وضرر كتمها - وخطر شهادة الزور
الحمد لله الخبير فلا تخفى عليه خافية يعلم ما توسوس به نفس المرء وما ينطق به سرًا أو علانية. أحمده سبحانه أمرنا بحفظ ألسنتنا عن قول الزور والفحشاء وأسأله التوفيق لقول الحق في السراء والضراء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا مُحمدًا عبده ورسوله بشر الصادقين
[ ١ / ٣٦٠ ]
بجناتٍ تجري من تحتها الأنهار. وآذن الكاذبين بسوء العاقبة والنار والدمار. صلى الله وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أهل الصدق في الأقوال والأفعال والبُعد عن الزيغ والضلال وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: فيا أيها المسلمون اتقوا الله واسمعوا قوله سبحانه بآذانٍ مُصغية وقلوبٍ واعية تنشد الحق لتتبعه، يقول جل من قائل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنَفْسُكَمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾، عباد الله: ها هو جل وعلا أمركم بالقسط الذي هو العدل وبأن تكون شهادتكم بحق لشخص أو عليه مُرادًا بها وجه الله سبحانه. أمركم بالإتيان بالشهادةِ على وجهها من غير التواء أو تأويل: ومن يُطع الله فقد وقع أجره على الله فتحروا رحمكم الله في شهاداتكم وأقوالكم الحق الذي لا غبار عليه فبشهادة الحق إثبات الحقوق وتوطيد دعائم الأمن وإياكم وتحكيم عاطفة القرابة في الشهادة. إياكم والميل إلى غنيٍ لغناه أو فقيرٍ رحمةً به فالله أولى بعباده منكم فقد تظنون أن الشهادة بالحق عليهم نقمة وهي في باطن الأمر نعمة.
عباد الله: إن الشهادة بالحق لا يؤديها إلا نفوس علوية متنزهة عن أن تريد بها الدنيا وحطامها الفاني نفوس متطلعة إلى الفردوس إلى الرحيق المختوم الذي ختامه مسك فاستسيغوا رحمكم الله في أدائها كل مرارة واستسهلوا كل صعبٍ سواء كان سيرًا إلى المحاكم أو انتظارًا أو كان في ذلك إغضاب لأحد ففي تأخركم عن أداء شهادة بحق تعلمونه إثمٌ كبير والله يقول: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ﴾، وإن القلب يا عباد الله مصدر الفساد والصلاح فإذا أثم القلب فماذا يبقى بعد ذلك فلا تكتموها ففي كتمانها شرٌ على بني الإنسانية التي أمرتم بجلب الخير لهم ودفع الشر عنهم.
[ ١ / ٣٦١ ]
عبادالله: إذا كان كتم الشهادة فيه ضرر على البشرية واختلال لنظامها فهناك ما هو أشد منه إثمًا وأكبر خطرًا وما أدراكم ما هو، هو الجريمة العظمة والطامة الكبرى شهادة الزور التي كادت تعدل الإشراك بالله شهادة الزور التي تهددنا في أموالنا ودمائنا وأمننا تلكم التي أخربت بيوتًا عامرة وأزهقت أرواحًا بريئة وأهدرت حقوقًا واضحة فما فشت في أمة إلا وسادت فيها الفوضى وتحكمت فيها الأهواء، لذا وغيره من أضراره الخطرة حذرنا الرسول - ﷺ - منها بقوله: «ألا أُنبئكم بأكبر الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس» يقول الراوي: كان متكئًا فجلس ثم قال: «وشهادة الزور وقول الزور» وما زال يُكررها حتى قلنا ليته سكت. فحذار معشر المسلمين من شهادة الزور وقوله فإن فيها إساءة على قضاة المسلمين بتلبيس الحق عليهم فيها إساءة إلى المشهود له بمساعدته على الإثم والعدوان. فيها إساءة إلى من حرمه حقه بشهادته وخذله في حين حاجته إلى نصرته فليتق الله شاهد الزور وقائل الزور وليتُب إلى الله قبل أن يوقف بين يدي أحكم الحاكمين وأعدل العادلين الذي سيقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء. ليتب إلى الله قبل أن يُساق إلى جهنم مع المجرمين فو الله لو علم ما أعد الله له من الخزي العاجل والعذاب الأليم في الآخرة لتمنى أن لسانه قطع قبل أن ينطق بشهادة زور أو كلمة زور فاتقوا الله أيها المسلمون: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا﴾ . نفعني الله وإياكم بهدي كتابه أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
[ ١ / ٣٦٢ ]
خطبة في (أكلُ الأموال بالباطل - وخَطَرُ الرِشُّوة)
الحمد لله الهادي إلى سبيل الرشاد. أحمده تعالى وأعوذ به من مفاتن الدنيا ونزعات الفساد. وأشكره وأسأله التوفيق المتواصل والسداد. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمرنا بالأكل من طيبات الأموال. ونهانا عن كل ما فيه خطر على كياننا من الأعمال. وأشهد أن سيدنا ونبينا مُحمدًا عبده ورسوله صلى الله وبارك عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد فيا عباد الله إليَّ بالآذان المُفتحة والقلوب الواعية إليَّ لنتعقل ونتفهم الوحي السماوي الذي جاء بما يكفل سعادة الفرد والمجموع جاء بما إن تمسكنا به لن نضل أبدًا. جاء بما يُقوي الروابط ويحفظ الصلات يقول سبحانه: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، عباد الله: نهاكم الله في هذه الآية الكريمة عن أن تأكلوا أموالكم أو أن يأكل بعضكم مال بعضٍ بالباطل. وأكله بالباطل أكله من غير الوجه الذي أباحه الإسلام فكلما أنفقه الإنسان في حرام أو فيما لا فائدة فيه فهو أكلٌ له بالباطل وما أخذ من إنسان بغير وجه شرعي كالزيادة الربوية وأثمان الجزء المغشوش من الأعيان وما كسب بالقمار وما يُدفع للكاهن ومهر البغي والرشوة وما إلى ذلك من غلول وشُبهةٍ فكل من وصل إليه مال من هذه الطرق يُعد آكلًا لمال غيره بالباطل وكل من أنفق فيما لا فائدة فيه يُعد مُنفقًا في باطل والباطل هو الزائل الذاهب الذي عاقبته الويل والخسران وما أحرى وأحق - يا عباد الله - أهل هذه الجرائم الذين أعرضوا عن هذه التعاليم السماوية الكريمة: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾، ما أحقهم بالعذاب الأليم وتصلية الجحيم.
