عباد الله إن مفتاح سعادة المرء في دنياه وأخراه أن يراقب مولاه بحيث يكون في كل حال من أحواله مستحضرًا عظمة ربه وجلاله ولا ينساه مؤمنًا بأنه تعالى يراه أينما كان ويعلم سره ونجواه فمن كان هكذا أورثه ذلك خشية ربه في سره وعلانيته، فإذا خاف الإنسان ربه خوفًا صحيحًا وقف ولا بد عندما حد له من حدود يفعل أوامره ويجتنب نواهيه، لا يحمله على ذلك إلا إجلاله لربه، ومن أبعد البعد أن يقرب المعصية من كان هكذا، لأنه يستحضر أن الله تعالى يراه، ويوقن أن الله تعالى يجازيه على كل ما قدم من طاعة أو معصية فإذا وصل العبد إلى هذه الحالة كان مع توفيق الله له من صفوة خلق الله المتقين الذين لله تعالى بهم عناية فوق ما يتصوره المتصورون هو أنه تعالى أخبره عن مبلغ هذه العناية في الكتاب المبين أخبر تعالى أنه معهم
[ ١ / ١٣١ ]
لما هم عليه مما وفقهم له من تقوى وإحسان، وإذا كان الأمر هكذا. فمن يغلب التقي ومعه القاهر الغلاب ومن يذله ومعه من بيده ناصية كل مخلوق ومن يحوجه ومعه من كل العوالم تتقلب في بحبوحة جوده وكرمه الباهر، ومن يشقيه ومعه من لا سعادة إلا وهي من فيض كرمه وإحسانه. فعليك بلزوم تقوي الله وطاعته تنل السعادة في الدنيا والآخرة، قال ﷺ: «أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيثما كنت» . رواه الطبراني.
شعرًا:
أَعَارَتْكَ دُنْيَا مُسْتَردٌ مُعارُهَا … غَضَارَة عَيشِ سَوْفَ يَذْوِي اخْضِرَارُها
وهَلْ يَتَمَنَّى المُحْكَمُ الرأي عِيْشَةً … وقد حَانَ مِن دُهم المَنايا مَزارُهَا
وكَيفَ تَلذُّ العَينُ هَجْعَةَ سَاعَةٍ … وقد طَالَ فِيمَا عَايَنَتْهُ اعْتِبَارُهَا
وكَيفَ تَقِرُّ النَّفْسُ فِي دَارِ نُقْلَةٍ … قَدْ اسْتَيقَنَتْ أَنْ لَيْسَ فِيهَا قَرَارُهَا
وأَنّىَ لهَا في الأَرضِ خَاطِرُ فِكْرَةٌ … ولَمْ تَدْرِ بَعْدَ الموتِ أَيْنَ مَحَارُهَا
أَلَيْسَ لَهَا فِي السَّعْي لِلْفَوزِ شَاغِلٌ … أَمَا في تَوقِّيِهَا العَذابَ ازْدِجَارُهَا
فَخَابَتْ نُفُوسُ قَادَهَا لَهُو سَاعَةٍ … إِلَى حَرِّ نَارٍ لَيْسَ يَطْفَى أُوَارُهَا
لَهَا سَائِقٌ حَادِ حَثِيْثٌ مُبَادِرٌ … إِلَى غَيْرَ ما أضْحَى إليهِ مَدَارُهَا
تُرادُ لِأَمْرٍ وَهْيَ تَطْلُبُ غَيَرهُ … وَتَقْصِدْ وَجْهًا فِي سِوَاهُ سِفَارُهَا
أَمُسْرِعَةٌ فِيمَا يَسُوءُ قِيامُهَا … وَقَدْ أَيْقَنَتْ أنَّ العَذَابَ قُصَارُهَا
تُعَطِّلُ مَفُرُوْضًا وَتَعْنَى بِفَضْلَةٍ … لَقَدْ شَفَّهَا طُغْيَانُها وَاغْترارُهَا
إِلَى مَا لهَا مِنْهُ البَلاءُ سُكُونُهَا … وَعَمَّا لَهَا مِنْهُ النَّجَاحُ نِفَارُهَا
وتُعْرضُ عن رَبٍّ دَعَاهَا لِرُشْدِهَا … وتَتَبعُ دُنْيًا جَدَّ عنها فِرَارُهَا
فيأَيُها المَغْرُوْرُ بادِرْ برَجْعَةٍ …
[ ١ / ١٣٢ ]
فِلِلَّهِ دَارٌ لَيْسَ تَخْمُدُ نَارُهَا
وَلا تَتَخيَّرْ فَانِيًا دُوْنَ خَالِدٍ … دَلِيلٌ على مَحْضِ العُقولِ اخْتِيَارُهَا
أَتَعْلَمُ انَّ الحقَّ فِيْمَا تَركْتَهُ … وتَسْلُكُ سُبْلًا لَيْسَ يَخْفَى عِوَارُهَا
وتَتْرُكَ بَيْضَاءَ المَنَاهِجَ ضِلَّةً … لِبَهْمَاءَ يُؤْذِيْ الرِّجْلَ فيها عِثَارُهَا
تُسَرُّ بِلَهْوٍ مُعْقِبٍ بِنَدَامَةٍ … إِذَا مَا انْقَضَى لَا يَنْقَضِيْ مُسْتَشَارُهَا
وتَفْنَى اللَّيالِي والمَسرَّاتُ كُلُّهَا … وَتَبْقَى تِبَاعَاتُ الذُّنوبِ وَعَارُهَا
فَهَلْ أَنْتَ يَا مَغْبُونُ مُسْتَيْقِظٌ فَقَدْ … تَبَّينَ مِن سِرّ الخُطُوبَ اسْتِتَارُهَا
فَعَجِّلْ إِلَى رِضْوانِ رَبِّكَ واجْتَنِبْ … نَوَاهِيَهُ إِذْ قَدْ تَجَلَّى مَنَارُهَا
تَجدُّ مُرُوْرُ الدهر عَنْكَ بلَاعِب … وتُغْرى بدُنيا سَاءَ فِيْكَ سِرَارُهَا
َفَكَمْ أُمَّةٍ قَدْ غَرَّهَا الدَّهْرُ قَبْلَنَا … وَهَاتِيْكَ مِنْهَا مُقْفِرَاتٌ دِيَارُهَا
إِذَا حَفُّهُمْ عَفْوُ الإِلهِ وفَضْلُهُ … وَأَسْكَنَهُم دَارًا حَلَالًا عَقَارُهَا
يَفزُّ بَنُو الدنيا بِدُنُياهُم الَّتِي … يَظُنُّ عَلَى أهل الحظوظِ اقْتِصَارُهَا
هِيَ الأُمُّ خَيرُ البرِّ فيها عقُوقُهَا … وَلَيْسَ بِغَيْرِ البَذلِ يُحْمَى ذِمَارُهَا
فَمَا نَالَ مِنْهَا الحَظَّ إِلا مُهِيْنُهَا … وَمَا الهُلْكُ إِلَّا قُرْبُها واعْتِمارُهَا
تَهَافَتَ فيها طَاِمعٌ بَعْدَ طَامِعٍ … وقد بانَ لِلُّبِ الذَّكِيّ اخْتِبَارُهَا
