الحمد الله كتب العزة والكرامة لمن أطاعه. وقضى بالذل والهوان على من عصاه، نحمده سبحانه ونشكره، لا رب لنا سواه ولا نعبد إلا إياه. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، العالم بما في الكون من حوادثٍ وخطوب، وبما ألم بالمسلمين من شدائدٍ وكروب، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله صلى الله وبارك عليه وعلى آله وصحبه وكل من سار على نهجه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: فيقول الله ﷾: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، عباد الله: اتقوا الله واحذروا وخافوا ما أنذرتكم منه. هذه الآية إذ هي نصٌ صريح بأن الله لا يؤاخذ قومًا إلا بما كسبت أيديهم فلا يُغير تعالى ما بهم من نعمةٍ بنقمة أو عافيةٍ ببلاء أو أمنٍ بخوف أو سرورٍ بحزن أو غِنىً بفقر حتى يُغيروا ما بأنفسهم فيُقابل الشكر بالكفران والطاعة بالعصيان تلكم سُنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلًا. أيها المسلمون يظهر لنا جليًا مصداق الآية الكريمة وشاهدها من التأمل في ماضي المسلمين الوضاء وحاضرهم المظلم وما طرأ عليه من تحولٍ فظيع لما أن غيروا وتهاونوا بحرمات الله ففي الماضي إبان أن كانت الأمة الإسلامية صادقة في دعوتها، متمسكة بكتاب ربها عاملةً بسنةِ نبيها صحيحة العقائد كريمة الأخلاق حسنة المعاملة بصيرةً في دينها ودنياها كانت مُهابة، قوية الشوكة، عظيمة الجانب، صاحبة السلطة، تغزو القلوب قبل الأجسام يقول سبحانه: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾، ويقول - ﷺ -: «نصرت بالرعب مسيرة شهر» وبعد أن وهن المسلمون وضعفوا وفُتنوا أو معظمهم، بزخارف الدنيا وساروا
[ ١ / ٣٥٨ ]
وراء أطماعهم الخاصة واتبعوا شهواتهم وأهواءهم وغاروا لأنفسهم ولم يغاروا لحرمات الله والتمسوا الأعذار للمخلوقين ونسوا أو تناسوا مسؤولية رب العالمين. بعد أن وجد فيهم ذلكم سافرًا أعذر الله فيهم فسلط عليهم ذلًا لا ينزعه حتى يرجعوا إلى دينهم وتداعت عليهم الأمم من كل حدبٍ وصوب حتى أصبحوا خائفين بعد أن كانوا مخوفين، ومغزيين بعد أن كانوا غازين، وهائبين بعد أن كانوا مهيبين فلا حول ولا قوة إلا بالله. روى الإمام أحمد عن ثوبان - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة على قصعتها» قلنا يا رسول الله أمن قلةٍ بنا يومئذٍ؟ قال: «أنتم يومئذٍ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل تنزع المهابة من قلوب عدوكم ويجعل في قلوبكم الوهن» قالوا: وما الوهن؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت» . وما ذلكم يا عباد الله إلا شؤم المعاصي وثمرات الذنوب التي أفقدتنا أعظم عدة وأنكى سلاح وهو غزو القلوب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾، فهم ذلكم عقلاء الإسلام فحذروه كل الحذر. روى الإمام أحمد ﵀ عن عبد الرحمن بن جبير بن نغير عن أبيه قال: لما فتحت قبرص وفرق بين أهلها فبكى بعضهم إلى بعض فرأيت أبا الدرداء جالسًا يبكي فقلت: يا أبا الدرداء ما يُبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله فقال: ويحك يا جبير ما أهون الخلق على الله إذا أضاعوا أمره بينما هي أمة قاهرة ظاهرة لهم الملك تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى.
عباد الله: حذار أن تستهينوا بمحارم الله ومعاصيه فإن لها حاميًا غيورًا يُراقب السر والجهر ويعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور. فحذار من معاصيه فإنكم بارتكابها تؤججون نار إحراقكم وتحفرون الهوى السحيقة لأنفسكم فقد أخبر القرآن الكريم عن مصير العُصاة وما لاقوه من نتائج
[ ١ / ٣٥٩ ]
وخيمة في العاجل والآجل فما الذي يا عباد الله أخرج الأبوين من الجنة دار اللذةِ والنعيم إلى دار الأحزان والآلام إلا شؤم أكلةً واحدة نُهيا عنها وما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء وصيره طريدًا مصدرًا لكل شقاء إلا تكبره وامتناعه من الإتيان بسجدةٍ واحدة، وما الذي أغرق أهل الأرض حتى علا الماء رءوس الجبال وسلط الريح العقيم على قومِ عاد وأرسل على قوم ثمود الصيحة حتى قطعت قلوبهم في أجوافهم وما الذي رفع قوم لوط حتى سمع أهل السماء صوت كلابهم ثم قلبها عليهم وما الذي خسف الأرض بقارون وأغرق فرعون وهامان وجنودهما، ما الذي أطاح بعروش كثيرة أضحى أهلها بعد العز أُلعوبة في يد الطغاة إلا شؤم ذنوبهم وما ذكر الله أولئكم في كتابه الكريم إلا ليخوفنا ويُنذرنا ويُحذرنا مما حل بهم. فحذارِ عباد الله من معاصي الله فإنها شهوةٌ قصيرة عاجلة تعقبها حسرةٌ دائمة ونارٌ حامية. حذارِ فقد وضح السبيل ولن ينفع عند الله مُلفق الأعذار ولا التأويل. نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وجعلنا من أهله. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كلِ ذنبٍ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.