أيها الإخوان لقد ذهب أكثر عامكم وفات، وتقضت أيامه ولياليه وأنتم مُنهمكون في اللذات، فما أسرع ما تضرمت منه الأوقات، وما أكثر ما خطبكم لسان حاله بزواجر العظات، وما أطول ما نادى بكم مُنادي الشتات.
أبنيَّ أبيْنَا نَحنُ أهلُ مَنَازِلٍ
[ ١ / ٣٦٥ ]
أبدًا غُرابُ البَيْنِ فيها ينعِقُ
فطوبى لمن تدارك الهفوات، وبُشرى لمن لازم تقوى الله، وعمل بالباقيات الصالحات، وهنيئًا لمن أذهب السيئات بالحسنات، ويا خيبة من شغلته الملاهي والمنكرات، عن طاعةِ رفيع الدرجات، وما أعظم خسارة من باع نفيس آخرته بخسيس دُنياه، وحسرةً له يوم: ﴿تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾، وتعسًا وجدعًا له: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ .
عباد الله: قد سبق ذكر الموت وأحوال الميت في سكراته وفتنة القبر وسؤال مُنكر ونكير وعذاب القبر ونعيمه وخطر من كان مسخوطًا عليه وأعظم من ذلك الأخطار التي بين يديه من نفخ الصور والبعث والنشور والعرض على الجبار والسؤال عن الدقيق والجليل، ونصب الميزان لمعرفة المقادير.
ثم جواز الصراط مع دقته وحدته ثم انتظار النداء عند فصل القضاء إما بالإسعاد وإما بالإشقاء فهذه أحوال وأهوال لا بد من معرفتها ثم الإيمان بها على سبيل الجزم والتصديق ثم تطويل الفكر في ذلك اليوم الذي مقداره خمسون ألف سنة.
كما جاء في الكتاب والسُنة يجمع الله فيه الأولين والآخرين في صعيدٍ واحد يُسمعهم الداعي وينفذهم البصر لا يغيب منهم أحد وتدنو منهم الشمس ويُلجمهم العرق هذا اليوم هو اليوم الذي: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ .
[ ١ / ٣٦٦ ]
في ذلك اليوم يبلغ الأمر من الحيرة والدهشة والاضطراب والذهول أن تذهل المرضعة عن ولدها الذي فمه في ثديها وهو أعز شيء لديها فكيف بالذهول عما سواه وتسقط الحوامل من الفزع والرعب والروع ما في بطونها من الأجنة قبل التمام وترى الناس كأنهم سُكارى من شدة الروع والفزع والخوف الذي صير من رآهم يُشبههم بالسكارى لذاهب عقولهم من شدة الخوف كما يذهب عقل السكران من الشراب: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾، تكون الأرض كالسفينة في البحر عند اضطراب الأمواج تكفأ بأهلها.
فيميد الناس على ظهرها ويتساقطون من شدة الأمر وبلوغه أقصى الغايات ولهذا أذهل العقول وأذهب التمييز والفكر والصحو إنه يوم القيامة: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الأرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ .
إنها لهزة عنيفة للقلوب الغافلة حيث ترجف الأرض الثابتة ارتجافًا وتزلزل زلزالًا وتنفض ما في جوفها نفضًا وتُخرج ما يُثقلُها من أجساد ونقود وغيرها مما حملته طويلًا وهو مشهد يهز كل شيء ثابت والأرض تهتز والسماء تمور.
إنه لمشهد مُجرد تصوره، يخلع القلوب يرى الإنسان ما لا يعهد ويواجه ما لا يُدرك ويشهد ما لا يملك الصبر أمامه ولا السكوت عنه: ﴿وَقَالَ الإنْسَانُ مَا لَهَا﴾، ما الذي يُزلزلها هكذا ويرُجها رجًا.
وكأنه من شدة ما نزل يتمايل على ظهر الأرض ويتشبث ويحاول أن يُمسك بشيءٍ لعله يثبت لأن كل ما حوله يمور مورًا شديدًا قد امتلأ من الرعب والفزع والدهشة والعجب.
يرى الجبال وهي تسير: ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾، هذه الجبال وقد
[ ١ / ٣٦٧ ]
نُسفت وبُست وراءها ذرات في الهواء: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾، ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ .
هذه تُصرح وتشير إلى حدثٍ عظيم تتزلزل منه الجبال وتذهب هباءً يتلاشى ثباتها ورُسُوخها واستقرارها وتماسكها والإنسان ينظر ولا يكاد يلتقط أنفاسه: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ .
هنا يُشاهد ويُواجه الحشر والحساب والوزن والجزاء ويقف جبريل ﵇ والملائكة صفًا بين يدي الرحمن: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾، ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾، ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ﴾، ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ .
وموقف هؤلاء المُقربين صامتين خاشعين خاضعين لعظمة الله: ﴿وَخَشَعَتِ الأصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا﴾، ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ .
موقفهم هكذا صامتين لا يتكلمون إلا بإذنٍ من الرحمن يُلقي في النفس الرهبة والرُعب والفزع من ذلك اليوم العظيم الذي ينكشف فيه كل مستور ويعلم فيه كل مجهول.