تَطَامَنْ لِغَمْرٍ الحادِثاتِ ولا تَكُنْ … لَهَا ذَا اعْتِمَارٍ يَجْتَنِبْكَ غِمَارُهَا
وَإِيَّاكَ اَنْ تَغْتَّرَ منها بما تَرَى … فَقَدْ صَحَّ في العقل الجَلي عِيارُهَا
رَأَيْتُ مُلُوكَ الأرضِ يَبْغُونَ عُدَّةً … وَلَذَّة نَفْسٍِ يُسْتَطابُ اجْتِرارُهَا
وَخَلَّوا طَرِيْقَ القَصْدِ في مُبْتَغَاهُمُ … لِمُتْبِعَةِ الصِفارُ جَمٌ صِغَارُهَ
وإِن الَّتِي يَبغُون نَهْجَ بَقِيَّة … مَكِيْن لِطُلاب الخَلاصِ اخْتِصَارُهَا
هَل العِزُّ إِلا هِمةٌ صَحَّ صَوْنُها …
[ ١ / ١٣٣ ]
إِذَا صَانَ هَمَّاتِ الرِجال انْكسَارُهَا
وهَلْ رَابحٌ إِلا امْرُؤٌ مُتَوكِّلٌ … قَنُوعٌ غَنِيُّ النِّفْسِ بَادٍ وَقَارُهَا
ويَلْقَى وُلاةُ المُلْكِ خَوفًا وَفكرةً … تَضِيْقُ بها ذَرْعًا وَيَفْنَى اصْطِبَارُهَا
عِيانًا نَرَى هَذا ولَكِنْ سَكْرَةً … أَحَاطَتْ بِنَا مَا إِن يُفيْقُ خُمَارُهَا
تَدَبَّرْ مَن البانِي عَلَى الأَرْضَ سَقْفَهَا … وَفِي عِلْمِهِ مَعْمُورُهَا وَقفِارُهَا
ومَن يُمْسِكُ الأَجرامَ والأَرضَ أَمْرُهُ … بِلا عَمَدٍ يُبْنَي عَلَيهِ قَرارُهَا
ومَن قدَّرَ التَّدبِيْرَ فِيهَا بحِكْمَةٍ … فَصَحَّ لَدَيْهَا لَيْلُها ونَهارُهَا
ومنَ فَتقَ الأَمواهَ في صَفْحِ وَجْهِهَا … فَمِنها يُغَذَّي حَبُها وثمِارُهَا
ومنَ صَيَّر الألوانَ في نَوْرِ نَبْتِها … فأشرقَ فِيهَا وَرْدُهَا وَبَهَارُهَا
فَمِنْهنَّ مُخْضرٌّ يَرُوقُ بَصِيْصُهُ … وَمِنْهنَّ مَا يَغْشَى اللِّحَاظَ احْمَرارُهَا
وَمَن حَفَرَ الأَنْهَارَ دُوْنَ تَكلُفِ … فَثَارَ مِن الصُّمِّ الصِّلاب انْفِجَارُهَا
وَمَن رتَّبَ الشمسَ المنير ابْيِضَاضُهَا … غُدوًّا وَيبْدُو بالعَشِيّ اصْفَرارُهَا
ومَن خَلقَ الأفلاكَ فامْتدَّ جَرْيُهَا … وَأَحْكَمَهَا حتى اسْتَقَامَ مَدَارُهَا
تَذَكَّرْ عَلَى مَا قَدْ مَضَى واعْتِبَرْ بِهِ … فإِنَّ المُذَكِّيْ لِلْعُقُولِ اعْتِبَارُهَا
تَحَامَى ذُراهَا كُلَّ بَاغٍ وَطَالِبٍ … وَكَانَ ضَمَانًا في الأَعَادِي انْتِصَارُهَا
تَوَافَتْ بِبَطْنِ الأَرضِ وَانْشَتَّ شَمْلُهَا … وَعَادَ إِلَى ذِي مُلكةِ مُسْتَعَارُهَا
وَكَمْ رَاقُدٍ في غَفَلَةٍ عَن مُنْيَّةٍ … مُشَمَّرَةٍ في القَصْدِ وَهْوَ سِعَارُهَا
وَمَظْلَمَةٍ قَدْ نَالَهَا مُتَسِلِّطٌ … مُدِلٌ بِأَيْدٍ عِنْدَ ذِي العَرشِ ثَارُهَا
أَرَاكَ إِذَا حَاوَلْتَ دُنْيَاكَ سَاعِيًا … على أَنَّهَا بَادٍ إِليْكَ أَزْوُرَارُهَا
وَفي طَاعَةِ الرحمنِ يُقْعِدُكَ الوَنَى … وتُبْدِيْ أَنَاةً لا يَصْحُّ اعْتِذَارُهَا
تُحَاذِرُ إِخْوَانًا سَتَفْنَى وَتَنْقَضِي …
[ ١ / ١٣٤ ]
وَتَنْسَى الَّتِي فَرْضٌ عَلَيْكَ حِذارُهَا
كَأَنَّي أَرَى مِنْكَ التَّبَّرمَ ظَاهِرًا … مُبِيْنًا إِذَا الأَقْدَارُ حُلَّ اضْطِرَارَهُا
هُنَاكَ يَقُولُ المَرْءُ مَن لِي بَأَعْصُرٍ … مَضَتْ كَانَ مِلْكًا في يَدَيَّ خِيَارُهَا
تَنَبَّهْ لِيَومٍ قَدْ أَظَلَّكَ وِرْدُهُ … عَصِيْبٍ يُوافِي النَّفْسَ فِيْهِ احْتِضَارُهَا
تَبَرّا فِيْهِ مِنْكَ كُلُّ مُخَالِطٍ … وَإِنَّ مِنْ الآمَالِ فِيْهِ انْهِيَارُهَا
فَأُوْدِعَتْ في ظَلْمًا ضَنْكٍ مَقَرُّهَا … يَلُوْحُ عَلَيْهَا لِلْعُيُونِ اغْبِرَارُهَا
تُنَادَى فَلا تَدرِي المُنادي مُفْردًا … وقد حُطَّ عَن وَجْهِ الحَيَاةِ خِمَارُهَا
تُنَادَى إِلى يومٍ شَدِيْدٍ مُفَزّعٍ … وَسَاعةِ حَشْرٍ لَيْسَ يَخْفَي اشْتَهَارُهَا
إِذَا حُشرتْ فيه الوُحُوشُ وَجُمّعَتْ … صَحَائِفُنَا وانْثَالَ فِيْنَا انْتِثَارُهَا
وَزُيّنَتِ الجنَّاتُ فِيهِ وأُزْلفَتْ … وأُذِكيَ مِن نَارِ الجحيمِ اسْتِعَارُهَا
وَكُوِّرتِ الشَّمْسُ المُنِيْرةُ بالضُّحَى … وَأُسْرِعَ مِن زُهْرِ النُجُومِ انْكِدَارُهَا
لَقَدْ جَلَّ أَمْرٌ كَانَ مِنه انْتِظَامُهَا … وَقَدْ عُطِّلَتْ مِن مَالِكِيْهَا عِشَارِهُا
فإِمَّا لِدَارٍ لَيْسَ يَفْنَى نَعِيْمُهَا … وَإِمَّا لِدَارٍ لا يُفَكُّ إِسَارُهَا
بِحَضْرَةِ جَبّارٍ رَفِيْقٍ مُعَاقِبٍ … فَتُحْصَى المَعَاصِي كُبْرُهَا وصِغَارُهَا
وَيَنْدَمُ يَوْمَ البَعْثِ جَانِي صِغَارهَا … وَتُهْلِكَ أَهْلَيْهَا هُنَاكَ كِبَارُهَا
سَتُغْبَطُ اَجْسَادٌ وَتَحْيَا نُفُوسُهَا … إِذَا ما اسْتَوى أَسْرَارُهَا وَجِهَارُهَا
وَمَن إِنْ أَلمتْ بِالعُقُولِ رَزِيَّةٌ … فَلَيْسَ إِلَي حَيٍّ سِواهُ افْتِقَارُهَا
