قال بعض العلماء بعد سياقه لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾: أيها الناس لقد كانت الأمة الإسلامية فيما مضى مُتمسكة بكتاب الله، عاملةً بسنة نبيها - ﷺ -، صحيحة في عقائدها. صالحة في أعمالها حسنةً في مُعاملاتها وعاداتها، كريمة في أخلاقها بصيرة في دينها راقية في آدابها وعلومها، فكانت عزيزة الجانب، قوية الشوكة، جليلة ً مهيبةً، صاحبة السلطان والصولة على من عداها، واليوم تغير أمرها، وتبدل حالها، اختلت عقائدها وفسدت أعمالها، وساءت معاملاتها وعاداتها، وتدهورت أخلاقها، وجهلت أمر دينها ودنياها، وتأخرت علومها وصنائعها فصارت ذليلة الجانب، ضعيفة الشوكة، ساقطة الكرامة، فاقدة الهيبة مغلوبة على أمرها، متأخرةً في مرافق حياتها تتخبط في ظلمات الجهل، وتنقاد للخرافات والأوهام، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ وما ذاك إلا لأنها خالفت كتاب ربها، وانحرفت عن طريق الهادي نبيها، وسارت وراء هواها، وفُتنت بزخارف الحضارة المزيفة، والمدنية الكاذبة
[ ١ / ٣٥٢ ]
وظنت الإباحية حرية والخلاعة رُقيًا، فتعدت حدود الدين والعقل. وأغضبت خالق الأرض والسماء فساءت حالها، وسُلط عليها عدوها، قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أيها الناس لقد ذاقت الأمة وبال أمرها، وعوقبت بشر آمالها، وتجرعت مرارة الذل والهوان، والتفرق والانحلال، كل ذلك نتيجةٌ لازمة لعدم استقامة الأمة، وانحرافها عن الصراط المستقيم، ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ﴾ كل ذلك نازل بنا وواقع علينا، ونحن لا نفيق من سكرتنا، ولا ننتبه من غفلتنا، ولا ننزجر بالمحن والبلايا، ولا نعتبر بحوادث الأيام فلو كانت لنا نفوس حية وقلوب يقظة وشعور حي وإحساس قوي، لنبهتنا البلايا، وأيقظتنا المؤلمات.
أيها المسلم: الدين عقيدة صحيحة، وعبادة قوية، ومعاملات حسنة عادلة، وأخلاق كريمة، فانظروا وفكروا، وفتشوا على أنفسكم، هل أنتم سائرون في أعمالكم وأحوالكم على منهج الصراط المستقيم، أم أنتم منحرفون عنها، فألزِموها السير على الطريق على الطريق القويم، وفقنا الله وإياكم للاستقامة، وأمَّننا وإياكم من أهوال يوم القيامة، ووقانا وإياكم شر الحسرة والندامة، وغفر لنا ولكم ولجميع المسلمين، برحمته إنه أرحم الراحمين، وصلى الله على مُحمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.