عباد الله لقد كان سلفنا في محبة بعضهم بعضًا آية من الآيات وكان التراحم بينهم بالغًا مبلغًا يعده أهل الإنصاف غاية الغايات لذلك كانوا في محبة الخير لبعضهم على أرقى ما يتصور في الدرجات.
وهل يتصور أن يكون أحدهم في أشد الجوع ويؤثر أخاه بماله من طعام عاملين بقوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]، وقوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨] . وبقوله - ﷺ -: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» .
وإن الخجل ليعلو وجوهنا إذا نحن قارنا بين هؤلاء وبين أبناء هذا الزمان، نحن في حالة تصور حقيقتها فقط يثير في قلوب المؤمنين الأحزان.
كيف ونحن إذا فتشنا ثم فتشنا لا نجد قلبين مع بعضهما معية الإخاء التام يكون الجار في نهاية الفقر ولا يلتفت إليه جاره المثري وينزل بالأخ الشقيق أو العم الشقيق أو نحوهما ما ينزل من الكوارث ولا أثر لنزولها عند أخيه ولا كأنه يرى تلك المصائب الفادحة ولعلك منتظر الجواب ما هو السبب في ذلك فالق سمعك وأحضر قلبك.
فأقول لكل الناس اليوم شغل واحد هو المال شغلهم عما عداه وأنساهم كل ما سواه ملأ القلوب حب هذا المال حتى لم يبق في القلوب متسع لسواه فمن أجله تستباح الأعراض ومن أجله تراق الدماء ومن أجله يكون الصفا
[ ١ / ٣٤٣ ]
والمعاداة هو القطب الذي تدور حوله أفعال العباد في هذا الزمان.
فالقلوب في سرور ما دام المال سالمًا وإن أنهار بناء الشرف والدين والنفوس في هدوء وطمأنينة ما ابتعد عن المال فإذا قرب حوله هاجوا هيجان الجمال وهم في تواصل ما لم يتعرض للمال فإذا تعرض له انقطعت الصلات حتى بين الأقربين من آباء وأمهات وأولاد وإخوان.
أما علم هؤلاء أن المال الذي كان بأيدينا كان قبلنا بيد إخواننا في الإنسانية الذين سبقونا إلى الدنيا ثم انتقل إلى من بعدهم ثم انتقل من جيل إلى جيل إلى أن وصل إلينا سعد به من صرفه في مراضي الله وشقي به من صرفه في ما يغضب الله.
ولعلك يا أخي تتكدر إذا علمت أنه سينقل عنك في أسرع وقت فلا تفزع ولا تتكدر ووطن نفسك واعلم أنك والله ميت وموروث عنك ما جمعت ومنعت رغم أنفك يتمتع به ذلك الوارث العاق أو البار وأنت تسال عنه هللة وقرشًا قرشًا.
وتكون النتيجة إن كنت جموعًا منوعًا شقاء تستغيث منه فلا تغاث وتتمنى لو كانت الدنيا بأسرها بيدك وافتديت نفسك بها تكون النتيجة ذلك إن كنت من المغرورين الغافلين الذين ظنوا أن السعادة كلها تيسير جمع المال وتكديسه عندك آلافًا وملايين وعمائر وفلل وأراضي وبيوت كدأب أهل هذا العصر الغافل المظلم بالمعاصي والبدع والمنكرات.
الذي اعتاض أهله عن كتاب الله وسنة رسوله العكوف على الجرائد حمالة الكذب والمجلات الخليعات والكتب الهدامات والجلوس حول الملاهي
[ ١ / ٣٤٤ ]
والمنكرات فسوف تندم وتتحسر حينما ينكشف عنك الغطا ويتبين لك ذلك الخطأ وتتمنى أنك أمضيت أوقاتك في طاعة مولاك وهيهات أن يحصل لك مناك ذهب الآوان وبقي الندم والحرمان.
لقد أنسى الناس حب هذا المال ما لهم من شرف ومروءة ودين وجعلهم حول حطام الدنيا كما وصفهم الشافعي ﵀:
وَمَا هِي إِلا جِيْفَةٌ مُسْتَحِيْلَةٌ … عَلَيْهَا كِلابٌ هَمُّهُنَّ اجْتِذَابُهَا
فَإِنَّ تَجْتَنِبْهَا كُنْتَ سِلْمًا لأَهْلِهَا … وإِنْ تجتذبها نَازَعَتْكَ كِلابُهَا
أما علموا أن المال من خدم الدين فإذا تجاوز ذلك كان نكبة على أصحابه وكذلك الأولاد إن كانوا غير صالحين فهم ضرر على أبيهم وعلى أنفسهم وكذلك الزوجة ولذلك ورد عن داود ﵇ أنه كان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من جار السوء ومن مال يكون علي عذابًا ومن ولد يكون وبالًا ومن زوجة تشيبني قبل المشيب ومن خليل ماكر عينه ترعاني وقلبه يشناني إن رأى خيرًا أخفاه وإن رأى شرًا أفشاه".
وقيل إنه سئل عيسى ﵇ عن المال فقال: «لا خير فيه» قيل ولم يا نبي الله قال لأنه يجمع من غير حل قيل فإن جمع من حل قال لا يؤدي حقه قيل فإن أدى حقه قال لا يسلم صاحبه من الكبر والخيلاء قيل فإن سلم قال يشغله عن ذكر الله قيل فإن لم يشغله قال يطيل عليه حسابه يوم القيامة.
فتأمل هذه العقبات الخمس وقليل من يتجاوزها سالمًا.
اللهم اجعل الإيمان هادمًا للسيئات، كما جعلت الكفر عادمًا للحسنات ووفقنا للأعمال الصالحات، واجعلنا ممن توكل عليك فكفيته، واستهداك
[ ١ / ٣٤٥ ]
فهديته ودعاك فأجبته، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.