عباد الله يجب على من لا يدري متى يبغته الموت أن يكون مستعدًا له ولا يغتر بشبابه وصحبته فإن أقل من يموت الشيوخ الطاعنين في السن.
وأكثر من يموت الشبان خصوصًا في زمننا الذي كثرت فيه الحوادث ولهذا يندر من يكبر وقد أنشدوا:
يَعَمَّرُ وَاحدٌ فَيَغُرُّ قَوْمًا … وَيُنْسَى مَن يَمُوتُ مِن الشَّبَابِ
آخر:
لَا تَغْتَرِرْ بِشَبَابٍ نَاعِمٍ خَضِلٍ … فَكَمْ تَقَدَّمَ قَبْلَ الشَّيْبِ شُبَّانُ
ومما يعنيك على الجد والاجتهاد في الطاعة تصور قصر عمرك وكثرة الأشغال، وتصور قوة الندم على التفريط والإضاعة عند الموت، وطول الحسرة على البدار بعد الفوت.
وتصور عظم ثواب السابقين الكاملين وأنت ناقص، والمجتهدين وأنت متكاسل، واجعل نصب عينيك ما يلي: قوله تعالى: ﴿تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ﴾ [يونس: ٣٠] .
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا﴾ [آل عمران: ٣٠] .
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ [النبأ: ٤٠] .
وقوله تعالى: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] .
وقوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ
[ ١ / ١٠١ ]
لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩] . فتصور الحسرة والندامة والحزن عندما ترى الفائزين.
إِذَا أَنْتَ لَمْ تَرْحَلْ بِزَادٍ مِن التُّقَى … وَأَبْصَرْتَ بَعْدَ الْمَوتِ مَن قَد تَزَودَّا
نَدِمْتَ عَلَى أَنْ لَا تَكُونَ كَمِثْلِهِ … وَأَنَّكَ لَمْ تُرْصَدْ كَمَا كَانَ أَرْصَدَا
فالبدار البدار والحذر الحذر من الغفلة والتسويف وطول الأمل فإنه لولا طول الأمل ما وقع إهمال أصلًا.
وإنما يقدم على المعاصي ويؤخر التوبة لطول الأمل وتبادر الشهوات.
وتنسى التوبة والإنابة لطول الأمل وتفقد أوقاتك وما عملت فيها من الذنوب.
وتنسى التوبة والإنابة لطول الأمل فيا أيها المهمل وكلنا كذلك انتهز فرصة الإمكان وتفقد أوقاتك وما عملت فيها من الذنوب.
فبادر في محوها بالتوبة النصوح وأكثر من الدعاء والاستغفار كل وقت خصوصًا أوقات الإجابة.
ومن أوقات الإجابة ثلث الليل الآخر. قال تعالى: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨] .
- ويوم الجمعة عند صعود الإمام المنبر للخطبة.
- وفي آخر ساعة من يوم الجمعة وعند دخول الإمام للخطبة وعندما تسمع الأذان إلى أن يفرغ.
- وبين الأذان والإقامة.
- وبعد الصلاة الفريضة وبعد النافلة.
- وعند الفطر للصائم وفي أيام رمضان ولياليه.
[ ١ / ١٠٢ ]
- وعند نزول الغيث.
- وعشية عرفة.
- وفي السجود.
- وعند ختم القرآن وفي ليلة القدر.
- وعند البكاء والخشية من الله.
فعلى الإنسان أن يكثر من الدعاء والإلحاح فيه، فإن الدعاء له أثر عظيم، وموقع جسيم، وهو مخ العبادة.
لا سيما مع حضور قلب، وإخبات، وخشوع وذل، وانكسار، ورقة، وتضرع وخشية، واستقبال القبلة حال دعائه، وعلى طهارة، ويجدد التوبة، ويكثر من الاستغفار، ويبدأ بحمد الله وتنزيهه، وتمجيده، وتقديسه، والثناء عليه، وشكره، ثم يصلي على النبي - ﷺ - بعد الثناء على الله.
ويدعو بالدعاء المشروع باسم من أسماء الله الحسنى، مناسب لمطلوبه، فإن كان يريد علمًا قال يا عليم علمني، وإن كان يطلب رحمة قال يا رحمن ارحمني، وإن كان يسأل رزقًا قال يا رزاق ارزقني ونحو ذلكن ويوقن بالإجابة، فإن الله جل وعلا أصدق القائلين وقد قال ﷾: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] . وقال لرسوله - ﷺ -: «وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان» . وقال عز من قائل: ﴿ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] . وقال: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل: ٦٢] . وهو سبحانه أوفى الواعدين. قال تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [الروم: ٦] . وقال جل وعلا: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢]، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧] . وقال أهل الجنة: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤] .
