عباد الله أحسنوا إلى الوالدين ما أمكن لكم الإحسان، وإن حسبتم أنكم كافأتموهم فقط أخطأتم في ذلك الحسبان، وكونوا معهما في غاية الأدب والاحترام، واحذروا سوء الأدب عندهما وإلا هويتم في هوة شقاء ما لها من قرار وكونوا معهما في إجلال واحترام، وتقدير تام وإن حصل منهما لك ظلم، لأنهما اللذان لولا الله ثم لولاهما لم تخرج على هذا الوجود ولأنهما اللذان سخرهما الله لك فصبرا على ما رأيا من الأهوال، وسخرهما لتربيتك والعناية بك في هذه الحياة. تذكر زمن حمل أمك بك وأنت في بطنها علة من أكبر العلل، وتذكر وقت أن كانت تلدك وهي مما بها لا من الأحياء ولا من الأموات وتذكر ما خرج عقب ولادتك من النزيف الدم الذي هو نفسها.
وتذكر أنك كنت تمص دمها مدة الرضاع، وسرورها بك تقصر عن
[ ١ / ٣٤٧ ]
شرحه العبارات. وتذكر تنظيفها لبدنك وملابسك من الأقذار، وتذكر فزعها عندما يعتريك خوف أو مرض أو نحو ذلك، وتذكر دفاعها عنك إذا اعتدى عليك معتدي.
وتذكر حرصها الشديد على أن تعيش لها ولو حرمت لذة الطعام والشراب وتذكر سهرها عليك عندما يؤلمك شيء من جسدك، وتذكر كد والدك عليك في تحصيل ما به تحيا بإذن الله، لا يهدؤ عن ذلك والدك مدى الليالي والأيام، وكلما خشي أن تجوع تقحم الشدائد وهام على وجهه في الدنيا لا يرده إلا أن يراك في يسار.
وتذكر عنايته بك في تعليمك وتوجيهك إلى ما فيه صلاح دينك ودنياك وتذكر حياطته ونصحه لك ومقاسات الشدائد لراحتك، وتذكر فرحه واستبشاره بمحبتك ونجاحك، وتذكر دفاعه عنك بيده ولسانه، وتذكر دعاءه لك في مظنة أوقات الإجابة أن يصلحك الله ويوفقك.
وتذكر قلقهما والإدلاج في البحث عنك إذا تأخرت عن وقت المجيء، وتأمل وتذكر بشاشتهما فيمن يعز عليك لسرورهما بما يسرك، من أجل ذلك أكد الله وشدد عليك بالوصية بهما.
وأخبر نبينا - ﷺ -: «أنهما جنتك ونارك، وقدم برهما على الجهاد، ودعا أن يرغم أنف من أدرك والديه أو أحدهما فلم يدخل الجنة، وأخبر بأكبر الكبائر فذكر عقوقهما بعد الإشراك بالله» .
اللهم إنا نعوذ بك من شر أنفسنا والشيطان والدنيا والهوى ونسألك أن تغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ١ / ٣٤٨ ]