اسمع يا غائب في صلاته، يا شتيت الهم في جهاته يا مشغولًا بآفاته عن ذكر وفاته، يا قليل الزاد مع قرب مماته.
يا من يرحل عن الدنيا في كل لحظة مرحلة، وكتابه قد حوى حتى مقدار الخردلة، وما ينتفع بالنذير والنذر متصلة.
وما يرعوي لنصيح وكم قد عذله، ودرعه متخرقة والسهام مرسلة، ونور الهدى قد يُرى وما رآه ولا تأمله وهو يأمل البقاء وقد رأى مصير من أمله.
وأجله قد دني ولكن أمله قد شغله، وقد عكف على العيب بعد الشيب بصبابة ووله، ويحضر بدنه في الصلاة وأما القلب فقد أهمله.
[ ١ / ١٥٨ ]
كن كيف شئت فبين يديك الحساب والزلزلة، ونعم جسمك فلا بد للدود أن يأكله.
يا عجبًا من فتور مؤمن بالجزاء والمسألة، أيقين بالنجاة أم غرور وبله، بادر ما بقي من عمرك واستدرك أوله، فبقية عمر المؤمن لا قيمة له.
وَمُسْنَدُوْنَ تَعاقَروا كَأْسَ الرَّدي … وَدَعَا بِشُرْبهُم الحِمَامُ فَأسُرَعُوْا
بَرَكَ الزَّمانُ عَلَيْهُمُوْا بِجِرَانِهِ … وَهَفَتْ بِهم رِيحُ الخُطُوب الزَّعْزَعُ
خُرُسٌ إِذَا نَادَيْتَ إِلَّا أَنَّهُمْ … وعَظُوْا بِمَا يَزِعُ اللَّبِيْبَ فَأَسْمَعُوْا
والدَّهْرُ يَفْتِكُ بالنُفُوسِ حَمامُهُ … فَلِمَنْ تُعَدُّ كَرِيْمَةٌ أَوْ تُجْمَعُ
عَجَبًا لِمَنْ يُبْقِي ذَخَائِرَ مَالِهِ … وَيَظَلُّ يَحْفظُهُنَّ وهْوَ مُضَيَّعُ
وِلِغَافِلٍ وَيَرَى بِكُلِّ ثَنِيَّةٍ … مُلْقًى لَه بَطْنُ الصَّحَائِفِ مَضْجَعُ
أَتَراهُ يحْسُب أنَّهُم مَا أسْأَرُوْا … مِن كَأسِهِ أَضْعَافَ مَا يَتَجرَّعُ
عباد الله كم أخلى الموت دارًا، وترك المعمور قفارًا، كم أوقد من الأسف في الجوانح نارا، وكم أذاق الغصص المرة مرارا.
لقد جال يمينًا ويسارًا فما حابى فقرًا ولا يسارًا، أين الجيش العرموم، أين الكبير المعظم، ألحق الأخير بمن تقدم.
قال محمد بن كعب القرظي إنما الدنيا سوق خرج الناس منها بما يضرهم وبما ينفعهم.
وكم اغتر ناس فخرجوا ملومين واقتسم ما جمعوا من لم يحمدهم وصاروا إلى من لا يعذرهم.
فيحق لنا أن ننظر إلى ما نغبطهم به من الأعمال فنعملها، وإلى ما نتخوف فنتجنبها.
ذَهَبَ الشَّبَابُ بِجْهلِهِ وَبعارِهِ …
[ ١ / ١٥٩ ]
وَأَتَى المَشِيْبُ بِحِلْمِهِ وَوَقَارِهِ
شَتَّانَ بَيْنَ مُبِعِّدٍ مِن رَبَّهِ … بِغُرُورِهِ وَمُبَشِّرٍ بِجِوارِهِ
مَا زِلْت اَمُرَحُ بالشبابِ جَهَالَةً … كَالطَّرْفِ يَمْرَحُ مُعْجَبًا بِعِذَارِهِ
وسَحَبْت أثواب البَطَالَةِ لاهِيًا … وَجَررت مِن بَطَرٍ فُضولَ أَزارِهِ
حتى تَقَلْصَ ظِلُه فَتكشَفَتْ … عَوْرَاتُه وبَدَا قبيحُ عَوَارِهِ
لَمْ أُحْظَ مِنْهُ بِطَائِلٍ غَيْرُ الأسَى … وتَنَدمٌ مِنِّي عَلَى أَوْزَارِهِ
والآنَ قَدْ خَطَّ المشيبُ بِمَفْرقِي … بِمَوَاعِظٍ والحقُّ في تَذْكَارِهِ
وَالنَّفْسُ تَرْكَبُ غيَّهَا لا تَرعَوي … عنه ولا تُصْغِ إلى إِنْذَارِهِ
لَهْفِي عَلى عُمْر يَمُرُّ مُضَيَّعًا … مُحْصًى على بلَيْلِهِ ونَهَارِهِ
قال علي بن أبي طالب ﵁ ميدانكم نفوسكم فإن انتصرتم عليها كنتم على غيرها أقدر، وإن خذلتم فيها كنتم على غيرها أعجز، فجربوا معها الكفاح أولًا.
كان سفيان الثوري ما ينام إلا أول الليل، ثم ينتفض فزعًا مرعوبًا ينادي النار النار شغلني ذكر النار عن النوم والشهوات.
ثم يتوضأ ويقول على أثر وضوئه، اللهم إنك عالم بحاجتي غير معلم وما أطلب إلا فكاك رقبتي من النار.
قال عمر بن عبد العزيز أيها الناس إنما يراد الطبيب للوجع الشديد، ألا فلا وجع أشد من الجهل ولا داء أخبث من الذنوب ولا خوف أخوف من الموت.
يروى عن الأصمعي قال قرأت «والسارق والسارقة قاطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالًا من الله» والله غفور رحيم.
[ ١ / ١٦٠ ]
وبجنبي أعرابي فقال كلام من هذا فقلت كلام الله.
قال أعد فأعدت فقال ليس هذا كلام الله، فانتبهت فقرأت "والله عزيز حكيم".
فقال أصبت هذا كلام الله، فقلت أتقرأ القرآن، قال لا فقلت من أين علمت.
فقال يا هذا عز فحكم فقطع، ولو غفر ورحم لما قطع.
كان أحد العلماء له وظيفة يأخذ عليها رابت جيد فاتفق أنه كان يأكل يومًا مع أصحابه طعامًا فجاء قط فرموا له شيئًا فأخذه وذهب سريعًا.
ثم رجع فرموا له أيضًا شيئًا فانطلق به سريعًا ثم جاء أيضًا فرموا له شيئًا فعلموا أنه لا يأكل هذا كله فتبعوه فإذا هو يذهب به إلى قط آخر أعمى في سطح هناك فتعجبوا من ذلك.
فقال الشيخ يا سبحان الله هذا حيوان بهيم قد ساق الله إليه رزقه على يد غيره أفلا يرزقني وأنا عبده وأعبده.
ثم ترك ما كان له من الراتب وجمع حواشيه.
وأقبل على العبادة والملازمة في غرفة في جامع عمرو بن العاص إلى أن مات.
وكتب بعضهم إلى أخ له إياك وتأمير التسويف على نفسك وإمكانه من قلبك، فإنه محل الكلال وموئل التلف وبه تنقطع الآمال وفيه تنقطع الآجال وبادر يا أخي فإنه مبادر بك وأسرع فإنه مسرع بك وجد فإن الأمر جد وتيقظ من رقدتك وانتبه من غفلتك.
وتذكر ما أسلفت وقصرت وفرطت وجنيت وعملت فإنه مثبت محصى فكأنك بالأمر قد بغتك فاغتبط بما قدمت أو ندمت على ما فرطت.
[ ١ / ١٦١ ]
ثم اعلم أن في التسويف وتأخير الواجب آفات منها أنك لا تضمن أن تعيش إلى الغد ولا سيما في هذا العصر الذي كثرت فيه الحوادث برغم تقدم الطب وتوفر النعم وتقدم العلم.
ولكن لا يمنع ذلك الموت بسبب الحوادث التي لا تحصى كل يوم من أسباب أدواب الحضارة: السيارات والطائرات والآلات والأجهزة الميكانيكية والكهربائية والقز والنفط وغيرها بل العلم هو الذي نشأت عنه هذه الأسباب بإذن الله حيث كان الإنسان قبل حصول هذه في أمان منها.
ثانيًا: إنك إن بقيت إلى الغد لا تأمن من المعوقات من مرض طارئ أو شغل عارض أو بلاء نازل به فلهذا ينبغي للعاقل الحازم أن يبادر إلى اغتنام الفرص وفعل الخيرات وأداء الواجبات وكان العجز أن تؤخر وتؤجل حتى تفوتك الفرصة وتشكو من الغصة وقد قيل:
ولا تُؤَخِّرْ إذَا مَا حَاجَةٌ عَرَضَتْ … فَهُمْ يَقولُونَ لِلتَّأَخير آفَاتُ
آخر:
عَليكَ بَأَمْرِ اليومِ لا تَنْتَظِرْ غَدًا … فَمَنْ لغَدٍ مِن حَادثٍ بِكَفِيْلٍ
آخر:
وَلا أُأَخِرُ شُغْل اليوم عن كَسَلٍ … إلى غَدٍ إِنَّ يَوْمَ العَاجزينَ غَدُ
اللهم يا خالق الخلق يا قيوم نسألك بأسمائك الحسنى أن تنصر الإسلام والمسلمين وأن تعلي بفضلك كلمة الحق والدين وأن تشمل بعنايتك وتوفيقك كل من نصر الدين وأن تملأ قلوبنا بمحبتك ومحبة من يحبك وأن تأخذ بنواصينا إلى ما ترضاه وأن ترزقنا الاستعداد لما أمامنا وأن تهون أمر الدنيا علينا وأن تغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى أهله وصحبه أجمعين.
[ ١ / ١٦٢ ]
(فصل)
قال بعضهم أعجب حالات الإنسان أنه يحسب لكل شيء حسابًا ويستعد له يخشى الفقر فيدخر له المال ويخشى البرد فيستعد له والحر كذلك.
ويخشى الشيخوخة والكبر فيسعى في تحصيل الأولاد لعلهم يخدمونه عند العجز ويخلفونه في شؤونه الدنيوية والأخروية وهكذا.
لكنه لا يدخل الموت الذي ربما فاجأه في حسابه فلا يستعد له مع أنه يشاهد الموتى يذهبون ولا يعودون.
وهو مهدد بالموت في كل ساعة خصوصًا في زمننا الذي كثرت فيه أسباب موت الفجأة نسأل الله أن يوقظ قلوبنا للاستعداد له.
وقال علي ﵁: أيها الناس اتقوا الله الذي إن قلتم سمع وإن أضمرتم علم، وبادروا الموت الذي إن هربتم عنه أدرككم، وإن أقمتم أخذكم، وإن نسيتموه ذكركم.
وقال ﵁: إذا كنت في إدبار الموت في إقبال فما أسرع الملتقى.
وقال آخر: الدنيا كطريق فيه شوك مغطى بالتراب يدوسه من لا يعرف مسلكه فينخسه ويضره ويؤلمه ويقف عنه من استراب به فيسلم من شره.
وقال من مال إلى الدنيا تعجل التعب فيها وكان على يقين من فنائه.
