قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٧٧] . وقال: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠] . عباد الله يعيش ابن آدم ما قدر الله له أن يعيش، ويمشي الإنسان في هذه الأرض ويتقلب فيها، ويرى حلوها ومرها وسرورها وأحزانها، ويأخذ فيها حظه من الشقاء وحظه من السعادة، بمقدار ما قدره الله له وما قدره عليه، ولكن لكل هذا نهاية، ولكل ذلك غاية قال الله جل وعلا: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [الأنبياء: ٣٥] . وقال لنبيه - ﷺ -: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [الأنبياء: ٣٥] . وقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] . فسبيل الموت غاية كل حي، والخلود في دار الفناء غير معقول، أيها المسلم عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب ما شئت فإنك مفارقه.
شعرًا:
لَعَمَرْكُ مَا الدُّنْيَا بِدَارِ إِقَامَةٍ … إِذَا زَالَ عَنْ عَيْنِ البَصِيْرِ غِطَاؤُهَا
وَكَيْفَ بَقَاءَ النَّاسِ فِيْهَا وَإِنَّمَا … يُنَالَ بِأَسْبَابِ الفَنَاءِ بَقَاؤُهَا
آخر:
سَلامٌ عَلَى دَارِ الغُرُورِ فإِنَّهَا … مُنَغَّصَةً لِذَاتِهَا بِالفَجَائِعِ
فَإِنَّ جَمَعَتْ بَيْنَ المُحِبِّينَ سَاعَةً … فَعَمَّا قَلِيْلٍ أَرْدَفَتْ بِالموانِعِ
فالبقاء في الدنيا محال، هذه الدنيا جسر، هذه الدنيا ممر ومعبر وطريق إلى الآخرة، ومن الناس من يتخبط في هذه الطريق ويتعثر فيما ولا يهتدي،
[ ١ / ٣٤٩ ]
ومن الناس من يوفقه الله فيسلكها مستقيمًا لا يلوي على شيء إلا على زاد الآخرة، وأمل يهدف إليه، في تلك الدار الباقية، ذلك الهدف هو رضى رب العزة والجلال، الذي فيه كل نعيم، الذي فيه الهدوء والاطمئنان، والذي فيه الفوز والنجاة من كل مكروه، تلك حال من اتعظ واعتبر فنفعته العبرة، ولمس الموعظة من دروس الحياة وأحداثها فاهتدى، وزاده الله هدى، تلك حال من اعتبروا، فنفعتهم العبرة، وجعلوا التقوى إلى الله أمامهم لا يحيدون عنها، يخافون ربهم ويخشون سوء الحساب. ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: ٥٢] .
أيها المسلم لقد خرجت من ظلمات، وستنتهي إلى ظلمات خرجت من ظلمات الأرحام، وتنتظرك ظلمات القبور، خرجت من أحشاء أمك، واستقبلتك أحشاء أخرى، أقوى وأعظم، قال تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥] . دفعك جوف يحن عليك، إلى جوف الأرض، وبين الجوفين أمور وأمور، ففي الدنيا السراء والضراء والسعادة والشقاء إنك تخرج من شدة إلى رخاء، ومن رخاء إلى بلاء، وتصادفك عقبات في طريقك، بعد عقبات، وتتغير أحوالك من حالات إلى حالات، فمن ذل إلى عز، ومن عز إلى ذل، ومن غنى إلى فقر ومن فقر إلى يسر، ومن صحة إلى مرض، ومن مرض إلى عافية، ومن راحة إلى تعب، هذه هي الدنيا وهذه أحوالها، عزها لا يدوم، ورخاؤها لا يبقى، قال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦] . فحاسب نفسك أيها المسلم، قبل أن تحاسب، وزن أعمالك قبل أن
[ ١ / ٣٥٠ ]
توزن عليك، وراقب مولاك الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وتب إليه توبة نصوحًا، قال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: ٨٢] .
اللهم وفقنا لما وفقت إليه القوم وأيقظنا من سنة الغفلة والنوم وارزقنا الاستعداد لذلك اليوم الذي يربح فيه المتقون اللهم وعاملنا بإحسانك وجد علينا بفضلك وامتنانك واجعلنا من عبادك الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون اللهم ارحم ذلنا بين يديك واجعل رغبتنا فيما لديك، ولا تحرمنا بذنوبنا، ولا تطردنا بعيوبنا، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.