تَجِدْ كُلَّ هَذا رَاجِعٌ نَحْوَ خَالِقٍ … لَهُ مُلْكُهَا مُنْقَادَةً وَائْتِمَارُهَا
أَبَانَ لَنَا الآيَاتِ فِي أَنْبِيَائِهِ … فَأَمْكَنَ بَعْدَ العَجْز فيها اقْتِدَارُهَا
فَأَنْطَقَ أَفْواهًا بَأَلْفَاظِ حِكْمَةٍ … وَمَا حَلها إِثْغَارُهَا وَاتِّغارُهَا
وأبرزَ مِن صُمٍّ الحِجَارةِ نَاقَةً …
[ ١ / ١٣٥ ]
وأَسْمَعمُ في الحِين منها حُوَارُهَا
لِيُوقِنَ أَقوامٌ وَتكفُر عُصبةٌ … أَتَاهَا بِأسْبَابِ الهَلاكِ قَدَارُهَا
وشَقَّ لِمُوسَى البَحْرَ دُونَ تَكَلُّفُ … وَبَانَ مِن الأَمواجِ فِيه انْحِسَارُهَا
وسَلَّم مِن نَارِ الأَنوق خَلِيْلَهُ … فَلَمْ يُؤذهِ إِحراقُهَا واعْتِرَارُهَا
ونَجَّىَ مِن الطُوفَانِ نُوحًا وقد هَدَتْ … بِهِ أُمةٌ أَبْدَى الفُسُوقَ شِرارُهَا
وَمَكَّنَ دَاوُدًا بأَيْدٍِ وَابْنَهُ … فَتَعْسِيرهَا مُلْقَى لَهُ وبِذَارُهَا
وذلَّلَ جبَّارَ البِلادِ بِأَمْرِهِ … وَعَلَّمَ طَيْرًا فِي السَّمَاءِ حِوَارُهَا
وَفَضَّلَ بِالقُرْآنِ أُمَّةَ أَحْمدٍ … وَمَكَّنَ فِي أَقْصَى البِلادِ مُغَارُهَا
وَشَقَّ لَهُ بَدْرَ السَّمَاءِ وَخَصَّهُ … بآياتٍ حَقٍّ لا يُخَلُ مُعَارُهَا
وَأَنْقَذَنَا مِن كُفْرٍ أَربابِنَا بِهِ … وَقَدْ كَانَ مِن قُطْبٍ الهَلاكِ مَنارُهَا
فَمَا بَالُنا لا نَتْرُكُ الجهلَ ويْحَنَا … لِنُسْلَمُ مِن نارٍ تَرامَى شِرَارُهَا
اللهم تب علينا قبل أن تشهد علينا الجوارح ونبهنا من رقدات الغفلات وسامحنا فأنت الحليم المسامح وانفعنا بما علمتنا وعلمنا ما ينفعنا فمنك الفضل والمنائح واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله أجمعين.
[فصل]
قال الفضيل بن عياض الدخول في الدنيا هين ولكن الخروج منها شديد وقال آخر عجبًا لمن عرف أن الموت حق كيف يفرح وعجبًا لمن عرف النار وأنها حق كيف يضحك، وعجبًا لمن رأى تقلب الدنيا بأهلها كيف يطمئن إليها، وعجبًا لمن يعلم أن القدر حق كيف ينصب.
[ ١ / ١٣٦ ]
قال مالك بن دينار: اصطلحنا على حب الدنيا، فلا يأمر بعضنا بعضًا، ولا ينهى بعضنا بعضًا، ولا يدعنا الله على هذا فليت شعري أي عذاب الله ينزل علينا.
وقيل لبشر مات فلان فقال، جمع الدنيا وذهب إلى الآخرة وضيع نفسه.
وقال آخر: الدنيا تبغض إلينا ونحن نحبها فكيف لو تحببت إلينا.
وقال آخر: لا يصبر عن شهوات الدنيا إلا من كان في قلبه ما يشغله بالآخرة.
وقال آخر: يعظ أخًا له في الله ويخوفه بالله، فقال يا أخي إن الدنيا دحض مزلة، ودار مذلة، عمرانها إلى الخراب صائر، وعامرها إلى القبور زائر، شملها على الفرقة موقوف، وغناها إلى الفقر مصروف، الإكثار فيها إعسار والإعسار فيها يسار.
فافزع إلى الله وارضى برزق الله، لا تتسلف من دار فنائك إلى دار بقائك فإن عيشك في الدنيا فيء زائل وجدار مائل أكثر من عملك وأقلل من أملك.
وقال يحيى بن معاذ العقلاء ثلاثة من ترك الدنيا قبل أن تتركه، وبنى قبره قبل أن يدخله وأرضى خالقه قبل أن يلقاه.
وقال بندار إذا رأيت أبناء الدنيا يتكلمون بالزهد فاعلم أنهم في سخرية إبليس.
وذكر أناس الدنيا وأقبلوا على ذمها عند رابعة العدوية، فقالت اسكتوا عن ذكرها فلولا موقعها من قلوبكم ما أكثرتم من ذكرها، إن من أحب شيئًا أكثر من ذكره.
[ ١ / ١٣٧ ]
شعرًا:
أَلا إنما الدنيا كجيْفَة مَيْتَةٍ … وَطُلابُهَا مِثْلُ الكِلاب الهَوامِسِ
وَأَعظمُهَمْ ذَمًّا لَهَا وأشدُهُمْ … بهَا شَغَفًا قَومٌ طِوالُ القلانُسِ
وقال آخر: الدنيا مزبلة ومجمع كلاب وأقل من الكلاب من عكف عليها، فإن الكلب يأخذ من الجيفة حاجته وينصرف والمحب للدنيا لا يفارقها بحال.
وقيل لإبراهيم بن أدهم كيف أنت فقال:
نُرقِعُ دُنْيَانَا بِتَمْزِيْق دِيْنِنَا … فَلا دِيْنُنَا يَبْقَى وَلا مَا نُرَقّعُ
فَطَوبَى لِعَبْدٍ آثَر الله وَحْدَهُ … وَجَادَ بِدُنْيَاه لِمَا يُتَوَقْعُ
وقال آخر:
أَرَىَ طالبَ الدُّنْيَا وَإِن طَالَ عمْرُهُ … ونالَ مِن الدُّنْيَا سُرورًا وَأَنْعُمَا
كَبَانٍ بَنَى بُنْيَانَهُ فَأقامَهُ … فَلمَّا اسْتَوى ما قَدْ بَناه تَهَدَّمَا
وقال لقمان لابنه: يا بني بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعًا ولا تبع آخرتك بدنياك تخسرهما جميعًا.
وقال محمد بن الحسين لما علم أهل الفضل والعلم والمعرفة والأدب أن الله ﷿ قد أهان الدنيا وأنه لم يرضها لأوليائه وأنها عنده حقيرة ذليلة.