وقال ما أغفل من تيقن بالرحيل عن الدنيا وهو منهمك مجتهد في عمارتها والجدير بالعاقل أن يجعل جل أوقاته للآخرة ولا ينسى نصيبه من الدنيا.
فمن جعل همه كله للدنيا ضيع نفسه، وفعل السبب لا ينافي التوكل قال
[ ١ / ١٦٣ ]
- ﷺ -: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا» . رواه الترمذي.
ففي الحديث دلالة على طلب الرزق الكفاف وعمارة الآخرة تفيد الراحة في الدنيا والنعيم في الآخرة وعمارة الدنيا تكسب التعب فيها والشقاء بعد مفارقتها.
والآخرة صبر قليل وسرور طويل.
وقال آخر: الموت راحة لمن كان عبد شهوته ومملوك هواه لأنه كلما طالت حياته كثرت سيئاته وانبثت في العالم جناياته.
وقال: الموت محمود على كل حال للبر والفاجر، فأما البر فيصل إلى ما قدم من صالح أعماله وجميل أفعاله، وأما الفاجر فيستريح العالم من فجوره وشروره ويقل تزيده من الأوزار.
وختامًا فإن الإنسان عند موته ينكشف له الحجاب فإن كان ممن ﵁ ينكشف له من سعة رحمة الله وجلاله ما تكون الدنيا بالإضافة إليه كالسجن المضيق.
يفتح له باب إلى الجنة ويأتيه من روحها وريحانها ويوسع له قبره مد بصره.
وإن كان من أهل الشقاء فيرى نفسه محفوفة بالمخازي والفضائح والأنكال ويضيق عليه قبره. ويفتح له باب إلى النار ويأتيه من حرها وسمومها نعوذ بالله من ذلك.
والعجب من غفلتنا وهذه العظائم بين أيدينا وأعجب من ذلك فرحنا بأموالنا وأهلينا وأولادنا وأصدقائنا مع العلم أننا سنفارق الجميع ولكننا في غفلة ولو لم يكن للعاقل هم ولا غم إلا التفكر والتأمل في خطر تلك الحالة
[ ١ / ١٦٤ ]
وهول المطلع لكان كافيًا في استغراق جميع العمر ولكن ما عرف قدر العمر وعرف الدنيا حقيقة إلا أفراد من الآلاف الذي تمسكوا بسيرة النبي - ﷺ - وأصحابه الذين جعلوا الدنيا مطية للآخرة نسأل الله العظيم أن يوفقنا لسلوك طريقهم وأن يجزيهم عنا وعن جميع المسلمين خيرًا، اللهم طهر قلوبنا من النفاق والحسد والكبر والعجب والرياء وأعيننا من الخيانة فإنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين وارحمنا برحمتك الواسعة يا رب العالمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال بعضهم موبخًا نفسه:
دَعِ التَّشَاغُلَ بالْغِزْلَانِ وَالغَزَلِ … يَكْفِيكَ مَا ضَاعَ مِنْ أَيَّامِكَ الأَوَلِ
ضَيَّعْتَ عُمْرَكَ لا دُنْيَا ظَفْرِتَ بِهَا … وَكُنْتَ عَنْ صَالِحٍ الأَعمَالِ في شُغُلِ
تَرَكْتَ طُرْقَ الهُدَى كالشمسِ واضِحَةٍ … وَمِلْتَ عنها لِمُعْوَجٍّ مِنَ السُّبُلِ
وِلم تَكُنْ نَاظَرًا في أمْرِ عَاقَبَةٍ … أَأنْتَ في غَفْلَةٍ أم أَنْتَ في خَبَلِ
يَا عَاجِزًا يَتَمَادَى في مُتَابَعَةِ النَّـ … نَفْسِ اللجُوجِ ويَرْجُو أَكْرَمَ النُّزلِ
هِلا تَشَبَّهْتَ بالأكياسِ إِذْ فَطِنُوا … فَقَدَّمُوا خَيْرَ مَا يُرْجَى مِنَ العَمَلِ
فَرَّطْتَ يَا صَاحِ فَاسْتَدْرِكْ عَلَى عَجَلٍ … إِن المَنِيَّةَ لا تَأتِي عَلَى مَهَلِ
هَلْ أَنْذَرَتْكَ يَقِينًا وَقْتَ زَوْرَتِهَا … أَوْ بَشَّرَتْكَ بِعُمْر غَيْرِ مُنْفَصِلِ
هَيْهَات هَيْهَاتَ مَا الدُّنْيَا بِبَاقِيَةٍ … ولا الزَّمَانُ بِمَا أمَّلْتَ فيه مَلي
لا تَحْسَبَنَّ الليَالِي سَالَمَت أَحَدًا … صَفْوًا فَمَا سَالَمَتْ إِلا على دَخَلِ
ولا يَغُرَّنْكَ مَا أوِليتَ مِنْ نِعَمٍ … فَهَلْ رَأَيْتَ نَعِيمًا غَيْرَ مُنْتَقِلِ
كَمْ مِن فَتَى جَبَرَتْهُ بَعْدَ كَسْرَتِهِ … فَقَابَلَتْهُ بِجُرْحٍ غَيْرِ مُنْدَمِلِ
إِلَامَ تَرْفُلُ في ثَوْبِ الغُرُورِ عَلَى …
[ ١ / ١٦٥ ]
بُسَاطِ لَهْوَكَ بَيْنَ التِّيهِ والجَذَلِ
والشَّيْبُ وَافَاكَ مِنْهَ نَاصِحٌ حَذِرٌ … فَمَا بِهِ كُنْتَ إِلا غَيْرَ مُهْتَبِلِ
وَلَمْ تُرَعْ مِنْهُ بَلْ أَصْبَحْتَ تَنْشُدُهُ … إِنِّي أَتَّهَمْتُ نَصِيحَ الشَّيْبِ في عَذَلِ
وَسِرْتَ تَطْلُبُ حَظَّ النَّفْسِ مِنْ سَفَهٍ … فَبَهْجَةُ العُمْرِ قدْ وَلَّتْ وَلَم تَصِلِ
وَمَالَ عَصْرُ التَّصَابِي مِنْكَ مُرْتَحِلًا … وَحَالةٌ عَنْ طَرِيقِ الغَيِّ لَمْ تَحُلِ
أَقْسَمْتُ بِالله لو أَنْصَفْتَ نَفْسُكَ مَا … تَرَكْتَهَا بِاكْتِسَابِ الوِزْرِ في ثِقَلِ
اَمَا عَلِمْتَ بأنَّ الله مُطَّلِعٌ … عَلَى الضَّمَائِرِ وَالأَسْرَارِ والحِيَلِ
وكُلُّ خَيْرٍ وَشَرٍّ أَنْتَ فَاعِلُهُ … يُحْصَى وَلَو كُنْتَ فِي الأَسْتَارِ وَالكَلَلِ
أَمَا اعْتَبَرْتَ بِتَرْدَادِ المَنُونِ إِلى … هَذِي الخَلِيقَةِ في سَهْلٍ وَفِي جَبَلِ
وَسَوْفَ تَاتي بِلا شَكٍّ إِليكَ فَمَا … أَخِّرْتَ عَمَّنْ مَضَى إِلا إِلى أَجَلِ
لكِنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ لَدَيْكَ فَخُذْ … بالحزْمِ وانْهَضْ بِعَزْمٍ مِنْكَ مُكْتَمِلِ
دَعِ البَطَالَةَ وَالتَّفْرِيطَ وَابْكِ على … شَرْخِ الشَّبَابِ الذي وَلَّى وَلَم يَطُلِ
وَلَم تُحَصِّلْ بِهِ عِلْمًا ولا عَمَلًا … يُنْجِيكَ مِنْ هَوْلِ يَوْمِ الحَادِثِ الجَلِلِ
وَابْخَل بِدِينكَ لا تَبْغِي به عِوَضًا … وَلَوْ تَعَاظَمْ وَاحْذَرْ بَيْعَةَ السِّفَلِ
واتْلُ الكِتَابَ كِتِابَ الله مُنْتَهيًا … عَمَّا نَهَى وتَدَبَّرْهُ بِلا مَلَلِ
وَكُلُّ مَا فِيْهِ مِن أَمْرٍ عَلَيْكَ بِهِ … فَهْوَ النَّجَاةُ لتَاليهِ مِنَ الضُلَلِ
وَلازِمِ السُّنَّةَ الغَرَّاءَ تَحْظَ بِهَا … وَعَدِّ عَنْ طُرُقِ الأَهْوَاءِ واعْتَزِلِ
وَجَانِبِ الخَوْضَ فِيمَا لَسْتَ تَعْلَمُهُ … وَاحْفَظْ لِسَانَكَ واحْذَرْ فِتْنَةَ الجَدَلِ
وكُنْ حَريصًا على كَسْب الحَلَالِ وَلَوْ … حَمَّلْتَ نَفْسُكَ فِيْه غَيْرَ مُحْتَملِ
واقنَعْ تَجدْ غُنْيَةً عن كل مَسْألَةٍ … فَفِي القَنَاعَةِ عِزٍّ غَيْرُ مُرْتَحِلِ
واطْلُبْ مِنَ الله واتْرُكْ مَنْ سِوَاهُ تَجدْ …
[ ١ / ١٦٦ ]
مَا تَبْتَغِيهِ بِلا مَنٍّ وَلَا بَدَلِ
ولا تُدَاهِنْ فَتىً مِنْ أَجْلِ نِعْمَتِهِ … يَوْمًا وَلَوْ نِلْتَ مِنْهُ غَايَةَ الأمَلِ
واعْمَلْ بِعِلْمِكَ لا تَهْجُرْهُ تَشْقَ بِهِ … وانْشُرْهُ تَسْعَدْ بِذِكْرٍ غَيْرِ مُنْخَذِلِ
وَمَن أَتَى لَكَ ذَنْبًا فَاعْفُ عَنْهُ وَلا … تَحْقُدْ عَلَيْهِ وفي عُتْبَاهُ لا تَطُلِ
عَسَاكَ بِالعَفْوِ أَنْ تُجْزَى إذَا نُشِرَتْ … صَحَائِفٌ لَكَ مِنْهَا صِرْتَ في خَجَلِ
وَلَا تَكُنْ مُضْمِرًا مَا لَسْتَ تُظْهُرُهُ … فَذَاكَ يَقْبحُ بَيْنَ النَّاسِ بالرَّجُلِ
ولا تَكُنْ آيِسًا وارْجُ الكَرِيمَ لِمَا … أَسْلَفْتَ مِنْ زَلَّةٍ لَكِنْ عَلَى وَجَلِ
وَقِفْ عَلَى بَابِهِ المَفْتُوحِ مُنْكَسِرًا … تَجْزِمْ بِتَسْكِينِ مَا فِي النَّفْسِ مِن عِلَلِ
وارْفَعْ لَهُ قِصَّةَ الشَّكوَى وسَلْهُ إِذَا … جُنَّ الظَّلامُ بِقَلْبٍ غَيْرِ مُشْتَغِلِ
ولازِمِ البَابَ واصْبِرْ لا تَكُنْ عَجِلًا … واخْضَعْ لَهُ وتَذَلَّلْ وَادْعُ وابْتَهِلِ
وَنَادِ يَا مَالِكِي قَدْ جِئْتُ مُعْتَذِرًا … عَسَاكَ بِالعَفْوِ والغُفْرَانِ تَسْمَحُ لِي
فَإِنَّنِي عَبْدُ سِوْءٍ قَدْ جَنَى سَفَهًا … وَضَيَّعَ العُمْرَ بَيْنَ النَّومِ والكَسَلِ
وغَرَّهُ الحِلْمُ والإِمْهَالُ مِنْكَ لَهُ … حَتَّى غَدَا في المَعَاصِي غَايَةَ المُثُلِ
وَلَيْسَ لِي غَيْرُ حُسْنِ الظَّنِّ فِيكَ فَإِنْ … رَدَدْتَنِي فَشَقَاءٌ كَانَ فِي الأَزَلِ
حَاشَاكَ مِنْ رَدِّ مِثْلِي خَائِبًا جَزِعًا … والعَفْوُ أَوْسَعُ يَا مَوْلاي مِنْ زَلَلي
وَلَمْ أكُنْ بِكَ يَومًا مُشْركًا وإلى … دينٍ سِوَى دينكَ الإِسْلامِ لَمْ أمِلِ
وكَانَ ذَلكَ فَضْلًا مِنْكَ جُدْتَ بِهِ … وَلَيْسَ ذَاكَ بِسَعْي كَانَ مِنْ قِبَلي
الله اعتقنا من رق الذنوب، وخلصنا من أشر النفوس، وأذهب عنا وحشة الإساءة، وطهرنا من دنس الذنوب، وباعد بيننا وبني الخطايا وأجرنا من الشيطان الرجيم.