[ ١ / ١٠٣ ]
وإذا وقعت في محنة يصعب الخلاص منها، فليس لك إلا الدعاء واللجوء إلى الله، بعد أن تقدم التوبة من الذنوب، فإن الزلل يوجب العقوبة، قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] .
فإذا زال الذنب بالتوبة الصادقة النصوح، ارتفع السبب. فإذا أثبت ودعوت ولم تر لإجابة الدعاء أثرًا، فتفقد نفسك فربما كانت التوبة ما صحت فصححها.
ثم ادع ولا تضجر ولا تمل من الدعاء فإنه عبادة، وربما كانت المصلحة في تأخير الإجابة، وربما لم تكن المصلحة في الإجابة، قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] .
فأنت تثاب وتجاب إلى منافعك ومن منافعك أن لا تعطى ما طلبت بل تعوض غيره.
فإذا جاءك الشيطان فقال إلى متى تدعو ولا تجاب فقل: أنا أتعبد بالدعاء، الدعاء مخ العبادة وأنا واثق كل الثقة بالإجابة لأن الله أصدق القائلين.
وقد قال جل وعلا وتقدس لنبيه: «وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان» . وقال ﵎: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] .
واعلم أنه ربما كان التأخير لبعض المصالح فهو يجيء في وقت مناسب وإذا سألت شيئًا فأقرنه بسؤال الخيرة فربما كان المطلوب سببًا للهلاك.
وإذا كنت قد أمرت بالمشاورة في أمور الدنيا ليبين لك صاحبك في بعض الآراء ما يعجز رأيك عنه ثم ترى أن ما وقع لك لا يصلح فكيف لا
[ ١ / ١٠٤ ]
تسأل الخير ربك الذي أحاط بكل شيء علمًا، والاستخارة من حسن المشاورة.
كُلُّ الوُجُوِد لِعِزِّ قَهْرَكَ خَاضِعٌ … وَالْكُلُّ فِي صَدقاتِ جُوْدِكَ طَامِعُ
يَا مَعْشَرَ الفُقَرَاءِ أَمُّوا بَابَهُ … فَهُنَاكَ فَضْلٌ لِلْبَرِيَّةِ وَاسِعُ
يُعْطِي العَطَاءَ فَلَا يَمَانِعُ مَانِعٌ … يَقْضِي القَضَاءَ فَلا يُدَافِعُ دَافِعُ
مَا لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ حَقٌّ وَاجِبٌ … كَلاَّ وَلَا سَعْيٌ لَدَيْهِ ضَائِعُ
إِنْ عُذِّبُوا فَبعَدْ له أَوْ نُعِّمُوا … فَبِفَضْلِهِ وَهْوُ الكَرِيْمُ الوَاسِعُ
الزَمْ طَرِيْقَ الذِّكْرِ عُمْرَكَ دَائِبًا … فَالذِكْرُ فِي القَلْبِ الْمَحبَّة زَارعُ
قال أحد الوعاظ هذا نذير الموت قد غدا يقول الرحيل غدا، كأنكم بالأمر وقد قرب ودنا، فطوبى لعبد استيقظ من غفلته ووعا.
كيف بكم إذا صاح إسرافيل ونفخ في الصور قال جل وعلا: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ [يس: ٥١] .
فتصور خروجك مذعورًا تسعى من تحت المدر وقد رجت الأرض وبست الجبال وشخصت الأبصار لتلك العظائم والأهوال والمزعجات ﴿وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨] .
فقلق الخائف، وشاب الصغير، وزفرت النار، وأحاطت الأوزار، ونصب الصراط، ووضع الميزان، وحضر الحساب.
وجيء بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها، قال تعالى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر: ٢٣] .
وشهد الكتاب وتقطعت الأسباب، فكم من كبير يقول واشيبتاه، وكم
[ ١ / ١٠٥ ]
من كهل ينادي بأعلى صوته واخيبتاه، وكم من شاب يصيح واشباباه.