وأن رسول الله - ﷺ - زهد فيها، وحذر أصحابه من فتنتها أكلوا منها قصدا وقدموا فضلا وأخذوا منها ما يكفي، وتركوا ما يلهي، لبسوا من الثياب ما ستر العورة، وأكلوا من الطعام أدناه مما سد الجوعة.
ونظروا إلى الدنيا بعين أنها فانية وإلى الآخرة أنها باقية، فتزودوا من الدنيا كزاد الراكب، فخربوا الدنيا وعمروا بها الآخرة.
[ ١ / ١٣٨ ]
ونظروا إلى الآخرة بقلوبهم فعلموا أنهم سينظرون إليها بقلوبهم وأعينهم، ولما علموا أنهم سيرتحلون إليها بأبدانهم تعبوا قليلًا وتنعموا طويلًا كل ذلك بتوفيق مولاهم الكريم أحبوا ما أحب لهم وكرهوا ما كره لهم.
قال عبد الله بن مسعود نام رسول الله - ﷺ - على حصير فقام وقد أثر في جنبه فقلنا يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاء فقال مالي وللدنيا ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها.
اعلم بأن طَرِيْقَ الحقِّ مُنْفَرِدٌ … والسَّالِكُونَ طَرِيْقَ الحقِّ أَفْرَادُ
لا يَطْلُبُونَ ولا تُطْلَبْ مَسَاعِيْهُمْ … فَهُمْ على مَهَلٍ يَمشُون قُصَّادُ
وَالنَّاسُ في غَفْلةٍ عَمَّا لهُ قَصَدُوا … فَجُلْهُمْ عَن طَرِيْقِ الحَقِ رُقَّادُ
وخطب عمر بن عبد العزيز ﵀ فقال: يا أيها الناس إنكم خلقتم لأمر إن كنتم تصدقون به وهذا عملكم فإنكم حمقى، وإن كنتم تكذبون به فإنكم هلكى فما خلقتم للأبد ولكنكم من دار إلى دار تنقلون.
عباد الله إنكم في دار لكم فيها من طعامكم غصص ومن شرابكم شرق لا تصفوا لكم نعمة تسرون بها إلا بفراق أخرى تكرهون فراقها، فاعملوا لما أنتم صائرون إليه وخالدون فيه ثم غلبه البكاء ونزل.
وقال بعضهم في وصف مراحل السلوك: إن المؤمن إذا آمن بالله واستحكم إيمانه خاف الله تعالى فإذا خاف الله تعالى تولد من الخوف الهيبة.
فإذا سكنت غلبة الهيبة دامت طاعته لربه، فإذا أطاع ربه تولد من الطاعة الرجاء.
فإذا سكنت درجة الرجاء في القلب تولد من الرجاء المحبة.
فإذا استحكمت المحبة في قلب العبد سكن بعدها مقام الشوق، فإذا
[ ١ / ١٣٩ ]
اشتاق أداه الشوق إلى الأنس بالله، فإذا أنس بالله اطمأن إلى الله، فإذا اطمأن إلى الله كان ليله في نعيم ونهاره في نعيم وسره في نعيم وعلانيته في نعيم.
وقال بعضهم يا ابن آدم ما أنصفت إذ يدعوك داعي الدنيا بكلمة واحدة لشيء ذاهب فتجيبه مسرعًا، ويدعوك داعي الآخرة لشيء باقي صافي ثابت فلا تجيبه مسرعًا، فليتك إذ لم تقدر الآخرة سويت بينهما.
وقال آخر: العلماء العاملون أرأف بأمة محمد من آبائهم وأمهاتهم وأشفق عليهم، قيل له كيف ذلك، قال لأن آباءهم وأمهاتهم يحفظونهم من نار الدنيا، والعلماء يحفظونهم من نار الآخرة وأهوالها.
وقال آخر: من أقوى القوى أن تغلب نفسك، من عجز عن أدب نفسه كان عن أدب غيره أعجز، وقال: من علامات الاستدراج للعبد عماه عن عيبه، وتطلعه إلى عيوب الناس، وقال من النذالة أن يأكل العبد بدينه.
وقال آخر: وقد سئل عن الطريق إلى الله، فقال: توبة تحل الإصرار، وخوف يزيل الغرور ورجاء ينهض الخيرات، ثم مراقبة الله في خواطر القلوب.
قال أحمد بن عاصم: أنفع اليقين ما عظم في عينيك ما به أيقنت وأنفع الخوف ما حجزك عن المعاصي، وأطال منك الحزن على ما فات، وألزمك الفكر في بقية عمرك وخاتمة أمرك.
وأنفع الصدق أن تقر لله ﷿ بعيوب نفسكن وأنفع الحياء أن تستحي أن تسأله ما تحب وتأتي ما يكره.
وأنفع الصبر ما قواك على خلاف هواك وأفضل الجهاد مجاهدتك نفسك لتردها إلى قبول الحق.
وأوجب الأعداء منك مجاهدة أقربهم منك دنوا وأخفاهم عنك شخصًا وأعظمهم لك عداوة وهو إبليس.
[ ١ / ١٤٠ ]
قلت: فما ترى في الأنس بالناس؟ قال: إن وجدت عاقلًا مأمونًا فأنس به واهرب من سائرهم كهربك من السباع.
قلت: فما أفضل ما أتقرب به إلى الله ﷿؟ قال: ترك معاصيه الباطنة.
قلت: فما بال الباطنة أولى من الظاهرة؟ قال: لأنك إذا أجتنبت الباطنة بطلت الظاهرة والباطنة.
قلت: فما أضر الطاعات لي؟ قال: ما نسيت بها مساوئك، وجعلتها نصب عينيك إدلالًا بها وأمنًا.
قال: وسمعته يقول: استكثر من الله ﷿ لنفسك قليل الرزق تخلصًا إلى الشكر، واستقلل من نفسك لله ﷿ كثير الطاعة إزراء على النفس وتعرضًا للعفو.
واستجلب شدة التيقظ بشدة الخوف؛ وادفع عظيم الحرص بإيثار القناعة، واقطع أسباب الطمع بصحة اليأس؛ وسد سبيل العجب بمعرفة النفس.
واطلب راحة البدن بإجمام القلب، وتخلص إلى إجمام القلب بقلة الخلطاء، وتعرض لرقة القلب بدوام مجالسة أهل الذكرن وبادر بانتهاز البغية عند إمكان الفرصة وأحذرك "سوف".
وكُنْ صَارِمًا كَالْوَقْتِ فَالمَقْتُ في عَسَى … وَإِيَّاكَ مَهْلًا فَهي أخْطَرُ عِلَّتِي
وَجُذَّ بسَيْف العَزْمِ سَوْفَ فإن تَجُدْ … تَجِدْ نَفَسًا فَالنَّفْسُ إِن جُدْتَ جدَّتِ
عن الأوزاعي أنه وعظ فقال في موعظته: أيها الناس تقووا بهذه النعم التي أصبحتم فيها على الهرب من نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة.
[ ١ / ١٤١ ]
فإنكم في دار الثواء فيها قليل وأنتم فيها مؤجلون خلائف من بعد القرون الذين استقبلوا من الدنيا أنفها وزهرتها.
فهم كانوا أطول منكم أعمارًا وأمد أجسامًا وأعظم آثارًا فخددوا الجبال وجابوا الصخور ونقبوا في البلاد مؤيدين ببطش شديد وأجسام كالعماد.