[ ١ / ١٦٧ ]
اللهم طيبنا للقائك، وأهلنا لولائك وأدخلنا مع المرحومين من أوليائك، وتوفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين.
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وتلاوة كتابك، واجعلنا من حزبك المفلحين، وأيدنا بجندك المنصورين، وارزقنا مرافقة الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
فوائد ومواعظ وإرشادات وأحكام
قال ابن مسعود ﵁ إني لأكره أن أرى الرجل فارغًا لا في أمر دنياه ولا في أمر دينه.
وقال عمر بن الخطاب ﵁ لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق ويقول اللهم ارزقني فقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة.
وكان محمد بن مسلمة يغرس في أرضه فقال عمر ﵁ أصبت استغن عن الناس يكون أصون لدينك وأكرم لك عليهم.
وسئل إبراهيم النخعي عن التاجر الصدوق أهو أحب إليك أم المتفرغ للعبادة.
قال التاجر الصدوق أحب إلي لأنه في جهاد يأتيه الشيطان من طريق المكيال والميزان، ومن قبل الأخذ والعطا فيجاهده.
وقيل للإمام أحمد ما تقول فيمن جلس في بيته أو مسجده وقال لا اعمل شيئًا حتى يأتيني رزقي.
فقال أحمد هذا رجل جهل العلم أما سمع قول النبي - ﷺ -: «إن الله جعل رزقي تحت ظل رمحي» .
وقوله - ﷺ - حين ذكر الطير: «تغدوا خماصًا وتروح بطانا» فذكر أنها
[ ١ / ١٦٨ ]
تغدوا في طلب الرزق.
وكان أصحاب رسول الله - ﷺ - يتجرون في البر والبحر ويعملون في نخيلهم والقدوة بهم.
وجاءت ريح عاصفة في البحر فقال أهل السفينة لإبراهيم بن أدهم ﵀ وكان معهم في السفينة.
أما ترى هذه الشدة فقال ما هذه شدة إنما الشدة الحاجة إلى الناس.
وروي أن الأوزاعي لقي إبراهيم بن أدهم وعلى رأسه حزمة حطب فقال يا أبا إسحاق إلى متى هذا إخوانك يكفونك.
فقال دعني عن هذا يا أبا عمرو فإنه بلغني أنه من وقف موقف مذلة في طلب الحلال وجبت له الجنة.
وقال أبو سليمان الداراني ليس العبادة عندنا أن تصف قدميك، وغيرك يقوت لك، ولكن ابدأ برغيفيك فأحرزهما ثم تعبد. اهـ.
فالإنسان البصير يتسبب ويسترزق الله ويبيع ويشتري بإخلاص ونصح لنفسه وللمسلمين.
كان عند يونس بن عبيد حلل مختلفة الأثمان قسم منها قيمة الحلة أربعمائة، وقسم قيمة الحلة مئتان.
فذهب مبادرًا إلى الصلاة وخلف ابن أخيه في الدكان فجاء أعرابي وطلب حلة بأربعمائة.
فعرض عليه من حلل المئتين فاستحسنها ورضيها فاشتراها بأربعمائة وذهب بها.
فلقيه يونس فقال بكم اشتريت هذه فقال بأربع مائة فقال لا تساوي أكثر من مائتين فارجع حتى تردها.
[ ١ / ١٦٩ ]
فقال هذه تساوي في بلدنا خمسمائة وأنا ارتضيتها فقال له يونس انصرف فإن النصح في الدين خير من الدنيا وما فيها.
ثم رده إلى الدكان ورجع عليه مئتي درهم ووبخ ابن أخيه وقال له أما استحييت أما اتقيت الله تربح مثل الثمن وتترك النصح للمسلمين.
فقال والله ما أخذها إلا وهو راض بها قال فهلا رضيت له ما ترضاه لنفسك.
وكان يونس بن عبيد المذكور التابعي خزازًا (أي يبيع الخز) فطلب منه المشتري خزًا للشراء.
فأخرج غلامه سفط الخز ونشره ونظر إليه وقال اللهم ارزقنا الجنة.
فقال لغلامه رده إلى موضعه ولم يبعه، لأنه خاف أن يكون كلام الغلام تعريضًا بالثناء على السلعة ومدحًا لها فيكون من باب الغش والخداع.
اللهم يا من لا تضره المعصية ولا تنفعه الطاعة أيقظنا من نوم الغفلة ونبهنا لاغتنام أوقات المهلة ووفقنا لمصالحنا واعصمنا من قبائحنا ولا تؤاخذنا بما انطوت عليه ضمائرنا وأكنته سرائرنا من أنواع القبائح والمعاتب التي تعلمها منا، وامنن علنيا يا مولانا بتوبة تمحو بها عنا كل ذنب واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
(فصل)
وكان لمحمد بن المنكدر قطع قماش بعضها بخمسة وبعضها بعشرة فباع غلامه قطعة من القطع التي على خمسة بعشرة.
فلما علم محمد بذلك ذهب يطلب الذي اشترى من غلامه ليرد عليه
[ ١ / ١٧٠ ]
خمسة فلم يزل يطلبه طول النهار حتى وجده.
فقال له إن الغلام قد غلط باعك ما يساوي خمسة بعشرة.
فقال يا هذا أنا قد رضيت فقال له وإن رضيت فإنا لا نرضى لك إلا ما نرضاه لأنفسنا.
فاختر إحدى ثلاث خصال إما أن تأخذ بدلها من القطع التي على عشرة بدراهمك وإما نرد عليك خمسة وإما أن ترد القطعة وتأخذ دراهمك.
فقال أعطني خمسة فرجع عليه خمسة وأخذها وانصرف.
فقال من هذا الرجل الناصح لنفسه وللمسلمين فقالوا هذا محمد بن المنكدر ﵀. هذا من رقم واحد في الزهد والورع.
وكان ليونس بن عبيد غلام يجهز إليه السكر فكتب إليه مرة أن قصب السكر قد أصابته آفة هذه السنة فاشتر السكر قال فاشترى سكرًا كثيرًا.
فلما جاء وقته ربح فيه ثلاثين ألفًا فانصرف إلى منزله، فأفكر ليلته وقال ربحت ثلاثين ألفًا وخسرت نصح رجل من المسلمين.
فلما أصبح غدا إلى بائع السكر فدفع إليه ثلاثين ألفًا وقال بارك الله لك فيها فقال من أين صارت لي فقال إني كتمتك حقيقة الحال وكان السكر قد غلا في ذلك الوقت.
فقال رحمك الله قد أعلمتني الآن وقد طيبتها لك قال فرجع بها إلى منزله وتفكر وبات ساهرًا وقال ما نصحته فلعله استحيا مني فتركها لي.
فبكر إليه من الغد وقال عافاك الله خذ مالك إليك فهو أطيب لقلبي فأخذ منه ثلاثين ألفًا. هذا من رقم واحد في الورع والزهد.
ونقل عن بعض الورعين أنه اشترى كر لوز وهو ستون قفيزًا بستين دينارًا. وكتب في دفتره ثلاثة دنانير ربحه. وكأنه رأى أن يربح على العشرة
[ ١ / ١٧١ ]
نصف دينار فصار اللوز بتسعين.
فأتاه الدلال فطلب اللوز فقال خذه قال بكم قال بثلاثة وستين دينارًا.
فقال الدلال وكان من الصالحين الورعين قد صار اللوز بتسعين.
فقال قد عقدت عقدًا لا أحله لست أبيعه إلا بثلاث وستين.
فقال الدلال وأنا عقدت بيني وبين الله ألا أغش مسلمًا لست آخذه منك إلا بتسعين.
فتفرقا بدون بيع.
كل منهما ما يريد أن يفسد نيته وهذا من رقم واحد في الورع.
وباع ابن سيرين شاة فقال للمشتري إن فيها عيبًا "إنها تقلب العلف برجلها" قلت فعلى المسلم الناصح أن يبين لأخيه المسلم كل ما يعلمه في المبيع من العيوب ككون الدابة تأكل العذرة أو تأكل الخرق أو ما تحلب إلا على نوع من الطعام.
ويحكى أن واحدًا كان له بقرة يحلبها ويخلط لبنها بالماء ويبيعه فجاء سيل فغرق البقرة.
فقال أحد أولاده إن تلك المياه المتفرقة التي غشينا فيها اللبن اجتمعت دفعة واحدة فأغرقت البقرة.
وعن أحد التابعين أنه قال لو دخلت الجامع وهو غاص بأهله وقيل لي من خير هؤلاء لقلت أنصحهم لهم، فإذا قالوا هذا قلت هو خيرهم.
ولو قيل لي من شرهم قلت أغشهم لهم فإذا قيل هذا قلت هو شرهم.
وباع الحسن بن صالح وهو من رجال البخاري جارية فقال للمشتري إنها تنخمت عندنا دمًا.
وختامًا فعلى المسلم أن يجتنب بيع المنكرات والملاهي كالصور والتلفاز
[ ١ / ١٧٢ ]
والفيديو وجميع المحرمات والمنكرات وأواني الذهب والفضة لمن يستعملها.
والدخان وأوراق اللعب والطبول والمزامير وكل ما يشغل عن طاعة الله أو يعين على معاصي الله.
وينصح من يتعاطى هذه وأمثالها نسأل الله أن يعافينا وجميع المسلمين.
