عباد الله إن من أعجب العجب أن يعصي الرجل مولاه وإنما كان ذلك عجبًا لأن المؤمن يتيقن يقينًا لا شك فيه أن مولاه جل وعلا يراه، ويعلم سره ونجواه، ومعلوم أن الإنسان يستحيي أن يفعل ما يُغضب أخاه وهو يراه، مع أنه لا يملك له ضرًا ولا نفعًا في هذه الدار، ولا في دار القرار، وإذا كان هذا حاله مع هذا المخلوق فعجيبٌ جدًا أن لا يكون أشد احترامًا وحياءً مع فاطر الأرض والسموات، مع أنه تعالى هو الذي أوجد الجميع من العدم وهو الذي يحفظ عليك الحياة وهو الذي أسبغ عليك النعم ظاهرةً وباطنة، وأدام ذلك عليك ووالاه، ولو شاء لسلبك كل نعمة، وأحل بك كل نقمة، وجعلك في هذا الوجود عبرة لأولى الأبصار، أضف إلى ذلك أنه تعالى هو الذي يُميتك، ويُعاملك في قبرك بما يناسب ما لك من أعمال، وهو الذي يبعثك بعد موتك، ويسوقك إلى ذلك الموقف الذي هوله يُشيب الأطفال، وهو الذي يُحاسبك على ما كان منك في حياتك الأولى من الأفعال، وهو الذي يأمر بك إما إلى الجنة وإما إلى النار، نعم إنه من أعجب العجب أن يُجاهر المؤمن ربه بالمعصية، وهو يعلم أنه مالك دنياه وأُخراه، إن البرهان الذي لا مغمز فيه على أنك تستحيي من ربك أيها المؤمن، أن تكون بعيدًا كل البعد دائمًا عن معاصي الله، فتحبس لسانك عن القذف والكذب والنميمة والغيبة، والخلف في الوعد، وعن المراء والجدال والاستهزاء، والسخرية بالناس، واللعن
[ ١ / ٣٧٦ ]
والفحش، ونحو ذلك مما هو مُحرم شرعًا أو مكروه، لأن اللسان إنما خلق لتلاوة كتاب الله وذكره، ولترشد به خلق الله، وتُظهر به ما في ضميرك من حاجات دينك ودنياك، وتُدافع به عن دينك ونفسك وأهلك، فإذا استعملته في غير ما خُلق له كان وبالًا عليك، وتحبس عينك، لأنها إنما خُلقت لك لتهتدي في الظلمات، وتستعين بها على قضاء الحاجات، وتنظر بها بعين الاعتبار إلى عجائب ملكوت السموات والأرض فتعتبِر بما فيها من الآيات الباهرات؛ فاحفظها عن النظر إلى المحرمات، من نظر إلى غير محرم من النساء، أو إلى مسلم بعين الاحتقار والازدراء، أو إلى تلفزيون أو إلى سينماء، أو إلى صورة مليحة بشهوة، أو تطلع بها على عيب مسلم، أو إلى بيت جارٍ أو غير جارٍ ممن لا يرضى بذلك، أو نحو ذلك من المحرمات.
وأما الأذن فاحفظها عن أن تُصغي بها إلى استماع الملاهي والمنكرات، أو إلى بدعة أو إلى غيبة أو فُحش، أو قذف مُسلم أو حديث قومٍ وهم لاستماعك كارهون، أو إلى الخوض بالباطل، أو ذكر مساويء الناس، لأنها خلقت لك لتسمع بها كلام الله وسُنة رسوله، وما ينفعك في دنياك وأخراك ولتتوصل بها إلى الاستفادة من العلوم الشرعية، الموصلة إلى مرضاة الله والنعيم المقيم، الدائم في جوار رب العالمين، فإذا أصغيت بها إلى شيءٍ من المحرمات أو المكروهات، صار ما كان لك عليك، وانقلب ما كان سبب فوزك سبب هلاكك، وهذا غاية الخسران، ولا تظن أن الإثم يختص به القائل دون المستمع إلا إن أنكر بلسانه، أو بقلبه إن خاف، وإن قدر على القيام والابتعاد عنهم، أو قدر على قطع الكلام بكلام آخر فلم يفعل فهو آثم، وكذلك يكف البطن والفرج عن المُحرمات، واليدين والرجلين وحاسة الشم.
[ ١ / ٣٧٧ ]