فما لبثت الأيام والليالي أن طوت مددهم وعفت آثارهم وأخوت منزلهم وأنست ذكرهم، فما تحس منهم من أحد ولا تسمع لهم ركزًا.
كانوا بلهو الأمل آمنين لبيات قوم غافلين أو لصباح قوم نادمين، ثم إنكم قد علمتم الذي نزل بساحتهم بياتًا من عقوبة الله ﷿.
فأصبح كثير منهم في ديارهم جاثمين وأصبح الباقون ينظرون في آثار نقمة وزوال نعمة ومساكن خاوية فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم وعبرة لمن يخشى.
وأصبحتم من بعدهم في أجل منقوص ودنيا مقبوضة في زمان قد ولى عفوه وذهب رخاؤه.
فلم تبق منه إلا حمة شر وصبابة كدر، وأهاويل عبر، وعقوبات غير وأرسال فتن، وتتابع زلازل ورذلة خلف بهم ظهر الفساد في البر والبحر.
فلا تكونوا أشباهًا لمن خدعه الأمل وغر بطول الأجل وتبلغ بالأماني. نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن وعى نذره، وعقل فمهد لنفسه.
اللهم انظمنا في سلك عبادك المفلحين واحشرنا مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ١ / ١٤٢ ]
(فصل)
كتب بعضهم إلى أخ يوصيه: أما بعد فإني أوصيك بتقوى الله، والعمل بما علمك الله ﷿، والمراقبة حيث لا يراك أحد إلا الله ﷿ والاستعداد لما ليس لأحد فيه حيلة، ولا تنفع الندامة عند نزوله.
فاحسر عن رأسك قناع الغافلين، وانتبه من رقدة الموتى، وشمر للسباق غدًا فإن الدنيا ميدان المسابقين، ولا تغتر بمن أظهر النسك، وتشاغل بالوصف، وترك العمل بالموصوف.
واعلم يا أخي أنه لا بد لي ولك من المقام بين يدي الله ﷿، ولست آمن أن يسألني وإياك عن وساوس الصدور، ولحظات العيون، وإصغاء الأسماع، وما عسى أن يعجز مثلي عن صفته.
واعلم أنه مما وصف به منافقوا هذه الأمة أنهم خالطوا أهل الدنيا بأبدانهم وطابقوهم عليها بأهوائهم، وخضعوا لما طمعوا من نائلهم، وداهن بعضهم (بعضًا) في القول والفعل، فأشر وبطر قولهم، ومر خبيث فعلهم، تركوا باطن العمل بلا تصحيح فحرمهم الله تعالى بذلك الثمن الربيح.
وأعلم يا أخي أنه لا يجزى من العمل القول، ولا من البذل العدة، ولا من التقوى ولا من التوقى التلاوم.
وقد صرنا في زمان هذه صفة أهله فمن كان كذلك فقد تعرض للمقت وصد عن سواء السبيل. وفقنا الله ﷿ وإياك لما يحب ويرضى، انتهى والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
[ ١ / ١٤٣ ]
[فائدة]
كلما قويت حاجة الناس إلى الشيء ومعرفته يسر الله أسبابه كما ييسر ما كانت حاجتهم إليه في أبدانهم أشد.
فلما كانت حاجتهم إلى النفس والهوى أعظم منها إلى الماء كان مبذولًا لكل احد في كل وقت.
ولما كانت حاجتهم إلى الماء أكثر من حاجتهم إلى القوت كان وجود الماء أكثر لذلك.
فلما كانت حاجتهم إلى معرفة الخالق أعظم كانت آياته ودلائل ربوبيته وقدرته وعلمه ومشيئته وحكمته أعظم من غيرها.
ولما كانت حاجتهم إلى معرفة صدق الرسل بعد ذلك أعظم من حاجتهم إلى غير ذلك.
أقام الله من دلائل صدقهم وشواهد نبوتهم وحسن حال من اتبعهم وسعادته ونجاته وبيان ما يحصل له من العلم النافع والعمل الصالح.
وقبح حال من خالفهم وشقاوتهم وجهله وظلمه ما يظهر لمن تدبر ذلك ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ [النور: ٤٠] .
وختامًا فالواجب على الإنسان المبادرة إلى الأعمال الصالحة وأن ينتهز فرصة الإمكان قبل هجوم هادم اللذات.
وأن يستعين بالله ويتوكل عليه ويسأله العون في تيسير الأعمال الصالحة وصرف الموانع الحائلة بينه وبينها.
وليحرص على حفظ القرآن، وتدبره، وتفهمه، والعمل به، وكذلك السنة، ويحرص على أداء الصلاة في جماعة.
[ ١ / ١٤٤ ]
ويحرص على مجالس الذكر، ويحفظ لسانه عن الغيبة والنميمة والسعاية والكذب وجميع الأعمال والأخلاق السيئة.
ويتهيأ للرحيل، ويتفقد نفسه بما عليه وما له فإن كان عنده حقوق لله كزكاة أو لخلقه كأمانات أو عواري أو وصايا أداها بسرعة خشية أن يفجاءه الموت وهي عنده.
فإذا لم تؤدها أنت في حياتك، فمن بعدك من أولاد أو إخوان يبعد اهتمامهم بذلك، لأنهم يهتمون ويشتغلون بما خلفته لهم وضيعت بسببه نفسك.
فالله الله البدار بالتفتيش على النفس، والمبادرة بالتوبة والإكثار من الاستغفار.
ومما يحثك على ذلك ذكر مرارة الموت الذي سماه رسول الله - ﷺ - هادم اللذات، وتذكر شدة النزع والتفكر في الموتى الذي حبسوا على أعمالهم ليجازوا بها فليس فيهم من يقدر على محو خطيئة، ولا على زيادة حسنة.
وعاد بعضهم مريضًا فقال له كيف تجد؟ \قال: هو الموت. قال له: وكيف علمت أنه الموت؟ قال: أجدني اجتذب اجتذابًا، وكأن الخناجر في جوفي، وكأن جوفي تنور محمى يتلهب.
قال له: فاعهد (أي أوصى)، قال: أرى الأمر أعجل من ذلك فدعا بدواة وصحيفة قال: فو الله ما أتى بها حتى شخص بصره فمات.
وقال إبراهيم بن يزيد العبدي: أتاني رياح القيسي فقال: يا أبا إسحاق انطلق بنا إلى أهل الآخرة نحدث بقربهم عهدًا.
فانطلقت معه، فأتى المقابر فجلسنا إلى بعض تلك القبور، فقال: يا أبا إسحاق ما ترى هذا متمنيًا لو منء، قلت: أن يرد والله إلى الدنيا فيستمتع من
[ ١ / ١٤٥ ]
طاعة الله ويصلح.
قال: فها نحن، ثم نهض فجد واجتهد، فلم يلبث إلا يسيرًا حتى مات.
ومما يحثك على التأهب والاستعداد لهادم اللذات أن تصور لنفسك عرضها على ربك وتخجيله إياك بمضيق العتاب على فعل ما نهاك عنه قال جل وعلا: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٥] .
اللهم إنا نسألك نفسًا مطمئنة تؤمن بلقائك وترضى بقضائك، اللهم إنا نسألك باسمك الطاهر الطيب المبارك الأحب إليك الذي إذا دعيت به أجبت وإذا سئلت به أعطيت وإذا استرحمت به رحمتن وإذا استفرجت به فرجت أن تغفر سيئاتنا وتبدلها لنا بحسنات يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
(فصل)
قال رسول الله - ﷺ -: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ﵎ ليس بينه وبينه ترجمان» .