تَورَّعْ وَدَعْ مَا إِنْ يُريْبُكَ كُلَّهُ … جَمِيْعًا إِلَى مَا لا يَرِيْبُكَ تَسْلَمِ
وَحَافِظْ عَلَى أَعْضائِكَ السَّبْعِ جُمْلَةً … وَرَاعِ حُقُوقَ اللهِ فِي كُلِّ مُسْلِمِ
وَكُنْ رَاضِيًا بِاللهِ رَبًّا وَحَاكِمًا … وَفَوِّضْ إِلَيْهِ في الأَمُوْر وَسَلِّمِ
اللهم وفقنا لصالح الأعمال، ونجنا من جميع الأهوال، وأمنا من الفزع الأكبر يوم الرجف والزلزال، واغفر لنا ولوالدينا، ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
عن أبي برزة الأسلمي أن جليبيبا كان امرأ من الأنصار، وكان أصحاب النبي - ﷺ - إذا كان لأحدهم أيم (أي لا زوج لها) لم يزوجها حتى يعلم النبي - ﷺ -: هل له فيها حاجة أم لا؟
فقال رسول الله - ﷺ - ذات يوم لرجل من الأنصار: يا فلان زوجني ابنتك. قال: نعم ونعمة عين. قال: إني لست لنفسي أريدها قال: لمن؟ قال: لجليبيب. قال: يا رسول الله - ﷺ - حتى أستأمر (أي أشاورها) وأمها.
فأتاها فقال: إن رسول الله - ﷺ - يخطب ابنتك. قالت: نعم ونعمة عين، زوج رسول الله - ﷺ -.
قال: إنه ليس لنفسه يريدها. قالت: فلمن؟ قال: لجليبيب. قالت: حلقى ألجليبيب؟ لا لعمر الله لا أزوج جليبيًا.
[ ١ / ١٧٣ ]
فلما قام أبوها ليأتي النبي - ﷺ - قالت الفتاة من خدرها لأبويها: من خطبني إليكما؟ قالا: رسول الله - ﷺ - قالت: أفتردون على رسول الله - ﷺ - أمره؟ ادفعوني إلى رسول الله فإنه لن يضيعني.
فذهب أبوها إلى النبي - ﷺ - فقال: شأنك بها. فزوجها جليبيبا.
قال إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة لثابت: أتدري ما دعا لها به النبي - ﷺ -؟ قال: وما دعا لها به النبي ﵇؟
قال: اللهم صب عليها الخير صبًا ولا تجعل عيشها كدًا كدًا.
قال ثابت: فزوجها إياه، فبينما رسول الله - ﷺ - في مغزى له قال: هل تفقدون من أحد؟ قالوا: نفقد فلانًا ونفقد فلانًا ونفقد فلانًا.
ثم قال: هل تفقدون من أحد؟ قالوا: نفقد فلانًا ونفقد فلانًا.
ثم قال: هل تفقدون من أحد؟ قالوا: لا.
قال: لكني أفقد جليبيبا فطلبوه في القتلى.
فنظروا فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم ثم قتلوه.
فقال رسول الله - ﷺ -: هذا مني وأنا منه، أقتل سبعة ثم قتلوه هذا مني وأنا منه أقتل سبعة ثم قتلوه هذا مني وأنا منه.
فوضعه رسول الله - ﷺ - على ساعديه ثم حفروا له ما له سرير إلا ساعدي رسول الله - ﷺ - حتى وضعه في قبره.
لله در هذه الأنفس فما أعزها وهذه الهمم فما أرفعها؟
وَلَمَّا رَأوَا بَعْضَ الحَياةِ مَذلةً … عليهم وعِز الموتِ غَيرَ مُحَرَّمِ
أَبْوا أنْ يَذُوقُو العَيْشَ والذَمُّ وَاقعُ … عليه وماتُوا مِيْتَةً لَمْ تُذَمَّمِ
ولا عَجَبٌ لِلأَسْدِ إِنْ ظَفِرَتْ بِهَا … كِلابُ الأَعَادِي مِنْ فَصِيحٍ وَأَعَجَمِ
فَحَرْبةُ وحْشِىٍّ سَقَتْ حَمزةَ الرَّدَى …
[ ١ / ١٧٤ ]
وَحَتْفُ عَلىٍّ في حُسَامِ ابن مُلْجَمِ
روى مسلم في أفراده من حديث أنس بن مالك قال: انطلق رسول الله - ﷺ - وأصحابه إلى بدر حتى سبقوا المشركين، وجاء المشركون، فقال رسول الله - ﷺ -: «قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض» .
قال: عمير بن الحمام الأنصاري: يا رسول الله جنة عرضها السموات والأرض؟! قال: نعم. قال: بخ بخ يا رسول الله. فقال: ما يحملك على قولك بخ بخ؟ قال [لا] والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: فإنك من أهلها.
قال: فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكلهن ثم قال: إن أنا حييت حتى أكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة. فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتل حتى قُتل.
قال الواقدي: لما أراد عمرو بن الجموح الخروج إلى أحد، منعه بنوه، وقالوا: قد عذرك الله. فجاء إلى النبي - ﷺ - فقال: إن بني يريدون حبسي عن الخروج معك وإني لأرجو أن أطأ بعرجتي [هذه] في الجنة، فقال: "أما أنت فقد عذرك الله" ثم قال لبنيه: لا عليكم أن لا تمنعوه لعل الله ﷿ يرزقه الشهادة. فخلوا سبيله.
قالت امرأته هند بنت عمرو بن خزام: كأني أنظر إليه موليًا، قد أخذ درقته وهو يقول: اللهم لا تردني إلى خربي وهي منازل بني سلمة.
قال أبو طلحة: فنظرت إليه حين انكشف المسلمون ثم ثابوا، وهو في الرعيل الأول، لكأني أنظر إلى ضلع في رجله وهو يقول: أنا والله مشتاق إلى الجنة!.
ثم أنظر إلى ابنه خلاد [وهو] يعدو [معه] في أثره حتى قتلا جميعًا.
[ ١ / ١٧٥ ]
وفي الحديث أنه دفن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمر وأبو جابر في قبر واحد، فخرب السيل قبورهم، فحفر عنهم بعد ست وأربعين سنة فوجدوا لم يتغيروا كأنهم ماتوا بالأمس.
عن أنس بن مالك قال: كنا جلوسًا مع رسول الله - ﷺ - فقال: يطلع الآن عليكم رجل من أهل الجنة، فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوئه قد علق نعليه بيده الشمال.
فلما كان الغد قال النبي - ﷺ -: «مثل ذلك، فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى. فلما كان اليوم الثالث قال النبي - ﷺ - مثل مقالته أيضًا فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى فلما قام النبي - ﷺ - تبعه عبد الله بن عمرو، فقال: إني لاحيت أبي، فأقسمت أني لا أدخل عليه ثلاثًا، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي فعلت. قال: نعم".
قال أنس: فكان عبد الله يحدث أنه بات معه تلك الثلاث الليالي فلم يره يقوم من الليل شيئًا غير أنه إذا تعار تقلب على فراشه ذكر الله ﷿، وكبر حتى يقوم لصلاة الفجر.
قال عبد الله: غير أني لم أسمعه إلا خيرًا، فلما مضت الثلاث الليالي، وكدت أن احتقر عمله.
قلت: يا عبد الله لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجرة، ولكن سمعت رسول الله - ﷺ - يقول لك ثلاث مرات: يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة، فطلعت أنت الثلاث المرات، فأردت أن آوى إليك.
فأنظر ما عملك، فأقتدى بك، فلم أرك عملت كبير عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله - ﷺ -؟.
قال: ما هو إلا ما رأيت، فلما وليت دعاني فقال: ما هو إلا ما رأيت
[ ١ / ١٧٦ ]
غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشًا ولا أحسد أحدًا على خير أعطاه الله إياه.
فقال عبد الله: هذه التي بلغت بك، رواه أحمد بإسناد على شرط البخاري ومسلم والنسائي.
عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - بعث جيشًا فيهم رجل يقال له: حدير. وكانت تلك السنة قد أصابتهم سنة من قلة الطعام، فزودهم رسول الله - ﷺ - ونسى أن يزود حديرًا.
فخرج حدير صابرًا محتسبًا وهو في آخر الركب يقول: لا إله إلا الله، والله أكبر، والحمد لله، وسبحان الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ويقول: نعم الزاد هو يا رب. فهو يرددها وهو في آخر الركب.
قال: فجاء جبريل إلى النبي - ﷺ - فقال له: إن ربي أرسلني إليك يخبرك أنك زودت أصحابك ونسيت أن تزود حديرًا، وهو في آخر الركب يقول: لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله.
فدعا النبي - ﷺ - رجلًا فدفع إليه زاد حدير وأمره إذا انتهى إليه حفظ عليه ما يقول، وإذا دفع إليه الزاد حفظ عليه ما يقول، ويقول له: إن رسول الله - ﷺ - يقرئك السلام ورحمة الله، ويخبرك أنه كان نسي أن يزودك، وإن ربي ﵎ أرسل إلى جبريل يذكرني بك، فذكره جبريل وأعلمه مكانك.
فانتهى إليه وهو يقول: لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله، ويقول: نعم الزاد هذا يا رب. قال: فدنا منه ثم قال له: إن رسول الله - ﷺ - يقرئك السلام ورحمة الله وقد أرسلني إليك بزاد معي، ويقول: إني إنما نسيتك فأرسل إلى جبريل من السماء يذكرني بك. قال: فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي - ﷺ -.
[ ١ / ١٧٧ ]
ثم قال: الحمد لله رب العالمين، ذكرني ربي من فوق سبع سموات، ومن فوق عرشه، ورحم جوعي وضعفي، يا رب كما لم تنس حديرًا فاجعل حديرًا لا ينساك.
قال: فحفظ ما قال ورجع إلى النبي - ﷺ - فأخبره بما سمع منه حين أتاه، وبما قال حين أخبره، فقال رسول الله - ﷺ -: أما إنك لو رفعت رأسك إلى السماء لرأيت لكلامه ذلك نورًا ساطعًا ما بين السماء والأرض.
وعن محمد بن سعد قال: كان ذو البجادين يتيمًا لا مال له. فمات أبوه ولم يورثه شيئًا، وكفله عمه حتى أيسر.
فلما قدم النبي المدينة جعلت نفسه تتوق إلى الإسلام ولا يقدر عليه من عمه حتى مضت السنون والمشاهد.
فقال لعمه: يا عم إني قد انتظرت إسلامك فلا أراك تريد محمدًا، فأذن لي في الإسلام.
فقال: والله لئن اتبعت محمدًا لا أترك بيدك شيئًا كنت أعطيتكه إلا نزعته منك، حتى ثوبيك.
قال: فأنا والله متبع محمدًا وتارك عبادة الحجر، وها ما بيدي فخذه، فأخذ ما أعطاه حتى جرده من إزاره.
فأتى أمه فقطعت بجادًا لها باثنين فأتزر بواحد وارتدى بالآخر ثم أقبل إلى المدينة وكان بورقان فاضطجع في المسجد في السحر.
وكان رسول الله - ﷺ - يتصفح الناس إذا انصرف من الصبح فنظر إليه فقال: من أنت؟ فانتسب له، وكان اسمه عبد العزى. فقال: أنت عبد الله ذو البجادين.
ثم قال: انزل مني قريبًا. فكان يكون في أضيافه حتى قرأ قرآنًا كثيرًا.
[ ١ / ١٧٨ ]
فلما خرج النبي - ﷺ - إلى تبوك قال: ادع لي بالشهادة. فربط النبي - ﷺ - على عضده لحى سمرة وقال: اللهم إني أحرم دمه على الكفار.
فقال: ليس هذا أردت.
قال النبي - ﷺ -: إنك إذا خرجت غازيًا فأخذتك الحمى فقتلتك فأنت شهيد، أو وقصتك دابتك فأنت شهيد. فأقاموا بتبوك أيامًا ثم توفي.