وبرزت النار، قال الله جل وعلا وتقدس: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾ [الشعراء: ٩١] . وقال جل وعلا وتقدس: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى﴾ [النازعات: ٣٦] .
وسمع الخلائق حسيسها إلا من سبقت له الحسنى من الله. قال تعالى: … ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] .
وأيقن بالردى والهلاك كل فاجر، قال تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾ [غافر: ١٨] . وقامت ضوضاء الجدل، وأحاط بصاحبه العمل. قال جل وعلا وتقدس: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ [الكهف: ٥٣] .
وحالت الألوان، وتوالت المحن على الإنسان، فأين عدتك يا غافل عن هذا الزمان، أين تصحيح اليقين والإيمان.
أترضى بالخسران والهوان، أما علمت أنك كما تدين تدان أما تخاف أن تقول: ﴿يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] . أما علمت أعظم الخسران.
قال جل وعلا وتقدس: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥] .
كم في كتابك من خطأ وزلل، وكم في عملك من سهو وخلل، هذا وشمس عمرك على أطراف الذوائب وقد قرب الأجل، كم ضيعت واجبًا وفرضًا، وكم نقضت عهدًا محكمًا نقضًا، وكم أتيت حرامًا صريحًا محضًا، يا
[ ١ / ١٠٦ ]
أجسادًا صحاحًا فيها قلوب مرضى.
اللهم اجعل الإيمان هادمًا للسيئات، كما جعلت الكفر عادمًا للحسنات ووفقنا للأعمال الصالحات، واجعلنا ممن توكل عليك فكفيته، واستهداك فهديته ودعاك فأجبته، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
[فصل]
نبذة مما جرى لأولياء الله من المحن والقتل والضرب من الظلمة والطغاة والمجرمين جازاهم الله بما يستحقون.
لما قتل الحجاج بن يوسف عبد الله بن الزبير أمر بخشبة فصلبه عليها.
فلما أقبلت أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ إلى الخشبة فعانقتها وجلست تبكي وتقول واغوثاه.
يا لله ما أعظم ما نزل بنا بعدك يا محمد يا رسول الله لو تدرك ما نزل بعدك بأصهارك وأرحامك وأبناء المهاجرين لرأيت أمرًا عظيمًا.
اللهم فبلغ عنا نبيك - ﷺ - في عظيم ما نزل فأخبر بمقالتها عبد الله بن عمر فبكى حتى كادت نفسه تفيض.
ثم قال لابنه قدني إليها وقد كبر وكان يرتعش من الكبر وكان قد عمر فقاده ابنه إليها فلما أشرف على الخشبة نظر إليه مصلوبًا.
قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول ليقتلني أمير جائر على طاعة أحب إلي من أموت مجاهدًا في سبيل الله فأتى شقي من الأشقياء فبلغ ذلك إلى الحجاج فبلغ منه قول ابن عمر كل مبلغ.
فركب إلى خشبة بن الزبير فأصاب أمه عندها تبكي وابن عمر وابنه
[ ١ / ١٠٧ ]
سالمًا فقال ليس مثله يبكى عليه فقال ابن عمر قومي فقامت ولم تكلمه وانصرف ابن عمر إلى منزله.
فدعا الحجاج رجاله فقال إن ابن عمر بن خليفة وصاحب رسول الله - ﷺ - وأخاف إن خرجنا أن يستحل منا ما استحل ابن الزبير وعلماء العراق.
قالوا فما ترى قال هذا أعظم مما كان منا إنما عمدنا إلى جبل الإسلام وحاجب محمد ومن عرضت عليه الخلافة فلم يقبلها ومن حج أربعين حجة ومن سمته قريش حمامة البيت يريد بن عمر.
وقدره في العرب كما علمتم وحب الأوس والخزرج لأبيه عمر بن الخطاب. نعوذ بالله من الظلمة وأعوانهم.
فبعث الحجاج غلامه أن يركب فرسًا جامحًا وأمره أن يطحنه بالفرس ويقتله.
فركب الغلام الفرس فنظر إلى ابن عمر وهو سائر يوم الجمعة فحمل عليه وصدمه ورضه.
فبادر الناس إليه وقالوا يا غلام أهلكت المسلمين في علمهم فطلبك الله وأقام الحجاج ينتظر موته.
فلما أبطأ عليه عمد إلى الحديدة التي في الرمح فسمها سمًا ناقعًا وجعلها في عصا وقال لأحد رجاله ضعه على ظهر قدمه واتكئ عليه حتى يدخل.
