إخواني إنكم في دار هي محل العبر والآفات، وأنتم على سفر والطريق كثيرة المخافات، فتزودوا من دنياكم قبل الممات، وتداركوا هفواتكم قبل الفوات، وحاسبوا أنفسكم وراقبوا الله في الخلوات، وتفكروا فيما أراكم من
[ ١ / ٣٥٣ ]
الآيات، وبادروا بالأعمال الصالحات، واستكثروا في أعماركم القصيرة من الحسنات، قبل أن يُنادي بكم مُنادِ الشتات، قبل أن يُفاجئكُم هادم اللذات، قبل أن يتصاعد منكم الأنين والزفرات قبل أن تنقطع قلوبكم عند فراقكم حسرات، قبل أن يغشاكم من غم الموت الغمرات، قبل أن تُزعجوا من القصور إلى بطون الفلوات، قبل أن يُحال بينكم وبين ما تشتهون من هذه الحياة قبل أن تتمنوا رجوعكم إلى الدنيا وهيهات.
شعرًا:
بَكَى لأنْ مَاتَ مَيْتٌ من عَشيْرَتِهِ
وَقَالَ وَاحرَبَا وَصَاحَ يَا هَرَبَا
وَبَاتَ فَوْقَ حَشاهُ لِلأَسَىَ لَهَبٌ
إِذَا أَرَادَ خُبُوا فارَ وَالتَهَبَا
وَلَو رَآى بِصَحِيْحِ العَقْلِ حَيْنَ رَأى
وَكَشَّفَ اللهُ عَنْهُ لِلْهَوى حُجُبَا
لَمَّا رَأَى الدَّهْرَ مَيْتًا أَوْ أَحَسَّ بِهِ
إِلا بَكَى نَفْسَهُ المِسْكِيْنُ وَانْتَحَبَا
وَمَنْ رَأى السُّمْرَ في جَنْبَيْهِ شَارِعَةٌ
أنَّى يَرَاهَا بِجَنْب ناءَ أو قَرُبَا
وَطَلْعَةُ الموتِ إِنْ تَطْلَعْ عَلَى أَحَدٍ
أَرَتْهُ في نَفْسِهِ مِنْ هَولِهَا عَجَبَا
وقال أحد العلماء ﵀ في موعظة وعظها ألاَّ إن الدنيا بقاؤها قليل،
[ ١ / ٣٥٤ ]
وعزيزها ذليل، وغنيها فقير، شابها يهرم، وحيُّها يموت، ولا يغركم إقبالها مع معرفتكم بسرعة إدبارها، والمغرور من اغتر بها.
أين سكانها الذين بنوا مرابعها وشققوا أنهارها وغرسوا أشجارها وأقاموا فيها أيامًا يسيرة وغرتهم بصحبتهم وغُرُّوا بنشاطهم فركبوا المعاصي إنهم كانوا والله بالدنيا مغبوطين بالمال على كثرة المنع عليه محسودين على جمعه.
ما صنع التراب بأبدانهم والرمل بأجسامهم والديدانُ بأوصالهم ولحومهم وعظامهم وإذا مررت فنادهم إن كنت مناديًا وادعهم إن كنت لا بد داعيا.
ومُر بعسكرهم وانظر إلى تقارب منازلهم وسل غنيهم ما بقي من غناه وسل فقيرهم ما بقي من فقره واسألهم عن الألسن التي كانوا بها يتكلمون وعن الأعين التي كانوا بها ينظرون وسلهم عن الأعضاء الرقيقة، والوجوه الحسنة والأجساد الناعمة ما صنعت بها الديدان.
محت الألوان، وأكلت اللُّحمان، وعفرت الوجوه، ومحت المحاسن، وكسرت الفقار، وأبانت الأعضاء، ومزقت الأشلاء قد حِيل بينهم وبين العمل وفارقوا الأحبة.
فكم من ناعمٍ وناعمةٍ أصبحت وجوههم بالية، وأجسادهم من أعناقهم بائنة، وأوصالهم مُتمزقة، وقد سالت الحدق على الوجنات، وامتلأت الأفواه صديدًا، ودبت دواب الأرض في أجسامهم، وتفرقت أعضاؤهم.
ثم لم يلبثوا إلا يسيرًا حتى عادت العظام رميمًا قد فارقوا الحدائق فصاروا بعد السعة إلى المضائق قد تزوجت نساؤهم وترددت في الطرق أبناؤهم.
فمنهم والله الموسَّعُ له في قبره الغض الناعم فيه المُتنعم بلذاته، فيا ساكن
[ ١ / ٣٥٥ ]
القبر ما الذي غرك في الدنيا هل تظن أنك تبقى أو تبقى لك أين دارك الفيحاء ونهرك المطرد وأين ثمرتك الحاضر ينعُها وأين رقاق ثيابك وأين كسوتك لصيفك وشتائك هيهات هيهات يا مُغمض الوالد والأخ وغاسله وحامله يا مُدلِّيهِ في قبره وراحل عنه، ليت شعري كيف نمت على خُشُونةِ الثرى، وبأيِّ خديك بدأ البلى، يا مُجاور الهلكى صرت في مَحَلَّةِ الموت، ليت شعري ما الذي يلقاني به ملك الموت عند خروج روحي من الدنيا.
اللهم ثبتنا على قولك الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، اللهم وأيدنا بنصرك وارزقنا من فضلك ونجنا من عذابك يوم تبعث عبادك واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على مُحمدٍ وآله وسلم.