وعن صفوان بن محرر قال: كنت آخذًا بيد ابن عمر إذ عرض له رجل، فقال كيف سمعت رسول الله - ﷺ - يقول في النجوى يوم القيامة.
فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه، ويستره من الناس، ويقرره بذنوبه. ويقول له أتعرف ذنب كذا، أتعرف ذنب كذا، حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه قد هلك. قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم» .
ومما يحثك على الاستعداد للموت والابتعاد عن المعاصي أن تتخايل وتتصور شهادة المكان الذي تعصي فيه عليك يوم القيامة.
[ ١ / ١٤٦ ]
فعن أبي هريرة قال: قرأ رسول الله - ﷺ -: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤] . فقال "أتدرون ما أخبارها، أن تشهد على كل عبد بما عمل على ظهرها، أن تقول عمل كذا وكذا في يوم كذا وكذا، فهو أخبارها".
ومما يحثك على التأهب والاستعداد للموت والابتعاد عن المعاصي أن تمثل نفسك عند بعض زللك كأنه يؤمر بك إلى النار التي لا طاقة لمخلوق بها.
وتصور نفاد اللذة وذهابها وبقاء العار والعذاب.
تَفنى اللَّذَاذَةُ مِمَّنْ نَالَ شَهْوَتَهُ … مِن الحَرَامِ ويَبْقَى الإِثم والعَارُ
تَبْقَى عَوَاقِبُ سُوْءٍ في مَغَبَّتِهَا … لا خَيْرَ في لَذَّةٍ مِن بَعْدِهَا النَّارُ
عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - أنه قال: «ناركم هذه ما يوقد بنوا آدم جزء واحد من سبعين جزءًا من حر جهنم» قالوا: والله إن كانت لكافية.
وقال بعض السلف: ربما مثل لي رأسي بين جبلين من نار وربما رأيتني أهوى فيها حتى أبلغ قعرها فكيف تهنا الدنيا من كانت هذه صفته.
وكان عمر ﵁ ربما توقد له النار ثم يدني يديه منها ثم يقول: يا ابن الخطاب هل لك على هذا صبر.
ومما يحثك على الاستعداد وتفقد شئونك وأمرك ذكر أحوال كثير من السلف الصالح الذي أقلقهم خوف الحساب والعذاب في البرزخ والنار.
لما أهديت معاذة العدوية إلى زوجها صلة بن أشيم ادخله ابن أخيه الحمام ثم أدخله بيتًا مطيبًا فقام يصلي حتى أصبح وفعلت زوجته معاذة مثله.
فلما أصبح عاتبه ابن أخيه على فعله ليلة الزواج فقال له: أدخلتني بالأمس بيتًا ذكرتني به النار ثم أدخلتني بيتًا ذكرتني به الجنة فما زالت فكرتي فيهما حتى أصبحت.
[ ١ / ١٤٧ ]
ونظر عمر بن عبد العزيز إلى رجل عنده متغير اللون، فقال له ما الذي بك؟ فقال: إني ذقت حلاوة الدنيا فصغر في عيني زهرتها وملاعبها، واستوى عندي حجارتها وذهبها.
ورأيت كأن الناس يساقون إلى الجنة، وأنا أساق إلى النار فأسهرت لذلك ليلي، وأظمأت نهاري، وكل ذلك صغير حقير في جنب عفو الله، وثوابه ﷿ وجب عقابه.
وقال إبراهيم التيمي مثلث نفسي في النار آكل من زقومها وأشرب من صديدها وأعالج سلاسلها وأغلالها.
فقلت لنفسي أي شيء تريدين، قالت أريد أن أرد إلى الدنيا فأعمل صالحًا، قال: فلت أنت في الأمنية فاعملي.
وسمع عمر بن الخطاب رجلًا يتهجد في الليل ويقرأ سورة الطور، فلما بلغ قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَا لَهُ مِن دَافِعٍ﴾ [الطور: ٨] .
قال عمر: قسم ورب الكعبة حق، ثم رجع إلى بيته فمرض شهرًا يعوده الناس، ولا يدرون ما سبب مرضه.
وكان جماعة من السلف مرضوا من الخوف ولزموا منازلهم وبعضهم صار صاحب فراش.
وكان الحسن يقول في وصف الخائفين: قد براهم الخوف فهم أمثال القداح ينظر إليهم الناظر فيقول مرضى وما بهم مرض ويقول قد خولطوا وقد خالط القوم من ذكر الآخرة أمر عظيم.
هذه القصيدة عدلنا فيها بعض الأبيات:
وحَقِّكَ ياذَ الجُودِ مَالي مَلْجَؤٌ … وَلا لي إلى أبْوَابِ غَيركَ مَطْلَبُ
إِذَا لَم تَكُنْ لِي عِنْدَ غَيْرِكَ حَاجَةٌ …
[ ١ / ١٤٨ ]
فَكَيْفَ إلى أَبْوَابِ غَيْرَكَ أَذْهَبُ
إِذَا لَم يَكُنْ مُعْطٍ سِوَاكَ بِمَطْلَبِي … فَكَيْفَ سِوَى مَعْرُوْفِ جُوْدِكَ أَطْلُبُ
عَذُوْ لِي فيهِ مَا يَرَى مَا رَأَيْتَهُ … فَيُكْثِرُ مِن لَوْمِي عَلَيه ويُطْنِبُ
سَلَكْتُ سَبيْلًا مَا اهْتَدَى لسُلُوْكِهَا … فَأَعْجَبُ مِنْهُ وَهْوَ مِنِّي يَعْجَبُ
وَكَيْفَ سُلُّوٌ عَن جَمَالٍ مُحَجَّبٍ … أَيَادِيْه عن كُلِ الوَرَى ليس تُحْجَبُ
إِذَا اسْتَأَنَسَ الحَادُوْنَ لِلرَكْبِ بِاسْمِه … فكُلُّهُمُوْا حَتى الركائبِ تَطْرَبُ
يَطيْبُ وَيَحْلُوْ لِلْمُحِبِّيْنَ ذِكْرُهُ … فَلا طَيِّبٌ إِلا وذكْرُكَ أَطْيبُ
فإِنْ قُلْتُ شَهْدًا فَهو أحْلَى مَذَاقَةً … وَإِنْ قُلْتُ مَاءً فَهو أصْفَى وأعْذَبُ
سَأَلْتُكَ يَا حَادِي الرَكَائِبِ حَاجَةً … إِذَا مَا بَدَتْ يَوْمًا لِعَيْنَيْكَ يَثْرِبُ
فَسَلِّم عَلى مَنْ قَدْ حَوَتْهُ قِبَابُهَا … وَشِرْعَتُه في الكَونِ تُمْلَى وتُكْتَبُ
مُحَمَّدٌ المُخْتَارُ وَالمَاجِدُ الذي … إلى فَخْرهِ كُلُّ المناسِبِ تُنْسَبُ
هو الصادِقُ الدَّاعِي إِلى الله وَحْدَهُ … فَمَنْ لَم يُجِبْهُ فَهْوَ فِي الحَشْرِ يُنْدَبُ
فَصَلُّوا عَلَيْهِ دَائِمًا فَصَلاتِكُم … ثَوابُكُمُوا فِيهَا مِن الله يُطْلَبُ
وختامًا فالواجب على العاقل المبادرة إلى الأعمال الصالحة ما دام في قيد الحياة وخصوصًا الصلاة التي فرضها الله جل وعلا على عباده آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين ومحلها من الدين محل الرأس من الجسد.
