وتشترى.
وربما حصل المتسول على أضعاف ما فيها ولو أن هؤلاء المتسولين الشحاذين استعملوا في طريق منتج من تجارة أو غيرها ما يصل إلى أيديهم من الصدقات لما بقي في الأمة منهم متسول، ولكن هؤلاء قوم ألفوا هذا العيش وركنوا إليه لا يدفعهم إليه فقر ولا يردهم عنه غنى، وكم ممن اكتشف فصار عنده ثروة، وهذا سببه عدم التثبت وإجراء العادات بدون سؤال هل اغتنى أم لا؟
وقد بين - ﷺ - من يحل له السؤال وذلك فيما ورد عن قبيصة بن مخارق الهلالي قال تحملت حمالة فأتيت رسول الله - ﷺ - أسأله فيها، فقال: «أقم حتى تأتينا الصدقة فآمر لك بها، ثم قال يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، أو رجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش أو قال سدادًا من عيش» .
ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجى من قومه يقولون لقد أصابت فلانًا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش أو قال سدادًا من عيش –فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت يأكلها صاحبها سحتًا. رواه مسلم.
وقد ذكرنا الأحاديث التي تتضمن التغليظ الشديد في السؤال من غير ضرورة وذلك في موضوع "من تحل له الصدقة".
[ ١ / ٣٠٩ ]
شعرًا:
غَفَلْتُ وَحَادِيْ المَوتِ فِي أَثَرِيْ يَحْدُو … فَإِنْ لَمْ أَرُُحْ يَوْمِيْ فَلا بُدَّ أَنْ أَغْدُ
أَنَعِّمُ جِسْمِيْ بِاللَّبَاسِ وَلِيْنِهِ … وَلَيْسَ لِجِسْمِيْ مِنْ لِبَاسِ البِلَى بُدُّ
كَأَنِّيْ بِهِ قَدْ مَرَّ في بَرْزخِ البِلَى … وَمِنْ فَوْقِهِ رَدْمٌ وَمِنْ تَحْتِهِ لَحْدُ
وَقَدْ ذَهَبَتْ مِنِّيْ المَحَاسِنُ وَانْمَحَتْ … وَلَمْ يَبْقَ فَوْقَ العَظْمِ لَحْمٌ وَلا جِلْدُ
أَرى العُمْرَ قَدْ وَلَّى وَلَمْ أَدْرِك المُنَى … وَلَيْسَ مَعِيْ زَادٌ وَفي سَفَرِيْ بُعْدُ
وَقَدْ كُنْتُ جَاهَرْتُ المُهَيْمِنَ عَاصِيًا … وَأَحْدَثْتُ أَحْدَاثًا وَلَيْسَ لَهَا رَدُّ
وَأَرْخَيْتُ خَوْفَ النَّاسِ سِتْرًا مِنْ الحَيَا … وَمَا خِفْتُ مَنْ سِرّيْ غَدًا عِنْدَهُ يَبْدُو
بَلَى خِفْتُهُ لَكِنْ وَثِقْتُ بِحِلْمِه … وَأَنْ لَيْسَ يَعْفُو غَيْرُهُ فَلَهُ الحَمْدُ
فَلَوْ لَمْ يَكُنْ شَيءٌ سِوَى المَوْتِ والبلى … عَن اللَّهْوِ لَكِنْ زَالَ عَنْ رَأْيِنَا الرُّشْدُ
عَسَى غَافِرُ الزَّلاتِ يَغْفِرُ زَلَّتِي … فَقَدْ يَغْفِرُ المَوْلَى إِذَا أَذْنَبَ العَبْدُ
أَنَا عَبْدُ سُوْءٍ خُنْتُ مَوْلاي عَهْدَهُ … كَذَلِكَ عَبْدُ السُّوءِ لَيْسَ لَهُ عَهْدُ
فَكَيْفَ إِذَا أَحْرَقْتَ بِالنَّارِ جُثَّتِي … وَنَارُكَ لا يَقْوَى لَهَا الحَجَرُ الصَّلْدُ
أَنَا الفَرْدُ عِنْدَ المَوْتِ وَالفَرْدُ في البِلَى … وَأَبَعَثُ فَرْدًا فَارْحَمْ الفَرْدَ يَا فَرْدُ
اللهم افتح لدعائنا باب القبول والإجابة وارزقنا الإقبال على طاعتك والإنابة وبارك في أعمالنا وأعمارنا وأجزل لنا الأجر والإثابة وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ١ / ٣١٠ ]