قال بلال بن الحارث: حضرت رسول الله - ﷺ - ومع بلال المؤذن شعلة من نار عند القبر واقفًا بها.
وإذا رسول الله - ﷺ - وهو يقول: "أدنيا إلي أخاكما. فلما هيأه لشقه في اللحد قال: اللهم إني قد أمسيت عنه راضيًا فارض عنه".
فقال ابن مسعود: ليتني كنت صاحب اللحد.
وعن أبي وائل، عن عبد الله قال: والله لكأني أرى رسول الله - ﷺ - في غزوة تبوك وهو في قبر عبد الله ذي البجادين، وأبو بكر وعمر يقول: أدنيا إلى أخاكما.
وأخذه من القبلة حتى أسكنه في لحده ثم خرج النبي - ﷺ - وولياهما العمل.
فلما فرغ من دفنه استقبل القبلة رافعًا يديه يقول: "اللهم إني أمسيت عنه راضيًا فارض عنه".
وكان ذلك ليلًا فو الله لوددت أني مكانه، ولقد أسلمت قبله بخمس عشر سنة.
عن محمد بن سعد قال: أتى واثلة رسول الله - ﷺ - فصلى معه الصبح. وكان رسول الله - ﷺ - إذا صلى وانصرف تصفح أصحابه. فلما دنا من واثلة قال: من أنت؟ فأخبره.
فقال: ما جاء بك؟ قال: جئت أبايع. فقال رسول الله - ﷺ -: فيما أحببت
[ ١ / ١٧٩ ]
وكرهت؟ قال: نعم. قال: فيما أطقت؟ قال: نعم. فأسلم وبايعه.
وكان رسول الله - ﷺ - يتجهز يومئذ إلى تبوك فخرج واثلة إلى أهله فلقي أباه الأسقع فلما رأى حاله قال: قد فعلتها؟ قال: نعم. قال أبوه: والله لا أكلمك أبدًا.
فأتى عمه فسلم عليه فقال: قد فعلتها؟ قال: نعم. قال: فلامه أيسر من ملامة أبيه وقال: لم يكن ينبغي لك أن تسبقنا بأمر.
فسمعت أخت واثلة كلامه فخرجت إليه وسلمت عليه بتحية الإسلام. فقال واثلة: أني لك هذا يا أخية؟ قالت: سمعت كلامك وكلام عمك فأسلمت.
فقال: جهزي أخاك جهاز غاز فإن رسول الله - ﷺ - على جناح سفر. فجهزته فلحق برسول الله - ﷺ - قد تحمل إلى تبوك وبقي غبرات من الناس وهم على الشخوص.
فجعل ينادي بسوق بني قينقاع: من يحملني وله سهمي؟ قال: وكنت رجلا لا رحلة بي.
قال: فدعاني كعب بن عجرة فقال: أنا أحملك عقبة بالليل وعقبة بالنهار ويدك أسوة يدي وسهمك لي. قال واثلة: نعم.
قال واثلة: جزاه الله خيرًا لقد كان يحملني ويزيدني وآكل معه ويرفع لي حتى إذا بعث رسول الله - ﷺ - خالد بن الوليد إلى أكيدر بن عبد الملك بدومة الجندل.
خرج كعب في جيش خالد وخرجت معه فأصبنا فيئًا كثيرًا فقسمه خالد بيننا فأصابني ست قلائص فأقبلت أسوقها حتى جئت بها خيمة كعب بن عجرة فقلت: اخرج رحمك الله فانظر إلى قلائصك فاقبضها.
[ ١ / ١٨٠ ]
فخرج وهو يبتسم ويقول: بارك الله لك فيها ما حملتك وأنا أريد أن آخذ منك شيئًا.
عن بشر بن عبد الله عن واثلة بن الأسقع ﵁ قال: كنا أصحاب الصفة في مسجد رسول الله - ﷺ - وما فينا رجل له ثوب.
ولقد اتخذ العرق في جلودنا طرقًا من الغبار، إذ خرج علينا رسول الله - ﷺ - فقال: «ليبشر فقراء المهاجرين» ثلاثًا.
عن نعيم بن ربيعة بن كعب قال: كنت أخدم رسول الله - ﷺ - وأقوم له في حوائجه نهاري أجمع، حتى يصلي رسول الله - ﷺ - العشاء الآخرة.
فأجلس على بابه إذا دخل بيته، أقول: لعلها أن تحدث لرسول الله - ﷺ - حاجة. فما أزال أسمعه سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله وبحمده حتى أمل فأرجع أو تغلبني عيني فأرقد.
فقال لي يومًا لما رأى من حفتي (أي العناية والخدمة) له وخدمتي إياه، يا ربيعة سلني أعطك. قال: فقلت: أنظر في أمري يا رسول الله ثم أعلمك ذلك.
فقال: ففكرت في نفسي فعلمت أن الدنيا منقطعة وزائلة وأن لي فيها رزقًا سيأتيني، قال: فقلت أسأل رسول الله - ﷺ - لآخرتي فإنه من الله ﷿ بالمنزل الذي هو به.
فجئته فقال: ما فعلت يا ربيعة؟ فقلت: أسألك يا رسول الله أن تشفع لي إلى ربك فيعتقني من النار.
فقال: من أمرك بهذا يا ربيعة؟ فقلت: لا والذي بعثك بالحق ما أمرني به أحد ولكنك لما قلت سلني أعطك وكنت من الله بالمنزل الذي أنت به نظرت في أمري فعرفت أن الدنيا منقطعة وزائلة وأن لي فيها رزقًا سيأتيني.
فقلت أسأل رسول الله - ﷺ - لآخرتي. قال: فصمت رسول الله - ﷺ - طويلًا
[ ١ / ١٨١ ]
ثم قال لي: إني فاعل فأعني على نفسك بكثرة السجود.
وأخرجا في الصحيحين، من حديث قيس بن عبادة قال: كنت جالسًا في مسجد المدينة في ناس فيهم بعض أصحاب النبي - ﷺ -.
فجاء رجل في وجهه أثر خشوع، فقال بعض القوم: هذا رجل من أهل الجنة. فصلى ركعتين تجوز فيهما. ثم خرج فاتبعته فدخل منزله فدخلت فأخبرته.
فقال: لا ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم، وسأحدثك لم ذاك؟ رأيت رؤيا على عهد رسول الله - ﷺ - فقصصتها عليه.
رأيتني في روضة، وسط الروضة عمود من حديد، أسفله في الأرض وأعلاه عروة.
فقيل لي ارقه. فقلت: لا أستطيع. فجاءني منصف، يعني خادمًا، فقال بثيابي من خلفي، فأخذت بالعروة.
فقصصتها على رسول الله - ﷺ - فقال: تلك الروضة الإسلام، وذاك العمود عمود الإسلام، وتلك العروة، العروة الوثقى، وأنت على الإسلام حتى تموت، والرجل عبد الله بن سلام.
وعن أبي بردة بن أبي موسى قال: قدمت المدينة فأتيت عبد الله بن سلام، فإذا رجل متخشع، فجلست إليه فقال: يا بن أخي إنك جلست إلينا وقد حان قيامنا، أفتأذن؟
اللهم ارحم غربتنا في القبور وأمنا يوم البعث والنشور واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ١ / ١٨٢ ]
هذه قصيدة وعظية ألق لها سمعك
آخر:
انِسْتُ بِلأ واءِ الزمانِ وَذِلِهِ … فيا عِزَّةَ الدنيا عليكِ سَلامُ
إلىَ كَمْ أُعَانِي تِيْهَهَا ودَلَالَهَا … أَلَم يَأَنِ عَنْهَا سَلْوةُ وَسَآمُ
وقد أَخْلَقَ الأَيَامُ جِلْبِاب حُسْنِهَا … وَأضْحَتْ وديبَاجُ البَهَاءِ مَسَامُ
عَلَى حِيْنَ شَيْبٌ قد أَلَمَّ بِمَفْرِقِي … وعَادَ رُهَامُ الشَّعْرِ وهُوَ ثَغَامُ
طَلائِعُ ضَعْفٍ قَدْ أَغَارَتْ عَلَى القُوَى … وَثَارَ بِمَيْدَانِ المِزَاجِ قَتَامُ
فَلا هِي في بُرْجِ الجَمَالِ مُقِيْمَةٌ … ولا أَنَا في عَهْدِ المُجُونَ مُدَامُ
تَقَطَّعَتْ الأَسْبَابُ بَيْنِي وَبَيْنَها … وَلَمْ يَبْقَ فِيْنَا نِسْبَةٌ وَلِئَامُ
وعادَتْ قَلُوصُ العَزْمِ عَنِّي كَلِيْلَةً … وَقَدْ جُبَّ مِنْهَا غَارِبٌ وَسَنَامُ
كأَنِي بِهَا وَالقَلْبُ زُمَّتْ رِكَابهُ … وَقُوِّضَ أَبْيَاتٌ لَهُ وَخِيَامُ
وسِيْقَتْ إلى دَارِ الخُمُولِ حُمُولهُ … يَحُنُّ إليها والدُمُوعُ رُهَامُ
حَنِيْنَ عُجُول غَرَّهَا البَوُّ فَانْثَنَتْ … إِليْهِ وَفِيْهَا أَنَّةٌ وضُغَامُ
تَوَلَّتْ لَيَالٍ لِلْمَسَرَّاتِ وانْقَضَتْ … لِكُلِ زَمَانٍ غَايَةٌ وَتَمَامُ
فَسَرْعَانَ مَا مَرَّتْ وَوَلَّتْ وَلَيْتَهَا … تَدُوْمُ وَلَكِنْ مَا لَهُنَّ دَوَامُ
دُهُورٌ تَقَضَّتْ بِالمسَرَّاتِ سَاعَةً … وَيَومٌ تَوَلَّى بِالمَسَاءَةِ عَامُ
فَلِلِّهِ دَرُّ الغَمِّ حَيْثُ أَمَدَّنِي … بِطُولِ حَيَاةٍ وَالهُمُومُ سِهَامُ
أَسِيْرُ بِتَيْمَاءِ التَّحَيُرِ مُفْرَدًا … وَلِي مَعَ صَحْبِيْ عِشْرَةٌ وَنَدَامُ
وَكَمْ عِشْرَةٍ مَا أوْرَثَتْ غَيْرَ عُسْرَةٍ … وَرُبَّ كَلامِ في القُلُوبِ كُلامُ
فَمَا عِشْتُ لا أَنْسَى حُقُوقَ صَنِيْعِهِ … وَهَيْهَاتَ أَنْ يُنْسَى لَدَيَّ ذِمَامُ
كَمَا اعْتَادَ أَبْنَاءُ الزَّمَانِ وَأَجْمَعَتْ …
[ ١ / ١٨٣ ]
عَلَيْهِ فِئَامٌ إِثْرَ ذَاكَ قِيَامُ
خَبَتْ نَارُ أَعْلامِ المَعَارِفِ والهُدَى … وَشُبَّ لِنِيْرَانِ الضَّلالِ ضُرَامُ
وكَانَ سَرِيرَ العِلْمِ صَرْحًا مُمِرَّدًا … يُنَاغِي القِبابَ السَّبْعَ وَهْيَ عِظامُ
مَتيْنًا رَفيْعًا لا يُطَارُ غُرابُهُ … عَزيْزًا مَنِيْعًا لا يَكَادُ يُرَامُ
يَلوحُ سَنَا بَرْقِ الهُدَى مِن بُرُوْجِهِ … كَبَرْقٍ بَدَا بَيْنَ السَّحَابِ يُشَامُ
فَجَرَّتْ عَلَيْهِ الراسِيَاتُ ذُيُولَهَا … فَخَرَّتْ عُرُوشٌ مِنْهُ ثُمَّ دَعَامُ
