كتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز في ذم الدنيا كتابًا طويلًا قال فيه: أما بعد فإن الدنيا دار ظعن ليست بدار مقام وإنما أنزل إليها آدم عقوبة فاحذرها يا أمير المؤمنين فإن الزاد منها تركها والغِنى فيها فقرها تُذل من أعزها وتُفقر من جمعها كالسُّم يأكله من لا يعرفه وهو حتفه فاحذر هذه الدار الغرارة الختالة الخداعة وكن أسر ما تكون فيها إحذر ما تكون لها، سرورها مشوب بالحزن وصفوها مشوب بالكدر فلو كان الخالق لم يُخبره عنها خبرًا ولم يضرب لها مثلًا لكانت قد أيقظت النائم ونبهت الغافل فكيف وقد جاء من الله ﷿ عنها زاجر وفيها واعظ فما لها عند الله سبحانه قدر ولا وزن، ما نظر إليها مُنذُ خلقها ولقد عُرضت على نبينا - ﷺ - مفاتيحها
[ ١ / ٣٨٠ ]
وخزائنها لا ينقص عند الله جناح بعوضة فأبى أن يقبلها وكره أن يُحب ما أبغضه خالقه أو يرفع ما وضعه مليكه، زواها الله عن الصالحين اختيارًا وبسطها لأعدائه اغترارًا أفيظن المغرور بها أنه أُكرم بها ونسي ما صنع الله بمحمدٍ - ﷺ - حين شد على بطنه الحجر، والله ما أحد من الناس بُسط له في الدنيا فلم يخف أن يكون مَكرًا إلا كان قد نقص عقله وعجز رأيه وما أمسك عن عبدٍ فلم يظنه خيرًا له فيها إلا نقص عقله وعجز رأيه.
اللهم ألهمنا ذكرك وشكرك وارزقنا الاستقامة طوع أمرك وتفضل علينا بعافيتك وجزيل عفوك واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على مُحمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.