فإن قال أهلكتني فقل ما علمت أن رجلك ها هنا.
ففعل ذلك ثم خرج عنه فاشتعل جسد ابن عمر سمًا فأقام ثلاثة أيام فمات رحمة الله عليه.
ودخل الحجاج على ابن عمر يعوده قبل موته فقال ابن عمر أنت قتلتني، حسبنا الله ونعم الوكيل.
[ ١ / ١٠٨ ]
ومن الذين أوذوا في سبيل الله وقتلوا سعيد بن جبير وقصته أشهر من أن تذكر فلا نطيل بذكرها وكان قد دعا من قبل أن يذبحه الحجاج فقال اللهم لا تسلطه على أحد يقتله بعدي.
وقيل إنه عاش بعد قتله لسعيد ستة عشر يومًا فقط وقعت الآكلة في بطنه.
وكان ينادي في بقية حياته مالي ولسعيد بن جبير كلما أردت النوم أخذ برجلي.
وقيل دعا عليه بالزمهرير البرد العظيم فكانوا يجعلون حوله الكوانين تلتهب جمرًا مع ما عليه من الثياب التي يدثرونه بها.
فما زال في العذاب الأليم ثم أرسل في طلب الحسن البصري التابعي المشهور فأتاه واشتكى إليه ما نزل به من الألم، فقال قد نهيتك مرة بعد أخرى لا تتعرض للصالحين، ولا تكن منهم إلا بسبيل خير فأبيت ولججت (ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا) .
وذكر في كتاب المحن أن الحجاج أرسل إلى أبي صالح ماهان المسبح فلما أتاه قال: بلغني عنك صلاح وخير وإني أريد أن أوليك القضاء.
قال له: أنا قال: نعم قال: أنا لا أحسن أعد عشرة قال: يا مرائي علي تتباله.
قال والفرات قد مد فعدا من بين يديه وهو شيخ كبير يجنح حتى وقف على جرف الفرات.
فقال اللهم إن كنت مرائيًا كما زعم الحجاج فغرقني قال فرمى بنفسه. فقام على متن الماء فلم تغب قدماه قال فو الله ما نهنهه ذلك فأخذه وصلبه على بابه.
[ ١ / ١٠٩ ]
وممن ضرب مالك ابن أنس ﵁ وذلك أن الحساد دسوا إلى أبي جعفر بن سليمان من قال له إن مالكًا يفتي الناس أن أيمان البيعة لا تلزمهم لمخالفتك واستكراهك إياهم عليها.
فدس عليه جعفر من يسأله عن ذلك فأفتاه مالك طمأنينة إليه وحسبة منه.
فجاءه رسول جعفر بن سليمان وأتى به منتهك الحرمة مهانا فأمر به جعفر فضربه سبعين سوطًا.
ومما جرى على عبد الله بن عون البصري الذي قيل ما كان بالعراق أعلم بالسنة منه.
وكان ورعًا تزوج امرأة عربية فضربه بلال بن أبي بردة عشرة أسواط وقال له انزل عنها قال لا أفعل فقال له بلال والله لا أبرح أضربك حتى تطلقها.
فقال ابن عون والله لا أبرح أصبر ولا أطلقها حتى أعجز قال وكان رجلًا نحيفًا لا يحتمل الضرب بالسوط قال فضربه أيضًا عشرة أسواط وقال بلال هو ما ترى.
قال فأمر به فضرب عشرة أسواط وقال يا ابن عون هو ما ترى حتى تطلقها قال هي طالق قال بتتها.
وممن امتحن عطاء بن أبي رباح وذلك أن رجلًا أتى من الحجاج إلى مسجد مكة. فنام فكشفت الريح الثوب عن بطنه فظهر جراب الفلوس فمر به أصحابه فخافوا عليه فنزعوا الجراب. وبعد قليل انتبه الرجل فنظر فإذا جرابه مأخوذ فنظر يمينًا وشمالًا فلم يرى حوله إلا عطاء بن أبي رباح قائمًا يصلي. فجاءه فأخذ بتلابيبه وضيق عليه وقال له يا عدو الله فعلت الذي فعلت بي فلما رهقتك قمت تصلي.