وسِيْقَ إلىَ دَارِ المهَانَةِ أَهْلُهُ … مَسَاقَ أَسَيْرٍ لا يَزَالُ يُضَامُ
كَذَا تَجْرِي الأَيْامُ بَيْنَ الوَرَى عَلَى … طَرَائِقَ مِنْهَا جائِرٌ وقوامُ
فَما كُلُّ مَا قَدْ قِيْلَ عِلْمٌ وحِكْمَةٌ … وما كُلُّ أَفْرَادِ الحَدِيْدِ حُسَامُ
ولِلْدَّهْرِ ثاراتٌ تَمْرُّ عَلَى الفَتَى … نَعِيْمٌ وَبُؤْسٌ، صِحَّةٌ وَسَقَامُ
ومَن يَكُ في الدُنيا فَلَا يَعْتِبَنَّهَا … فَلَيْسَ عَلَيْهَا مُعْتَبٌ وَمَلامُ
أَجِدَّكَ مَا الدنيا وماذَا مَتَاعُهَا … وَماذَا الذي تَبْغِيْهِ فَهْوَ حُطَامُ
تَشَكَّلَ فِيْهَا كُلُّ شَيءٍ بِشَكْلِ مَا … يُعَانِدُهُ والنَّاسُ عَنْهُ نِيَامُ
تَرَى النَّقْصَ في زِيِ الكَمَالِ كَأَنَّمَا … عَلَى رَأَسٍ رَبَّاتِ الحِجَالِ عِمَامُ
فَدَعْهَا ونَعْمَاهَا هَنِيْئًا لأَهِلْهَا … وَلاتَكُ فِيْهَا رَاعيًا وسَوَامُ
تَعَافُ العَرانِيْنُ السِمَّاطَ عَلَى الخِوى … إذَا ما تَصَدَّى لِلْطَّعَامِ طَغَامُ
عَلَى أَنَّهَا لا يُسْتَطَاعُ مَنَالُهَا … لِمَا لَيْسَ فِيْهِ عُرْوَةٌ وَعِصَامُ
ولَوْ أَنْتَ تَسْعَى إِثْرَهَا أَلْفَ حَجَّةٍ … وَقَدْ جَاوَزَ الطِبْيَيْنِ مِنْكَ حِزَامُ
رَجَعْتَ وَقَدْ ضَلَّتْ مَساعِيْكَ كَلُّها … بِخُفَيْ حُنَينٍ لا تَزَالُ تُلامُ
هَبْ إِنَّ مَقَالِيْدَ الأُمُورِ مَلَكْتَهَا … ودَانَتْ لَكَ الدُنْيا وَأَنْتَ هُمَامُ
ومُتِّعْتَ باللذاتِ دَهْرًا بِغِبْطَةٍ …
[ ١ / ١٨٤ ]
أَلَيْسَ بِحَتْمٍ بَعْدَ ذَاكَ حِمَامُ
فَبَيْنَ البَرايَا والخُلُودِ تَبَايُنٌ … وَبَيْنَ المنايَا والنُّفُوسُ لِزَامُ
قَضيَّة انْقَادَ الأَنَامُ لِحكْمِهَا … وما حَادَ عَنْهَا سَيِدٌ وَغُلامُ
ضرورية تقضي العقولُ بِصدْقها … سَلْ إن كانَ فيها مِرْيَةٌ وخِصَامُ
سَل الأَرْضَ عن حالِ الملوكِ التي خَلَتْ … لهم فَوقَ فَوقَ الفرقدين مَقَامُ
بأبوابهم لِلوافِدِين تَراكُم … باعتابِهم للعاكِفين زِحامُ
تُجْبكَ عن أسرار السيوفِ التي جَرَتْ … عَليْهم جَوابًا لَيْسَ فِيه كَلامُ
بِأَنَّ المنايَا أَقَصْدَتهُم نِبَالُها … وما طَاشَ عن مَرْمَى لَهُنَّ سِهَامُ
وَسِيقُوا مَسَاق الغابِرينَ إلى الردى … وأقفرَ منهم مَنزَلٌ وَمَقَامُ
وحَلُوا محلًا غَيْرَ ما يَعهدُونه … فَلَيْسَ لهم حتى القيام قِيَامُ
أَلَمَّ بِهم رَيبُ المنونِ فَغَالَهُم … فهم بَيْنَ أَطباقِ الرُغَامِ رُغَامُ
انتهى
(فصل)
اعلم وفقنا الله وإياك وجميع المسلمين لما يحبه ويرضاه أن من رضي عن نفسه استحسن حالها وسكن إليها ومن استحسن حال نفسه وسكن إليها استولت عليه الغفلة.
وبالغفلة ينصرف قلبه عن التفقد والمراعاة لخواطره فتثور حينئذ دواعي الشهوة على العبد.
وليس عنده من المراقبة والملاحظة والتذكير ما يدفعها به ويقهرها.
فتصير الشهوة غالبة له بسب بذلك ومن غلبته شهوته وقع في المعاصي.
[ ١ / ١٨٥ ]
وأصل ذلك كله رضاه عن نفسه ومن لم يرض عن نفسه لم يستحسن حالها ولم يسكن إليها.
ومن كان بهذا الوصف كان متيقظًا متنبهًا للطوارئ وبالتيقظ والتنبه يتمكن من تفقد خواطره ومراعاتها.
وعند ذلك تخمد نيران الشهوة فلا يكون لها غلبة ولا قوة فيضعف العبد حينئذ بصفة العفة.
فإذا صار عفيفًا كان مجتنبًا لكل ما نهاه الله عنه محافظًا على جميع ما أمره به وهذا هو معنى الطاعة لله ﷿ وأصل هذا كله عدم الرضا عن نفسه.
فإذا يجب على الإنسان أن يعرف نفسه ويلزم من ذلك عدم الرضا عنها وبقدر تحقق العبد في معرفة نفسه يصلح له حاله ويعلوا مقامه.
وكان العلماء المخلصون يذمون نفوسهم ويتهمونها ولا يرضون عنها.
قال بعضهم من لم يتهم نفسه على دوام الأوقات ولم يخالفها ولم يجرها إلى مكروهها فهو مغرور ومن نظر إليها باستحسان شيء منها فقد أهلكها.
وكيف يرضى عنها عاقل وهي الأمارة بالسوء وقال بعض العلماء لا تسكن إلى نفسك وإن دامت طاعتها لك في طاعة الله.
وقال آخر: ما رضيت عن نفسي طرفة عين.
وقال آخر: إن من الناس ناس لو مات نصف أحدهم ما انزجر النصف الآخر ولا أحسبني إلا منهم.
وقال آخر: فائدة الصحبة إنما هي للزيادة في الحال وعدم النقصان فيها فإياك وصحبة من لا ينهضك حاله ولا يدلك على الله مقاله.
فصحبة من يرضى عن نفسه وإن كان عالمًا شر محض ولا فائدة فيها
[ ١ / ١٨٦ ]
لأن علمه في الغالب غير نافع له.
وجهله الذي أوجب رضاه عن نفسه صار غاية الضرر لأنه فاته العلم الذي يريه عيبه حتى لا يرضى عن نفسه الأمارة بالسوء.
وقال ابن القيم ﵀ لما ذكر النفس الأمارة بالسوء قال منها أن يعرف أنها جاهلة ظالمة وأن الجهل والظلم يصدر عنهما كل قول وعمل قبيح.
ومن وصفه الجهل والظلم لا مطمع في استقامته واعتداله البتة فيوجب له ذلك بذل الجهد في العلم النافع الذي يخرجها به عن وصف الجهل والعمل الصالح الذي يخرجها به عن وصف الظلم ومع هذا فجهلها أكثر من علمها وظلمها أعظم من عدلها.
فحقيق بمن هذا شأنه أن يرغب إلى خالقها وفاطرها أن يقيه شرها وأن يؤتيها تقواها ويزكيها فهو خير من زكاها وأن لا يكله إليها طرفة عين فإنه إن وكله إليها هلك فما هلك من هلك إلا حيث وكل إلى نفسه.
وقال النبي - ﷺ - لحصين بن المنذر: «قل اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي» . وفي خطبة الحاجة: «ونعوذ بالله من شرور أنفسنا» . وقد قال تعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] . وقال: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣] .
فمن عرف حقيقة نفسه وما طبعت عليه علم أنها منبع كل شر ومأوى كل سوء وأن كل خير فيها ففضل من الله من به عليها لم يكن منها كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور: ٢١] .
وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ
[ ١ / ١٨٧ ]
إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات: ٧] . فهذا الحب وهذه الكراهة لم يكونا في النفس ولا بها.
ولكن هو الله الذي مَنَّ بهما فجعل العبد بسببهما من الراشدين ﴿فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحجرات: ٨] . عليم بمن يصلح لهذا الفضل ويزكوا عليه وبه ويثمر عنده حكيم فلا يضعه عند غير أهله انتهى بتصرف يسير.
فعلى العاقل اللبيب محاسبة نفسه دائمًا والمحاسبة هي مطالعة القلب وأعمال اللسان وأعمال الجوارح.
فاجعل ذنوبك نصب عينيك فإن غفلت عنها اجتمعت بسرعة وكثرت.
وتأمل وفكر فلو أنك وضعت في كل معصية تحدثها حجرًا في دارك لامتلأ بيتك في مدة يسيرة.
فمثلًا عندك غيبة أو عندك كذب أو عندك رياء أو عندك عقوق أو قطيعة رحم أو ظلم لمسلم أو لنفسك أو لأهلك أو لأولادك أو لجيرانك أو تعامل معاملة لا تجوز.
أو عندك كفار خدام أو سواقين أو عندك ملاهي كالتلفاز والفيديو أو عندك صور أو تشرب الدخان أو حلق لحية أو إسبال أو تشبه بكفار أو سفر لبلادهم.
أو لك أولاد يدرسون عندهم برضا منك أو أكلك وشربك ولبسك من شركات تتعامل بالربا أو أن عملك لا تؤديه كاملًا مكملًا وتأخذ ما عليه كاملًا.
أو لا تتنسخ من الزكاة أو نحو ذلك مما لا يحصره العد.
[ ١ / ١٨٨ ]
فتيقظ وحاسب نفسك وفتش عليها بدقة وأسأل الله الحي القيوم أن يتجاوز عنك.
فإِنْ تَنْجُ مِنْهَا تَنْجُ مِن ذِي عَظيمَةٍ … وإِلَّا فِإنِّي لا إخَالُكَ نَاجِيًا
قال ﵎: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] . قيل إن هذه الآية أعظم آية في المؤاخذة. ولما نزلت بكى عبد الله بن عمر ﵄ فقال ابن عباس يرحم الله أبا عبد الرحمن وإن الله ﵎ يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] .
وقال ابن القيم ﵀ فمن له بصيرة بنفسه وبصيرة بحقوق الله وهو صادق في طلبه لم يبق له نظره في سيئاته حسنة البتة فلا يلقى الله إلا بالإفلاس المحض والفقر الصرف.