عباد الله: إن من أكبر الكبائر أكل الأموال بالباطل وأخبثها أخذ
[ ١ / ٣٦٣ ]
الرشوة أو إعطاءها فذلكم الداء الخطر داء السرطان الذي ما خالط جسمًا إلا وقضى عليه ما لم يُستأصل فما خالطت الرشوة عملًا إلا أفسدته، ولا نظامًا إلا قلبته ولا قلبًا أو طريقًا منيرًا إلا أظلمته فما فشت في أمةٍ إلا وأطاحت بسلطانها ما وُجدت في أمةٍ إلا وحل الغش فيها محل الإخلاص والخيانة محل الأمانة ولا غرو فكم لله من ألسنةٍ ناطقة أخرستها وضمائر وأدتها، لذا وغيره من أضرارها السيئة وعواقبها الوخيمة لم يقف النظم القرآني بإدخالها في الباطل فقط بل قال بعد ذلك مؤكدًا لتحريمها ومُحذرًا من سوء عاقبتها: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ [أي ولا تدلوا بالأموال إلى الحكام. والإدلاء المنهي عنه له معنيان أحدهما أن الله سبحانه ينهاك أيها المسلم أن تُدلي بحجتك إلى الحاكم ليُحلل لك ما أكلته بالباطل. والحاكم إنما يحكم بالظاهر فحكمه لا يحرم حلالًا في باطن الأمر ولا يحل حرامًا يقول رسول الله - ﷺ -: «إنكم تختصمون إليَّ فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قطعت له من حق أخيه شيئًا فإنما أقطع له قطعة من نار فليأخذها أو ليدعها» . المعنى الثاني للإدلاء أن الله سبحانه ينهاكم أن تُعطوا الحاكم شيئًا من المال ملتمسين بذلكم استمالته في الحكم كي تتوصلوا إلى أكل طائفة من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون ما أنتم عليه من باطل وظلم تعلمون أنكم بذلك أسأتم إلى أنفسكم وعرضتموها للعنة الله وغضبه وعقابه يقول رسول الله - ﷺ -: «لعن الله الراشي والمرتشي والرائش»، وروى الطبراني عن ابن مسعود موقوفًا قال: «الرشاء في الحكم كفر وفيما بَيْنَ الناس سُحت» .
عباد الله: ليست الرشوة المتوعد أهلها بالطرد والإبعاد من رحمة الله مقصورة على دفع مال إلى حاكم وشبهه بل كل نفع تقدمه إلى حاكم أو
[ ١ / ٣٦٤ ]
رئيس مصلحة أو مأمور ثغر تقصد بذلك استمالته واستغلال منصبه في باطل فهو رشوة جاء الحديث النبوي مُثبتًا إن هدايا العمال غلول استعمل رسول الله - ﷺ - رجلًا على الصدقة يُقال له ابن اللتبية فلما قدم على رسول الله - ﷺ - قال: هذا لكم وهذا أهديَّ إليّْ، فغضب رسول الله - ﷺ - من ذلك وصعد المنبر فقال: «ما بال أحدكم نستعمله فيقول هذا لكم وهذا أُهديَّ إِليّْ هلا قعد أحدكم في بيت أمهٍ فينظر ماذا يُهدي إليه» فاتقوا الله عباد الله وتعاونوا على تطهير نفوسكم ومجتمعكم من داء الرشوة فإنه مُهدر للحقوق مُعطل للمصالح فحذار منه فإن فشوه في أُمةٍ مؤذن بهلاكها كيف لا وهي مُساعدة على الإثم والعدوان تقدم الجهلاء وتؤخر الأكفاء ترفع الخامل وتضع المُجد العامل فحذار من الرشى يا عباد الله فإنها فخ المروءة وقبر الأمانة والشرف لا يقدم عليها إلا خائن وضيع دنيء النفس سافل المروءة مساوم في دينه وكرامته. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم لما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كلِ ذنبٍ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.