فكما أن لا حياة لمن لا رأس له فكذلك لا دين لمن لا صلاة له وهي خاتمة وصية النبي - ﷺ - عند آخر عهده من الدنيا.
فعن أنس ﵁ قال: كانت عامة وصية رسول الله - ﷺ - حين حضرته الوفاة وهو يغرغر بنفسه «الصلاة وما ملكت أيمانكم» . رواه أحمد وأبو داود.
[ ١ / ١٤٩ ]
وهي أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة كما ورد بذلك الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته فإن صلحت فقد أفلح وأنجح وإن فسدت فقد خاب وخسر» . الحديث رواه الترمذي.
والصلاة أكبر عون للعبد على مصالح دينه ودنياه قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] .
فالصلاة سعادة وسرور للمؤمن الخاشع المحب لربه، فقد قال رسول الله - ﷺ -: «وجعلت قرة عيني في الصلاة» وكان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، فالصلاة جسد وروح.
أما جسدها فهو كلام اللسان وحركات الأعضاء وأما روحها فهو الخشوع، قال الله جل وعلا: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] .
والخشوع حضور الذهن وأن يتصور الإنسان أن ربه أمامه يسمعه ويناجيه فلا يشغل فكره بشيء من الدنيا ما دام في صلاته ويجمع فكره إلى تأمل ما يتلو وما يسمع من الإمام ويحرص كل الحرص على طرد الهواجس.
قال أحد العلماء: إن من المعلوم أن المنتصب لخطاب ملك من ملوك الدنيا يجمع قلبه للإقبال عليه ويحسن التودد إليه ويتحرز التحرز الكلي عن أن تفرط منه كلمة مستهجنة أو التفاتة غير مستحسنة أو ذهول عما يخاطبه به أو يتلقاه من خطابه وإن كان لا يخاف نقمته ولا يرجو نعمته.
فيا عجبًا من منتصب لمناجات ملك السموات والأرض وهو يعلم أنه حاضر لديه ورقيب عليه وأنه محتاج في كل لحظة إليه غير مستغن عنه وإن إحسانه إليه فوق كل إحسان.
[ ١ / ١٥٠ ]
وعاقبة عصيانه إنه الخلود في قعر النيران وإن عظمته لا تدانيها عظمة سلطان ومع ذلك يترك الإقبال عليه ويعرض له الذهول عنه لخواطر دنيوية ووساوس غير نافعة ولا مرضية حتى لا يشعر بمعاني ما يتلوه في صلاته ولا يعقل ما المطلوب بها ويسهو عن أركانها وأذكارها هذا مما تحار فيه العقول.
ولعل السبيل إلى ذلك هو التحفظ عن تلك الشواغل في حالة الصلاة التي هي عماد الدين والفارقة بين الكفرة والمؤمنين التي فرضها الله ليتطهر بها عباده عما اقترفوه فيما بين أوقاتها من الذنوب ويغسلوا بها أبدانهم وأرواحهم عن درن الحوب.
كما يشعر به قوله - ﷺ -: «مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار يمر على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات. وفي رواية فماذا ترون أيبقى عليه من الدرن بعد ذلك» .
والمهم أن يصرف العبد ذهنه إلى أن قيامه للوضوء والصلاة إنما هو لخطاب ملك الملوك والاعتذار إليه من التقصير في الحياء منه في أحواله السابقة وليطلب منه العفو والمسامحة والإحسان ولداء ما كلفه من العبادة.
اللهم إنا نسألك نفسًا مطمئنة تؤمن بلقائك وترضى بقضائك، اللهم إنا نسألك باسمك الطاهر الطيب المبارك الأحب إليك الذي إذا دعيت به أجبت، وإذا سئلت به أعطيت، وإذا استرحمت به رحمت، وإذا استفرجت به فرجت أن تغفر سيئاتنا وتبدلها لنا بحسنات يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
[ ١ / ١٥١ ]
[فصل]
قال شيخ الإسلام:
القلب لا يصلح ولا يفلح ولا يسر ولا يلتذ ولا يطيب ولا يسكن ولا يطمئن إلا بعبادة ربه وحبه والإنابة إليه.
ولو حصل له كل ما يلتذ به من المخلوقات لم يطمئن ولم يسكن إذ فيه فقر ذاتي إلى ربه من حيث هو معبوده ومحبوبه ومطلوبه.
وبذلك يحصل له الفرح والسرور واللذة والنعمة والسكون والطمأنينة.
وهذا لا يحصل إلا بإعانة الله له ولا يقدر على تحصيل ذلك له إلا الله فهو دائمًا مفتقر إلى حقيقة إياك نعبد وإياك نستعين.
فهو مفتقر إليه من حيث هو المطلوب المحبوب المعبود ومن حيث هو المستعان به المتوكل عليه.
فهو إلهه لا إله له غيره وهو ربه لا رب له سواه ولا تتم عبوديته إلا بهذين.
وقال: إعراض القلب عن الطلب من الله والرجا له يوجب إنصراف قلبه عن العبودية لله لا سيما من كان يرجو المخلوق ولا يرجو الخالق.
بحيث يكون قلبه معتمدًا إما على رئاسته وجنوده وأتباعه وإما على أهله وأصدقائه وإما على أمواله أو غيرهم ممن مات أو يموت قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨] .
وقال على كل مؤمن أن لا يتكلم في شيء من الدين إلا تبعًا لما جاء به الرسول - ﷺ - ولا يتقدم بين يديه.
بل ينظر ما قال فيكون قوله تبعًا لقوله وعمله تبعًا لأمره فمن قول الله
[ ١ / ١٥٢ ]
وقول رسوله يتعلم به ويتكلم.
وكل من خالف ما جاء به الرسول لم يكن عند علم بذلك ولا عدل بل لا يكون عنده إلا جهل وظلم وظن وما تهوى الأنفس ﴿وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣] .
وقال ﵀: من ابتلي ببلاء قلبي أزعجه فأعظم دواء له قوة الالتجاء إلى الله ودوام التضرع والدعاء بأن يتعلم الأدعية المأثورة ويتوخى الدعاء في مظان الإجابة.
مثل آخر الليل وأوقات الأذان والإقامة وفي سجوده وأدبار الصلوات ويضم إلى ذلك الاستغفار.
وليتخذ وردًا من الأذكار طرفي النهار وعند النوم وليصبر على ما يعرض له من الموانع والصوارف.
فإنه لا بد أن يؤيده الله بروح منه ويكتب الإيمان في قلبه.
وليحرص على إكمال الفرائض من الصلوات الخمس بباطنه وظاهره فإنها عمود الدين.
وليكن هجيراه لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
فإنه بها يحمل الأثقال ويكابد الأهوال وينال رفيع الأحوال.
ولا يسأم من الدعاء والطلب فإن العبد يستجاب له ما لم يعجل.
وليعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا.
وقال ابن القيم: مراقبة الرب علم العبد وتيقنه باطلاع الله على ظاهره وباطنه فاستدامته لهذا العلم واليقين هي المراقبة.
وهي ثمرة علمه بأن الله سبحانه رقيب عليه ناظر إليه سامع لقوله ومطلع على عمله كل وقت وكل لحظة.