لأنه إذا فتش عن عيوب نفسه وعيوب عمله علم أنها لا تصلح لله وأن تلك البضاعة لا تشترى بها النجاة من عذاب الله فضلًا عن الفوز بعظيم ثوابه.
فإن خلص له عمل وحال مع الله وصفا له معه وقت شاهد منة الله عليه به ومجرد فضله وأنه ليس من نفسه ولا هي أهل لذاك.
فهو دائمًا مشاهد لمنة الله عليه ولعيوب نفسه وعمله لأنه متى تطلبها رآها وهذا من أجل أنواع المعارف وأنفعها للعبد.
ولذلك كان سيد الاستغفار «اللهم أنت ربي لا إله إلا أَنْتَ خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» .
[ ١ / ١٨٩ ]
فتضمن هذا الاستغفار الاعتراف من العبد بربوبية الله وإلهيته وتوحيده والاعتراف بأنه خالقه العالم به إذ أنشأه نشأة تستلزم عجزه عن أداء حقه وتقصيره فيه والاعتراف بأنه عبده الذي ناصيته بيده وفي قبضته لا مهرب له منه ولا ولي له سواه.
ثم التزم الدخول تحت عهده وهو أمره ونهيه الذي عهده إليه على لسان رسوله - ﷺ - وإن ذلك بحسب استطاعتي لا بحسب أداء حقك فإنه غير مقدور للبشر إنما هو جهد المقل وقدر الطاقة.
ومع هذا فأنا مصدق بوعدك ثم أنزع إلى الاستعاذة والاعتصام بك من شر ما فرطت فيه من أمرك ونهيك فإنك إن لم تعذني من شره وإلا أحاطت بي الهلكة فإن إضاعة حقك سبب الهلاك وأنا أقر لك والتزم وأبخع بذنبي.
فمنك المنة والإحسان والفضل ومني الذنب والإساءة فأسألك أن تغفر لي بمحو ذنبي وأن تعفيني من شره إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت فلهذا كان هذا الدعاء سيد الاستغفار.
وهو متضمن لمحض العبودية فأي حسنة تبقى للبصير الصادق مع مشاهدته عيوب نفسه وعمله ومنة الله عليه فهذا هو الذي يعطيه نظره إلى نفسه ونقصه اهـ.
قال بعض الزهاد لا يكون العبد من المتقين حين يحاسب نفسه أشد من محاسبة الشريك لشريكه والشريكان يتحاسبان بعد العمل.
وقال الحسن المؤمن قوام على نفسه يحاسبها لله تعالى وإنما خف الحساب على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا وإنما شق الحساب على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة.
وفي حديث أبي طلحة أنه لما شغله الطين في صلاته فتدبر شغله فجعل
[ ١ / ١٩٠ ]
حائطه صدقة لله تعالى ندمًا ورجاء لعوض مما فاته وتأديبًا لنفسه.
المهم أن يعلم العبد أن أعدى عدو له نفسه التي بين جنبيه وقد خلقت أمارة بالسوء أمارة بالشر فرارة من الخير.
والإنسان مأمور بتزكيتها وتقويمها وقودها بسلاسل العبر إلى عبادة ربها وخالقها ومنعها عن لذاتها وشهواتها المهلكة.
فإن أهملها شردت وجمحت ولم يظفر بها بعد ذلك وإن لازمها بالتوبيخ والتقريع والمعاتبة والعذل والملامة ولم يغفل عن تذكيرها وعتابها اعتدلت بإذن الله تعالى.
والنَّفْسُ كَالطِفْلِ إِنْ تُهْمِلْهُ شَبَّ عَلَى … حُبِّ الرَّضَاعِ وَإِنْ تَفْطِمْهُ يَنْفَطِمِ
ورَاعِهَا وَهي في الأعْمَالِ سَائمةً … وَإِنْ هِيَ اسْتَحْلَتِ المَرْعَى فلا تُسِمِ
كَمْ حَسَّنَتْ لَذَّةً لِلْمَرْءِ قَاتِلَةً … مِنْ حَيْثُ لَمْ يَدْرِي أَنَّ السُّم في الدَّسَمِ
فالعاقل اللبيب من يوبخ نفسه ويعاتبها ويوضح لها عيوبها كلها ويقرر عندها جهلها وحماقتها فإنها إذا أراد الله تعذر وترعوي وترجع.
فيقول لها ما أعظم جهلك تدعين الحكمة والفطنة وأنت من أجهل الناس وأحمقهم.
وأكبر برهان على ذلك إهمالك واستهانتك أما تعرفين ما بين يديك من الأهوال والعظائم والمزعجات والمخاوف.
أما تقرئين وتسمعين قول أصدق القائلين وأوفى الواعدين وأقدر القادرين ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَّهِيلًا﴾ [المزمل: ١٤] .
وقوله تعالى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ
[ ١ / ١٩١ ]
الذِّكْرَى يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: ٢٤] .
وقوله عز من قائل: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: ١٣] .
وقوله جل وعلا: ﴿مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِن مَّاء صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: ١٧] .
وقوله ﵎: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤] .
وقوله جل وعلا ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات: ٣٣] .
ونحو هذه الآيات المخوفة ثم يقول لنفسه فمالك تفرحين وتضحكين وتشتغلين باللهو وأنت مطلوبة لهذا الأمر العظيم والخطب الجسيم وبين يديك إحدى منزلتين الجنة أو النار فكيف يهنؤك نوم أو يلذ لك مأكول أو مشروب وأنت لا تدرين في أي الفريقين تكونين "فريق في الجنة وفريق في السعير".
وكَيْفُ تَنَامُ العَينُ وهي قَريْرَةٌ … وَلَمْ تَدْرِ في أيِّ المَكانيْنِ تَنْزلُ
وقل لها أما تعلمين أن كل ما هو آت قريب وأن البعيد ما ليس آت.
أما تعلمين أن الموت يأتي بغتة من غير تقديم رسول ومن غير مواعدة وأنه لا يأتي في شتاء دون صيف ولا في صيف دون شتاء ولا في نهار دون ليل ولا في ليل دون نهار ولا يأتي في الصبا دون الكبر ولا في الكبر دون الصبا.
بل كل نفس يمكن أن يأتيها الموت بغتة فإن لم يأت الموت بغتة جاءه المرض لا محالة ثم المرض يفضي إلى الموت.
فما لك يا نفس لا تستعدين والموت أقرب إليك من حبل الوريد.
[ ١ / ١٩٢ ]
فهكذا معاملة الزهاد والعباد في توبيخ أنفسهم وعتابها فإن مطلبهم من المناجاة الاسترضاء ومقصودهم من المعاتبة التنبيه والاسترعاء.
فمن أهمل معاتبة نفسه وتوبيخها وأهمل مناجاتها لم يكن لنفسه مراعيًا فنسأل الله العظيم الحي القيوم معرفة حقيقة بأحوال أنفسنا وغرورها.
وختامًا فالعاقل من بذل وسعه في التفكر التام وعلم أن دار الدنيا رحلة فجمع للسفر رحله.
فمبدأ السفر من ظهور الآباء إلى بطون الأمهات ثم إلى الدنيا ثم إلى القبر ثم الحشر ثم إلى دار الإقامة الأبدية.
فدار الإقامة للمؤمن هي دار السلام من جميع الآفات وهي دار الخلود والعدو سبانا منها إلى دار الدنيا.
فالواجب علينا الاجتهاد في فكاك أسرنا ثم في حث السير إلى الوصول إلى دارنا الأولى في مثل هذا قيل:
فحَيَّ على جَنَّاتِ عَدْنٍ فإنَّها … مَنَازلُكَ الأُوْلَى وفيها المُخَيَّمُ
وَلَكِنَّنَا سَبْي العَدُوِّ فَهَل تَرَى … نُرَدُّ إِلى أَوْطَانِنَا وَنُسَلَّمُ
آخر:
تَرَكْتُ هَوَى لَيْلَى وَسُعْدَى بِمَعْزِل … وعُدْتُ إلى تَصْحِيحِ أَوْلَ مَنْزِلِ
وَنَادَتْ بي الأشْوَاقُ مَهْلًا فَهَذِهِ … مَنَازِلُ مَنْ تهوى رُوَيْدَكِ فَانْزلِ
ثم أعلم أن مقدار السير في الدنيا يسير ويقطع بالأنفاس كما قيل:
وما نَفَسٌ إِلَّا يُبَاعِدُ مَوْلِدًا … ويُدْنِي المَنَايَا لِلنُّفوس فَتَقْرُبُ
ويسير الإنسان في هذه الدنيا سير السفينة لا يحس بسيرها وهو جالس فيها كما قيل:
وإنَّا لَفِي الدنيا كَرَكْبِ سَفِيْنَةٍ …
[ ١ / ١٩٣ ]
تَظُنُّ وقُوْفًا والزمانُ بها يَجْرِى
ويقول الآخر:
نَسِيْرُ إلى الآجالِ في كُلّ لَحْظَةٍ … وَأَيَّامُنَا تُطْوَى وهُنَّ مَرَاحِلُ
والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
فصل
اعلم أيها الأخر أن جميع مصيبات الدنيا وشرورها وأحزانها كأحلام نوم أو كظل زائل.
إن أضحكت قليلًا أبكت كثيرًا وإن سرت يومًا أو أيامًا ساءت أشهرًا أو أعوامًا وإن متعت قليلًا منعت طويلًا.
وما حصل للعبد فيها من سرور إلا أعقبه أحزان وشرور كما قيل: "من سره زمن ساءته أزمان".
وقال بعض العلماء لبعض الملوك إن أحق الناس بذم الدنيا وقلاها من بسط له فيها وأعطي حاجته منها.
لأنه يتوقع آفة تعدو على ماله فتجتاحه، أو على جمعه فتفرقه، أو تأتي سلطانه فتهدمه من قواعده.
أو تدب إلى جسمه فتسقمه، أو تفجعه بشيء هو ضنين به من أحبابه.
فالدنيا أحق بالذم هي الآخذة لما أعطت، والراجعة لما وهبت.
بينما هي تضحك صاحبها إذا هي تضحك منه غيره.
وبينما هي تبكي له إذ بكت عليه.
وبينما هي تبسط كفه بالإعطاء إذ بسطتها بالاسترداد.
[ ١ / ١٩٤ ]
تعقد التاج على رأس صاحبها اليوم وتعفره بالتراب غدًا.
سواء عليها ذهاب ما ذهب وبقاء ما بقي تجد في الباقي من الذاهب خلفا وترضى بكل بدلًا.
شعرًا:
بأَمْرِ دُنْياك لا تَغْفُلْ وكُنْ حَذِرًا … فَقَدْ أَبانَتْ لأَرْباب النُّهَي عِبَرًا
فأيُّ عَيْشٍ بِهَا ما شَابَهُ غِيَرٌ … وَأَيُّ صَفْوٍ تَنَاهَى لَم يَصِرْ كَدِرًا
كَمْ سَالِم أَسْلَمَتْهُ لِلرَّدَى فَقَضَى … حَتْفًا وَلَم يَقْضِ مِن لَذَّاتها وَطِرًا
ومُتْرَفٍ قَلَبَتْ ظَهْرَ المِجَنِّ لَهُ … فَعَادَ بَعْدَ عُلوِّ القَدْرِ مُحْتِقَرًا
فابْعِدَنْهَا ولا تَحْفَلْ بِزخُرُفِهَا … وَغُضَّ طَرْفَكَ عَنْهُ قَلَّ أو كَثُرًا
فَكُلُّ شَيءٍ تَرَاهُ العَيْنُ مِن حَسَنٍ … كَرُ الأَهِلَّةِ لا يُبٍقي لَهُ أَثَرًا
واصْحَبْ وصَلّ وَوَاصِلْ كُلّ أَونَةٍ … عَلَى النبي سَلامًا طَيِّبًا عَطِرًا
وَصَحْبِهِ ومَنِ اسْتَهْدَى بِهَدْيِهِمُوْا … فَهُمْ أَئِمَّةُ مَن صَلَّى ومَن ذَكَرًا
ثم اعلم أيها الأخ أن من بورك له في عمره أدرك في يسير الزمن من منن الله ما لا يدخل تحت دوائر العبارة.