[ ١ / ١١٠ ]
فقال له ما بالك يا هذا قال منطقتي حللتها (أي الجراب) قال له وكم فيها قال مائتا دينار قال فهل سمع بهذا غيرك قال لا. قال فاذهب معي حتى أعطيك ما ذهب لك قال فذهب فعَدَّ له مائتي دينار فذهب إلى أصحابه فأخبرهم الخبر.
فقالوا له ظلمت والله الرجل كان من قصتنا كيت وكيت ثم حللنا عنك خوفًا عليها وها هي هذه.
فقاموا بأجمعهم إلى الرجل فوقفوا عليه فسألوا عنه فقيل لهم هو عطاء بن أبي رباح فقيه أهل مكة وسيدهم.
فاعتذروا إليه وسألوه أن يجعل الرجل في حل ويقبل الدنانير.
فقال لهم هيهات ما كانت بالتي ترجع إلي اذهب فأنت في حل وهي لك.
شَمَّر عَسَى أَنْ يَنْفَعَ التَّشْمِيرُ … وانْظُرْ بِفْكركَ مَا إليْهِ تَصِيْرُ
طوَّلْتَ آمالًا تكَنَّفَهَا الهَوَى … ونسِيتَ أنَّ العُمْرَ منكَ قصِيْرُ
قد أفْصَحَتْ دُنْيَاكَ عن غدَرَاتِها … وأَتَى مَشِيْبُكَ وَالمشِيْبُ نَذِيْرُ
دَارٌ لَهَوْتَ بِزَهْوهَا مُتَمَتِّعًا … تَرْجُوْ المقامَ بهَا وَأَنْتَ تسيْرُ
واعْلَمْ بأنكَ رَاحِلٌ عَنْهَا ولَوْ … عُمِّرْت فيها مَا أقامَ ثَبِيْرُ
لَيْسَ الغِنَى في العَيشِ إلا بُلْغَةَ … وَيسِيْر ما يَكْفِيْكَ منه كثيْرُ
لا يَشْغَلَنَّكَ عَاجلٌ عَن آجلٍ … أبَدًا فَمُلْتَمِسُ الحَقِيْرِ حَقِيْرُ
وَلَقَدْ تَسَاوَى بَيْنَ أَطْبَاقِ الثَّرى … في الأرْضِ مأمُوْرٌ بهَا وأمِيْرُ
والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
[ ١ / ١١١ ]
[فصل]
بعث أبو جعفر في طلب أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق فقيل له إن أمير المؤمنين متغيظ عليك فدخل وهو يحرك شفتيه.
فلما رآه أبو جعفر نهض إليه واعتنقه وأجلسه معه ثم عانقه.
وقال له يا أبا عبد الله ما هذا الذي يبلغني عنك لقد هممت.
فقال له إن أيوب ابتلى فصبر وإن سليمان أعطى فشكر وأنت من ذلك السنح.
قال، فيرفع إلي أن الأموال تجبى إليك بلا سوط ولا عصا ثم أمر بالرافع فأحضر.
فقال أبو عبد الله أحقًا رفعت إلى أمير المؤمنين قال نعم، قال فاستحلفه يا أمير المؤمنين قال أبو عبد الله رد اليمين عليه.
فقال له أبو جعفر احلف فقال والله الذي لا إله إلا هو فقال له أبو عبد الله ليس هو كذا إن العبد إذا مجد الله في يمينه أمهله في العقوبة.
ولكن قل أنا برئ من الله والله برئ مني وأنا خارج من حول الله وقوته راجع إلى حول نفسي وقوتها.
قال فحلف فو الله ما رُفع إلا ميتا فراع ذلك أبا جعفر وقال انصرف يا أبا عبد الله فلست أسألك بعدها.
وسئل عما حرك به شفتيه حينما دخل عليه فقال قلت اللهم بك أستفتح وبك أستنج اللهم ذلل حزونته وكل حزونة وسهل لي صعوبته وكل صعوبة.
اللهم أعطني منه من الخير ما أرجو واصرف عني منه من الشر ما أحذر
[ ١ / ١١٢ ]
فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب ولا حول ولا قوة إلا بالله.
كان صفوان بن سليم قد كف بصره في آخر عمره فبينما هو ذات يوم بالسوق يقاد إذ دخل بلال بن أبي بردة فسمع الطريق والجلاوزة بين يديه.
