وقال الشيخ الواسطي في بعض رسائله: إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا أقام في قلبه شاهدًا من ذكر الآخرة يُريدُ فناء الدنيا وزوالها وبقاء الآخرة ودوامها فيزهده في الفاني ويُرغبه في الباقي فيبدأ في السير والسلوك في طريق الآخرة وأول السير فيها تصحيح التوبة، والتوبة لا تتم إلا بالمحاسبة ورعاية الجوارح السبعة، العين والأذن واللسان والبطن والفرج واليد والرجل وكفها عن جميع المحارم والمكاره والفضول هذا أحد شطري الدين ويبقى الشطر الآخر وهو القيام بالأوامر فتحقيق الشطر الأول وهو ترك المناهي من قلبه وقالبه.
أما القالب فلا يعصي الله بجارحةٍ من جوارحه ومتى زل أو أخطأ تاب وأما القلب فتُنقي منه الموبقات المُهلكات مثل الرياء والعجب والكبر والحسد والبُغض لغير الله وحب الدنيا ورد الحق واستثقاله والازدراء بالخلق ومقتهم وغير ذلك من الكبائر القلبية التي هي في مقابلة الكبائر القالبية من شرب الخمر والزنا
[ ١ / ٣٨١ ]
والقذف وغير ذلك فهذه كبائر ظاهرة وتلك كبائر باطنة. وكلاهما ضرر.
قال: فمن انطوى على شيءٍ من الكبائر الباطنية ولم يتب حبط عمله بدليل «لا يدخل الجنة من كان في قبله مثقال ذرة من كبر» وجاء: «إن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب»، وجاء بقول الله تعالى: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملًا فأشرك معي فيه غيري تركته وشركه»، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ .
فمتى تنقى القلب من مثل هذه الخبائث والرذائل طهر وسكنت فيه الرحمة في مكان البغض والتواضع في مقابلة الكبر والنصيحة في مقابلة الغش والإخلاص في مقابلة الرياء ورؤية المنة في مقابلة العجب ورؤية النفس فعند ذلك تزكوا الأعمال وتصعد إلى الله تعالى ويطهر القلب ويبقى محلًا لنظر الحق بمشيئة الله ومعونته فهذا أحد شطري الدين وهو رعاية الجوارح السبعة عن المآثم والمحارم وإنما تصلح وتطهر برعاية القلب وطهارته من الموبقات والجرائم ومعنى الموبقات المُهلكات اهـ.
وقال ابن القيم ﵀: والقلوب ثلاثة، قلبٌ خالٍ من الإيمان وجميع الخير فذلك قلبٌ مظلم قد استراح الشيطان من إلقاء الوساوس إليه لأنه قد اتخذه بيتًا ووطنًا وتحكم فيه بما يريد وتمكن منه غاية التمكن، القلب الثاني: قلب استنار بنور الإيمان وأوقد فيه مصباحه لكن عليه ظلمة الشهوات وعواصف الأهوية فللشيطان هناك إقبال وإدبار ومجالات ومطالع فالحرب دولٌ وسجال وتختلف أحوال هذا الصنف بالقلة والكثرة فمنهم من أوقات غلبته لعدوه أكثر ومنهم من أوقات غلبة عدوه أكثر ومنهم من هو تارةٌ وتارة.
القلب الثالث: قلب محشو بالإيمان قد استنار بنور الإيمان وانقشعت عنه
[ ١ / ٣٨٢ ]
حجب الشهوات وأقلعت عنه الظلمات فلنوره في صدره إشراق ولذلك الإشراق إيقاد لو دَنَا منه الوسواس احترق به فهو كالسماء التي حُرست بالنجوم فلو دنا منها الشيطان يتخطاها رُجِمَ فاحترق.
وليست السماء بأعظم حرمة من المؤمن وحراسة الله تعالى له أتم من حراسة السماء والسماء مُتعبد الملائكة ومُستقر الوحي وفيها أنوار الطاعات وقلب المؤمن مُستقر التوحيد والمحبة والمعرفة والإيمان وفيه أنوارها فهو حقيق أن يُحرس ويُحفظ من كيد العدو فلا ينال منه إلا خطفة تحصل له على غرة وغفلة من العبد إذ هو بشر وأحكام البشرية جارية عليه من الغفلة والسهو والذهول وغلبة الطبع انتهى.