[ ١ / ١٥٣ ]
قال النبي - ﷺ -: «ذاق طعم الإيمان من رضيّ بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولا» .
وقال: من قال حين يسمع النداء رضيت بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًا غفرت ذنوبه.
وهذا الحديثان عليهما مدار مقامات الدين وإليهما ينتهي.
وقد تضمنها الرضا بربوبيته سبحانه وألوهيته والرضا برسوله والرضا بدينه والتسليم له.
ومن اجتمعت له فهو الصديق حقًا وقال: الأدب اجتماع خصال الخير في العبد وهي ثلاثة أنواع:
أدب مع الله بأن يصون قلبه أن يلتفت إلى غيره أو تتعلق إرادته بما يمقته عليه، ويصون معاملته أن يشوبها بنقيصه.
وأدب مع الرسول بكمال الانقياد، وتلقى خبره بالقبول والتصديق وأن لا يعارضه بغيره بوجه من الوجوه.
وأدب مع الخلق بمعاملتهم على اختلاف مراتبهم بما يليق بهم ويناسب حالتهم.
وقال ﵀: المقبول من العمل قسمان: أحدهما أن يصلى العبد ويعمل سائر الطاعات وقلبه متعلق بالله ﷿ ذاكر الله على الدوام فعمله في أعلى المراتب.
الثاني: أن يعمل العبد الأعمال على العادة والغفلة وينوي بها الطاعة والتقرب إلى الله.
فأركانه مشغولة بالطاعة وقلبه لاه عن ذكر الله وكذلك سائر أعماله فهذا عمله مقبول ومثاب عليه بحسبه.
[ ١ / ١٥٤ ]
اللهم اجعلنا من المتقين الأبرار وأسكنا معهم في دار القرار، اللهم وفقنا بحسن الإقبال عليك والإصغاء إليك ووفقنا للتعاون في طاعتك والمبادرة إلى خدمتك وحسن الآداب في معاملتك والتسليم لأمرك والرضا بقضائك والصبر على بلائك والشكر لنعمائك، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد وآله أجمعين.
فوائد ومواعظ ونصائح
قال أحد العلماء اعلم أنه لا يسلم إنسان من النقص إلا من عصمه الله كالرسل قال الله جل وعلا عن الإنسان: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢] .
وقال - ﷺ -: «كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون» . فمن خفيت عليه عيوبه فقد سقط.
وصار من السخف والرذالة والخسة وضعف التمييز والعقل وقلة الفهم بحيث لا يتخلف عنه متخلف من الرذائل.
وعليه أن يتدارك نفسه بالبحث عن عيوبه والسؤال عنها بدقة وأكثر من يفهم عيوب الإنسان أعداؤه لأنهم دائمًا ينقبون عنها.
وكذلك الأصدقاء الناصحين الصادقين المنصفين يفهمونها غالبًا.
فالعاقل يشتغل بالبحث عنها والسعي في إزالتها ولا يتعرض لعيوب الناس التي لا تضره لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا من باب النصيحة.
كما لو رأى إنسانًا معجبًا بنفسه فيبدي له النصح وجهًا لوجه لا خلف ظهره.
واحذر أن تقارن بينك وبين من هو أكثر منك عيوبًا فتستهل الرذائل وتهاون بعيوبك.
[ ١ / ١٥٥ ]
لكن قارن بين نفسك ومن هو أفضل منك لتسلم من عجبك بنفسك وتفيق من داء الكبر والعجب الذي يولد عليك الاستحقار والاستخفاف بالناس مع العلم بأن فيهم من هو خير منك.
فإذا استخففت بهم بغير حق استخفوا بك بحق لأن الله جل وعلا وتقدس يقول: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] .
فتسبب على نفسك أن تكون أهلًا للاستخفاف بك مع ما تجنيه من الذنوب وطمس ما فيك من فضيلة.
فإن كنت معجبًا بعقلك ففكر وتأمل في كل فكرة سوء تحل بخاطرك وفي أضاليل الأماني الطائفة بك فإنك تعلم نقص عقلك حينئذ.
وإن أعجبت بآرائك فتأمل وفكر في غلطاتك وسقطاتك واحفظها وتذكرها ولا تنسها.
وفي رأي كنت تراه صوابًا فتبين لك خطؤك وصواب غيرك والغالب أن خطأك أكثر من الصواب.
وهكذا ترى الناس غير الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
وإن أعجبت بعملك فتفكر في معاصيك هل بيتك خال من الملاهي والمنكرات مثل الصور والتلفاز والمذياع وأغانيه والمجلات والجرائد التي فيها صور ذوات الأرواح.
وهل هو خال من الأولاد الذين لا يشهدون الجماعة وهل أنت سالم من الغيبة وإخلاف الوعد والكذب والحسد والكبر والرياء.
والعقوق وقطيعة الرحم والظلم والرباء والدخان وحلق اللحية والغش وقول الزور وسوء الظن بالمسلمين والتجسس عليهم والاحتقار لهم ونحو ذلك.
[ ١ / ١٥٦ ]
فأنت إذا تفقدت نفسك وبيتك وأولادك وجدت عندك من الشرور والآثام ما بعضه يغلب على ما أعجبت به من عملك الذي لا تدري هل هو مقبول أو مردود.
وإن أعجبت بعلمك أو عملك فاعلم أنه موهبة من العزيز العليم وهبك إياها فلا تقابلها بما يسخطه عليك.
قال الله جل وعلا: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] . وقال ﷾: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] .
وأسأل الله أن يزيد منه، وأن يجعله حجة لك لا عليك، قال ﵎: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] .
وتفكر فيما تحمله من العلم هل أنت عامل به أم لا واجعل مكان عجبك بنفسك استنقاصًا لها واستقصارًا فهو أولى بك.
وتفكر فيمن كان أعلم منك تجدهم كثيرًا، ثم أعلم أن العلم الذي تفتخر فيه ربما يكون وبالًا عليك.
فيكون الجاهل أحسن حالًا ومآلًا وأعذر منك فبذلك التفكير يزول العجب والكبر عنك وتهون نفسك عندك حينئذ.
وإن أعجبت بشجاعتك وقوتك فتكفر فيمن هو أشجع وأقوى منك ثم انظر في تلك النجدة التي منحك الله تعالى فيم صرفتها.
فإن كنت صرفتها في معصية الله فأنت جاهل آثم لأنك بذلك نفسك فيما ليس ثمنًا لها.
وإن كنت صرفتها في طاعة فقد أفسدتها بإعجابك بعملك.
ثم تفكر في زوالها عنك وقت الكبر عندما تنحل قوتك ويضعف جسمك.
نَساقَطُ أَسْنَانٌ وَيَضْعُفُ نَاظِرٌ …
[ ١ / ١٥٧ ]
وَتَقْصُرُ خُطْوَاتٌ وَيَثْقُل مَسْمَعُ
قال الله جل وعلا وتقدس: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم: ٥٤] .
وقال وصاحب التعبد المطلق ليس له غرض في تعبد بعينه يؤثره على غيره.
بل غرضه تتبع مرضاة الله تعالى أينما كانت فمدار تعبده عليها فلا يزال متنقلًا في منازل العبودية كلما رفعت له منزلة عمل على سيره إليها واشتغل بها.
اللهم وفقنا لسلوك سبيل أهل الطاعة وارزقنا الثبات عليه والاستقامة وعافنا من موجبات الحسرة والندامة وأمنا من فزع يوم القيامة واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.