فقال ما هذا فقيل بلال فقال سحائب صيف عن قريب تقشع فسمعه بلال. فقال والله لأذيقنك من بردك شؤبونا فلما نزل بهيكله بعث في طلبه ثم ضربه بالسياط نعوذ بالله من الظلمة وأعوانهم.
عن مالك بن أنس أنه قال لو قيل لصفوان بن سليم غدًا يوم القيامة ما قدر على أن يزيد على ما هو فيه من العبادة شيئًا.
ومن ذلك ما امتحن به أبو مسلم الخولاني لما ألقي في النار وذلك أن الأسود العنسي تنبأ باليمن فدعا أبا مسلم الخولاني فقال اشهد أني رسول الله.
قال لا أسمع قال اشهد أن محمدًا رسول الله قال نعم فأمر الأسود بنار فقذف فيها أبا مسلم فخرج يرشح عرقًا.
فقيل للأسود انفه عنك لا يفسد عليك الناس فأخرجوه ثم قدم المدينة وبها أبو بكر وعمر ﵄.
فقال له عمر من أين أقبل الرجل قال من اليمن قال ما فعل الرجل الذي أحرقه الكذاب قال ذلك عبد الله بن ثوب.
قال له عمر أنشدك بالله أنت هو قال نعم قال فأدخله وأجلسه بينه وبين أبي بكر.
وقال الحمد لله الذي أراني في هذه الأمة من فعل به مثل ما فعل بإبراهيم خليل الرحمن.
وممن قتل صبرًا كميل بن زياد النخعي الكوفي كان شجاعًا زاهدًا قتله الحجاج بن يوسف.
[ ١ / ١١٣ ]
وذلك أن الحجاج نقم عليه لأنه طلب من عثمان بن عفان القصاص من لطمة لطمها إياه فلما مكنه عثمان من نفسه عفا عنه.
فقال له الحجاج أو مثلك يسأل من أمير المؤمنين القصاص ثم أمر به فضربت عنقه نسأل الله العافية.
وذكر أن رياح بن يزيد كان على أتانه في سفر إذا غشيته السلابة (أي قطاع الطريق) وهو يسير فأخذوا أتانه ونزعوا ثيابه إلا واحدًا ثم ذهبوا عنه.
فمال رياح إلى موضع فأحرم بتكبيرة ثم أقبل يصلي فبينما هو يصلي إذا أظلمت السماء فلم تدري السلابة أين يتوجهون.
فلما طوَّل في الصلاة قالوا أحسن صلاتك يا عبد الله أما ترى ما نزل بنا ولا نحسب ذلك إلا من أجلك.
فسلم ثم التفت إليهم فقال ما تريدون أخذتوا ثيابي وحماري فردوا عليه ثيابه ودابته فانجلت عنهم الظلمة.
فرغبوا عند ذلك إليه وسألوه من هو وأقسموا عليه فقال لهم رياح بن يزيد.
طَالِعْ تَوارِيخ مَن في الدهر قد وُجِدُوا … تَجِدْ خُطُوْبًا تُسَلِّيْ عَنْكَ مَا تَجدُ
تجِدْ أَكَابِرَهُمْ قَدْ جُرِّعُوا غُصَصًا … مِنَ الرَّزَايا بِهَا قَدْ فُتِّتَتْ كُبُدُ
عَزْلٌ ونَهْبٌ وضَرْبٌ بالسِّياط يَليْ … حَبْسٌ وَقَتْلٌ وَتَشْرِيْدٌ لِمَنْ زَهِدُوْا
وإِنْ وُقِيْتَ بحَمْد الله شِرَّتَهُمْ … فَلْتَحْمدِ الله في العُقْبَى كَمَنْ حَمِدُوْا
آخر:
إِنَّ الشَّدَائِدَ قَدْ تَغْشَى الكَرِيْمَ لِأنْ … تُبيْنُ فَضْلَ سَجَيَاهُ وتُوْضِحُهُ
[ ١ / ١١٤ ]
كَمُبْرِدَ القَيْن إِذْ يَعْلُوْ الحَدِيْدَ بِهِ … وليْسَ يأكُلُه إلَّا لِيُصْلِحَهُ
والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
[فصل]
قال ابن القيم ومن تجريبات السالكين التي جربوها فألفوها صحيحة أن من أدمن (أي أكثر) من قول "يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت" أورثه ذلك حياة القلب والعقل.
وكان شيخ الإسلام شديد اللهج بها جدًا وقال لي يومًا لهذين الاسمين وهما "الحي القيوم" تأثير عظيم في حياة القلب.