هذه قصيدة لبعضهم فيها غُلُو صلحنا ما فيها من الغلط الاعتقادي وجعلنا على ما فيه تصليح أقواسًا:
تَيَقَّظْ لِنَفْس عَنْ هُدَاهَا تَوَلتِ
وَبَادِرْ فَفِي التَّأخِير أَعْظَمُ خَشْيَةِ
فَحَتَّامَ لا تَلْوِي لِرُشْدٍ عِنَانَهَا
وَقَدْ بَلَغَتْ مِنْ غَيِّهَا كُلُّ بُغْيَةِ
وَأَمَّارَةٌ بِالسُّوُءِ لَوَّامَةٌ لِمَن
نَهَاهَا فَلَيْسَتْ لِلْهُدَى مُطَمئِنَةِ
إِذَا أَزْمَعَتْ أَمْرًا فَلَيْسَ يَرُدُّهَا
عَنِ الفِعْلِ إِخْوَانُ التُّقَى وَالمَبَرَّةِ
وَإِنْ مَرَّ فِعْلُ الخَيْرِ في بَالِهَا انْثَنَى
أَبُو مُرَّةٍ يَثْنِيهِ في كُلِّ مَرَّة
وَلي قَدَمٌ لَوْ قُدِّمَتْ لِظُلامَةٍ …
[ ١ / ٣٨٣ ]
لَطَارَتْ وَلَوْ أَنِّي دُعِيْتُ لِقَرْبَةِ
لَكُنْتُ كَذِي رِجْلَيْنِ رِجلٌ صحيحةٌ
ورِجلٌ رَمَى فِيْهَا الزَّمَانُ فَشَلَّتِ
وَقَائِلَةٍ لِمَا رَأَتْ مَا أَصَابَنِي
وَمَا أنَا فِيْهِ مِن لَهِيبٍ وَزَفْرَتِي
رُوَيْدَك لا تَقْنُطْ وَإِنْ كَثُرَ الخَطَا
وَلا تَيْأسَنْ مِن نَيْلِ رَوْحٍ وَرَحْمَةِ
مَعَ العُسْرِ يُسْرٌ وَالتَّصَبُّرُ نُصْرَةٌ
وَلا فَرَجٌ إِلا بِشِدَّةِ أَزْمَةِ
"وَكَمْ عَامِلِ أَعْمَالَ أَهْلَ جَهَنَّمٍ
فَلَمَّا دَعَى المَوْلى أُعِيْدَ لِجَنَّةِ"
"فَقُلْتُ لَهَا جُوزِيتِ خَيْرًا على الذي
مَنَحْتِ مِنَ البُشْرَى وَحُسْنِ النَّصِيحَةِ"
"فَهَلْ مِنْ سَبِيلِ لِلْنَجَاةِ مِنَ الرَّدَى
وَمَا حِيْلَتِي في أنْ تُفَرَّجَ كُرْبَتِي"
"فَقَالَتْ فَطِبْ نَفْسًا وَقُمْ مُتَوَجِّهًا
لِربَّكَ تَسْلَمْ مِنْ بَوَارٍ وَخَيْبَةِ"
"فَكَمْ آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ فالتْجَا
إليه فَحُطَّتْ عَنْهُ كُلُّ خَطِيئَةِ"
"فَدَيْتُكَ فَأقْصِدْهُ بِذُلٍّ فَإِنَّهُ …
[ ١ / ٣٨٤ ]
يُقيلَ بَنِي الزَّلاتِ مِنْ كُلِّ عَثْرَةِ"
"إِذَا مَا أَتوهُ تَائبِيَن مِن الذِي
جَنَوْهُ مِن الآثَامِ تَوْبَةَ مُخْبِتِ"
وصل إلهي كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةِ
عَلَى أَحَمَدَ المُخَتار أَزْكَى البَرِيةِ
اللهم اجعلنا من حزبك المفلحين وعبادك الصالحين الذين أهلتهم لخدمتك وجعلتهم ممن قبلت أعماله يا رب العالمين وصلى الله على مُحمدٍ وآله وصحبه أجمعين.