وتقف فيه النفس أمام ما أحضرت من الرصيد والزاد في موقف الفصل والحساب: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾، ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾، ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾، ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ .
[ ١ / ٣٦٨ ]
في ذلك اليوم يكون التغير العظيم الشامل للمعهودات السموات والأرض الشمس مُكورة والنجوم منكدرة والسماء مُنشقة والوحوش النافرة محشورة والأنعام والطيور والعشار مُعطلة: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ * يَقُولُ الإنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾، ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾، ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلا﴾، ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ .
هذه الآيات وأمثالها تشير إلى ذلك الحادث الهائل في الكون كله ولا يعلم حقيقته إلا الله إنه حادث عظيم ترجف الأرض منه وتخاف وتنهار فكيف بالخلق الضعاف المهازيل الذين تهزهم الصواعق هزًا وتخلع قلوبهم خلعًا: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا * السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾، ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلا﴾ .
وفي وسط هذا الرعب والخوف والقلق والفزع والذهول والانقلاب يتساءل الإنسان المذعور أين المفر ويبدو ذلك في سؤاله وكأنما ينظر في كل اتجاه فإذا هو مسدود دونه مأخوذ عليه ولا ملجأ ولا محيص ولا منفذ ولا وقاية من قهر الله وأخذه، والرجعة إليه والمصير والمستقر عنده: ﴿كَلا لا وَزَرَ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾، ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ فَانْفُذُوا﴾ .
ففي هذا الموقف الرهيب يتبين عجز الخلائق وضعفهم وكمال سلطان الله وقدرته ونفوذ مشيئته: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ إنكم في قبضة الله: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ إنه ليومٌ عصيب وموقفٌ رهيب: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِلا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ
[ ١ / ٣٦٩ ]
أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ .
فلا مجال لهرب أحد ولا نسيان لأحد فعين الله على كل فرد وكل فرد يقوم وحيدًا لا يأنس بأحد فإذا هو فريد وحيد أمام الديان: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾، ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيه﴾ .
مشهد المرء يفر وينسلخ ويهرب من أقرب الناس إليه وألصقهم به أولئك الذين تربطهم به وشائج وروابط لا تنفصم ولكن الصاخة والطامة تُمزق هذه الروابط وتُقطَّع الوشائج والصلات: ﴿فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ .
فالهول يُفزع النفس ويُقلقها ويفصلها من محيطها ويستبد بها استبدادًا فلكلٍّ نفسه وشأنه ولديه الكفاية من الهم الخاص به الذي لا يدع له فضلة من وعي أو جهد: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيه﴾، ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ .
فها هي ذي الساعة التي يغفل عنها الغافلون ويلهوا عنها اللاهون ويستعجل بها المستعجلون: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾، ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ﴾، ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ * فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ .
وهؤلاء المجرمون حائرين يائسين لا أمل في النجاة ولا رجاء ولا خلاص بل قد أيقنوا في العطب: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ
[ ١ / ٣٧٠ ]
يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ .
هنا يعترفون بالخطيئة ويُقرون بالحق الذي جحدوه بالدنيا ويُعلنون اليقين بما شكوا فيه ويطلبون العودة إلى الدنيا لإصلاح ما فات في الدنيا ومنظرهم إذ ذاك مُفزع مُخيف وهم ناكسوا الرءوس خجلًا وخزيًا.
فالأمر أمر فظيع والحال مُزعجة أقوامًا حاسرين مكروبين وسؤال غير مُجاب لفوات وقت الإمهال: ﴿وَقَالُوا آَمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ .
فيا عباد الله انتبهوا من رقدتكم واستدركوا بقية أعماركم واحذروا الانهماك في دار الغرور فالويل كل الويل لكم إن أدرككم الموت وأنتم على هذه الحالة، زينتم الفلل والقصور ونسيتم القبور، اذكروا القبر وظلمته ووحشته والموت وسكرته والميزان وخفته أو رجحته والكتاب وأخذته والصراط ودقته، والموت، سكرة في سكرة وحيرة في حيرة وجذبةٌ يا لها من جذبة وكربة يا لها من كُربة فالمسكين يُكابد غصص المنون داهش العقل كالمحزون.
فالله الله عباد الله أفيقوا من سكراتكم وانتبهوا من نوماتكم واستيقظوا من غفلاتكم قبل مُفاجأة المنية وحلول الرزية ووقوع البلية حيث لا مال ولا ولد نافع ولا حميم شافع ولا فرح واقع ولا رجاء طامع ولا حسنة تُزاد ولا سيئة تُحذف ولا حياة تُعاد ويُزودُك أحبابك بالحزن عليك والبكاء فلا عثرةٌ تُقال ولا رجعة تُنال.
اللهم يا مُصلح الصالحين أصلح فساد قلوبنا واستر في الدنيا والآخرة عيوبنا واغفر بعفوك ورحمتك ذنوبنا، وهب لنا مُوبقات الجرائر واستر علينا يا
[ ١ / ٣٧١ ]
مولانا فاضحات السرائر، ولا تُخلنا في موقف القيامة من برد عفوك وغفرانك ولا تتركنا من جميل صفحك وإحسانك وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على مُحمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.