وكأنه يشير إلى أنهما الاسم الأعظم وسمعته يقول من واظب على أربعين مرة كل يوم بين سنة الفجر وصلاة الفجر "يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت برحمتك أستغيث" حصلت له حياة القلب ولم يمت قلبه.
قال العلماء اعلم أنه لا يقف على الدواء من لا يقف على الداء إذ لا معنى للدواء إلا مناقضة أسباب الداء ولا يبطل الشيء إلا بضده.
وسبب الإصرار الغفلة والشهوة ولا تضاد الغفلة إلا بالعلم.
ذكر ابن القيم ﵀ أن من كيده العجيب أنه يشام النفس حتى يعلم أي القوتين تغلب عليه قوة الإقدام والشجاعة أم قوة الانكفاف والإحجام والمهانة.
فإن رأى الغالب على النفس المهانة والإحجام أخذ في تثبيطه وإضعاف همته وإرادته عن المأمور به وثقله عليه فهون عليه تركه جملة أو يقصر فيه ويتهاون به.
وإن رأى الغالب عليه قوة الإقدام وعلو الهمة أخذ يقلل عنده المأمور
[ ١ / ١١٥ ]
ويوهمه أنه لا يكفيه وأنه يحتاج معه إلى مبالغة وزيادة ينقص بالأول ويتجاوز بالثاني.
كما قال بعض السلف: ما أمر الله تعالى بأمر إلا وللشيطان فيه نزعتان، إما إلى تفريط وتقصير، وإما إلى مجاوزة وعلو، ولا يبالي بأيهما ظفر.
وقد اقتطع أكثر الناس إلا أقل القليل في هذين الواديين، وادي التقصير ووادي المجاوزة والتعدي.
والقليل منهم جدًا الثابت على الصراط المستقيم الذي كان عليه النبي - ﷺ - وأصحابه.
فقوم قصر بهم عن واجبات الطهارة.
وقوم تجاوز بهم إلى مجاوزة الحد بالوسواس.
وقوم قصر بهم عن إخراج الواجب من المال.
وقوم تجاوز بهم حتى أخرجوا جميع ما بأيديهم.
وقوم قصر بهم حتى عن تناول ما يحتاجون إليه من الطعام والشراب واللباس حتى أضروا بأبدانهم وقلوبهم.
وقوم تجاوز بهم حتى أخذوا فوق الحاجة فأضروا بقلوبهم وأبدانهم.
وقصر بقوم في حق الأنبياء وورثتهم حتى قتلوهم.
وتجاوز بآخرين حتى عبدوهم.
وقصر بقوم في خلطة الناس حتى اعتزلوهم في الطاعات كالجمعة والجماعات والجهاد وتعلم العلم.
وتجاوز بقوم حتى خالطوهم في الظلم والمعاصي والآثام.
وقصر بقوم حتى امتنعوا من ذبح عصفور أو شاة ليأكله.
وتجاوز بآخرين حتى جرّأهم على الدماء المعصومة.
[ ١ / ١١٦ ]
وقصر بقوم حتى منعهم من الاشتغال بالعلم النافع.
وقصر بقوم حتى منعهم من الاشتغال بالعلم النافع.
وتجاوز بآخرين حتى جعلوا العلم وحده هو غايتهم دون العمل به.
وقصر بقوم حتى أطعمهم من العشب ونبات البرية دون غذاء بني آدم.
وتجاوز بآخرين حتى أطعمهم الحرام الخالص.
وقصر بقوم حتى زين لهم ترك سنة النبي - ﷺ - من النكاح فرغبوا عنه بالكلية.
وتجاوز بآخرين حتى ارتكبوا ما وصلوا إليه من الحرام.
وقصر بقوم حتى جفوا الشيوخ من أهل الدين والصلاح وأعرضوا عنهم ولم يقوموا بحقهم.
وتجاوز بآخرين حتى عبدوهم مع الله.
وقصر بقوم حتى منعهم قبول أقوال أهل العلم.
وتجاوز بآخرين حتى جعلوا الحلال ما حللوه والحرام ما حرموه وقدموا أقوالهم على سنة رسول الله - ﷺ - الصحيحة الصريحة.
وعد ﵀ أشياء كثيرة يطول ذكرها اقتصرنا على ذكر بعضها والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.