فبركة العمر أن يرزق الله العبد من الفطنة واليقظة ما يحمله على الجد والاجتهاد على اغتنام أوقات عمره وانتهاز فرصة إمكانه.
فيبادر إلى الأعمال القلبية والأعمال البدنية ويستفرغ في ذلك مجهوده بالكلية وكل ذلك في عمر قصير وزمن يسير.
والخذلان كل الخذلان أن تتفرغ من الشواغل ثم لا تتوجه إلى الله جل وعلا.
ومن الخذلان أيضًا أن تصدك العوائق والشواغل عن التوجه إلى الله تعالى.
[ ١ / ١٩٥ ]
والواجب عليك أن تبادر إلى التوجه إلى الله بالأعمال الصالحة وأن ترمي بالعوائق والشواغل خلف ظهرك.
وقد قيل سيروا إلى الله عرجًا ومكاسير ولا تنتظروا الصحة فإن انتظار الصحة بطالة والعاقل من بادر إلى الأعمال الصالحة قال الشاعر حاثًا على اغتنام الوقت:
وخُذ مِن قَرِيْبٍ واسْتَجِبْ واجْتَنِبْ غَدًا … وشَمِّرْ عن السَّاقِ اجْتِهَادًا بِنَهْضَةِ
وَكُنْ صَارِمًا كَالْوَقْتِ فالمَقْتُ في عَسَى … وإيَّاكَ مَهْلًا فَهْيَ أَخْطَرُ عِلَّةِ
وسِرْ زَمنًا وانْهَضْ كَسِيْرًا فَحَظُّكَ الـ … ـبَطَالَةُ مَا أَخَّرْتَ عَزْمًا لِصِحِّةِ
وَجُذَّ بسَيْفِ العَزْمِ سَوْفَ فإنْ تَجُدْ … تَجِدْ نَفَسًا فَالنَّفْسُ إِنْ جُدْتَ جَدَّتِ
اللهم انظمنا في سلك عبادك المخلصين ووفقنا للقيام بأركان دينك القويم ونجنا من لفحات الجحيم وأسكنا في جنات النعيم واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(فصل)
قال ابن الجوزي تباعد عن أهل السوء وباعد أولادك عنهم لا يعادونك بأفعالهم وأقوالهم وطباعهم ولا يزال يقسو قلبك حتى يستأنس بهم فهناك الهلاك.
والسوء يتفاوت فمن أهله أهل الفواحش ومنهم أهل اللهو ومنهم أهل الغيبة والنميمة ومنهم أهل الملاهي وآلات الطرب.
فإنهم يسبون أهل العقول عقولهم حتى ينحلوا عن دينهم ومروءتهم
[ ١ / ١٩٦ ]
فيعسر عليهم الخلاص لما يجدونه من لذة النغمات والأصوات.
حتى يكون عادة وطبعًا فربما يجلس الرجل إليهم وهو كاره لسماع لغوهم مستوحش من نفسه ثم لا يزال على ذلك حتى يراه حسنًا.
من كيد الشيطان أن يورد ابن آدم الموارد التي يخيل إليه أن فيها منفعته ثم يصدره المصادر التي فيها عطبه ويتخلى عنه ويسلمه للهلاك ويقف يتشمت به ويضحك منه.
فيأمره بالسرقة والقتل واللواط والزنا ويدل عليه ويفضحه قال الله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ﴾ [الحشر: ١٦] .
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَاءتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٤٨] .
ذكر ابن القيم ﵀ الأسباب التي يعتصم بها من الشيطان. الأول: الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم. قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٦] . والمراد بالسمع هنا سمع الإجابة لا السمع العام.
الثاني: قراءة المعوذتين فإن لهما تأثيرًا عجيبًا في الاستعاذة بالله من شر الشيطان ودفعه.
ولهذا قال النبي - ﷺ -: «ما تعوذ المتعوذون بمثلهما وكان - ﷺ - يتعوذ بهما كل ليلة عند النوم» .
وأمر عقبة بن عامر أن يتعوذ بهما دبر كل صلاة وذكر - ﷺ - أن من قرأهما
[ ١ / ١٩٧ ]
مع سورة الإخلاص ثلاثًا حين يمسى وثلاثًا حين يصبح كفتاه من كل شر.
الثالث: قراءة آية الكرسي.
الرابع: قراءة سورة البقرة ففي الصحيح عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إن البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان»
الخامس: خاتمة سورة البقرة فقد ثبت في الصحيح عنه - ﷺ - أنه قال: «من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه» .
السادس: أول سورة حم المؤمن إلى قوله: ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر: ٣]، ففي الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله - ﷺ - من قرأ حم المؤمن إلى قوله: ﴿غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر: ٣] . وآية الكرسي حين يصبح حفظ بهما حتى يمسي، ومن قرأهما حين يمسي حفظ بهما حتى يصبح.
السابع: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة.
ففي الصحيحين أن رسول الله - ﷺ - قال: «من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة. كانت عدل عشر رقاب وكتب له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكان حرزًا له من الشيطان» .
يومه ذلك حتى يمسي ولم يأت أحد بأفضل منه إلا رجل عمل أكثر من ذلك.
الثامن: وهو أنفع الحروز من الشيطان كثرة ذكر الله ﷿ وهذا بعينه هو الذي دلت عليه سورة الناس.
فإنه وصف الشيطان فيها بأنه الخناس الذي إذا ذكر العبد ربه انخنس
[ ١ / ١٩٨ ]
فإذا غفل عن ذكر الله ألتقم القلب وألقى إليه الوساوس.
فما أحرز العبد نفسه من الشيطان بمثل ذكر الله ﷿.
الحرز التاسع: الوضوء والصلاة وهذا من أعظم ما يحترز العبد به ولا سيما عند الغضب والشهوة فإنها نار تصلى في قلب ابن آدم.
كما روى الترمذي عن النبي - ﷺ - أنه قال ألا وإن الغضب جمرة في قلب ابن آدم فما أطفأ العبد جمرة الغضب والشهوة بمثل الوضوء والصلاة.
فإن الصلاة إذا وقعت بخشوعها والإقبال على الله فيها أذهبت أثر ذلك جملة وهذا أمر تجربته تغني عن إقامة الدليل عليه.
الحرز العاشر: إمساك فضول الكلام فإنها تفتح أبوابًا من الشر كلها مداخل للشيطان فإمساك فضول الكلام يسد عنك تلك الأبواب.
والله أعلم وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
فوائد ونصائح ومواعظ وحكم وآداب ووصايا
من أخلاق المؤمن حسن الحديث، وحسن الاستماع إذا حدث، وحسن البشر إذا لقي، ووفاء بالوعد إذا وعد ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه.
سوء الخلق سبب النكد في الحياة والشرور والآثام، فعلى العاقل اللبيب أن يعرف الأخلاق السيئة ليجتنبها، وهي كثيرة ولا يخلو أحد منها فتفقد نفسك وأزل ما فيها.
فمن ذلك المكر، والخديعة والخيانة والغش، والكذب، والغيبة، والنميمة، والسعاية، والظلم والرياء والعقوق، والقطيعة، والكبر، والعجب، والزهو، والأنفة من المسكنة.
[ ١ / ١٩٩ ]
والنفاق، والخيانة، والغدر، والحسد، والغل، والحقد، والشماتة، والبغضاء، وسوء الظن، والتجسس على المسلمين.
وإضمار السوء، والتربص بالدوائر ومساعدة الهوى، ومخالفة الحق والرضى بالهوى والحب والبغض بالهوى، والجفاء.
والقسوة، وقلة الرحمة، والحرص، والشره والطمع والطيرة، والطغيان بالمال، والفرح بإقبال الدنيا، واستقلال الرزق.
واحتقار النعم، والاحتقار بمصائب الدين، واستعظام الدنيا، والحزن على ما فات منها.
والاستهانة بعلم الله ﷿ عند فعلك للذنب والاستهانة بسماعه ما يصدر منك من المعاصي قولًا وفعلًا.
وقلة الحياء من اطلاع الله عليك ومن اطلاع من عن اليمين وعن الشمال قعيد.
وأنت لو أطلع عليك مخلوق ضعيف وأنت تعمل معصية الله لانزعجت.
فتنبه لذلك وراقب الله جل وعلا وتقدس وكن منه على حذر.
تَوَارَى بِجُدْرَانِ البُيُوتِ عَن الوَرَى … وَأَنْتَ بِعَيْنِ الله لا شَك تُنْظَرُ
وقال ابن القيم ﵀:
وَهُوَ الحليمُ فَلا يُعَاجِلُ عَبْدَهُ … بَعَقُوبِةٍ لِيَتُوبَ مِن عِصْيانِ
لَكِنَّهُ يُلْقِي عَليه سِتْرَهُ … فَهو السَّتِيْرُ وَصَاحِبُ الغُفْرانِ
وهُوَ العَفَّوُ فعَفْوُهُ وسِعَ الوَرَى … لَوْلاهُ غَارَ الأرْضُ بالسُّكَانِ
وَهُوَ الصَّبُورُ عَلَى أَذَى أَعْدَائِهِ … شَتَمُوهُ بَلْ نَسَبُوهُ لِلْبُهْتَانِ
قَالُوا لَهُ ولَدٌ وَلَيْسَ يُعِيْدُنَا … شَتْمًا وَتَكْذِيْبًا مِن الإِنسانِ
هَذَا وَذَاكَ بِسَمْعِهِ وَبِعِلْمِهِ …
[ ١ / ٢٠٠ ]
لَوْ شَاءَ عَاجَلهُم بِكُلِّ هَوَانِ
لَكِنْ يُعَافِيْهِم ويَرْزُقُهُم وَهُمْ … يُؤْذُونَهُ بِالشِرْكِ وَالكُفْرانِ
قال بعض العلماء إخواني إذا تقرب الناس إلى الله ﷿ بأنواع البر الظاهرة مثل الجهاد والحج والصوم والزكاة والصدقة وتلاوة القرآن وغير ذلك.
فنافسوهم فيها واجعلوا أعظم الرغبة في طاعة القلوب التي لا يطلع عليها الإنس ولا الملائكة ولا الجن، ولا يعلمها إلا علام الغيوب.
فإن القليل من أعمال البر كثير لسلامته من الرياء وجميع المكدرات.
ألا فتقربوا إلى الله بطاعة القلوب فإن فيها المعرفة بعظمة الله وكبريائه وجلاله وقدرته وعظيم قدره سبحانه.
وتقربوا إليه بمحابه، وبغض مكارهه والرضا والغضب له وفيه، وتقربوا إليه بشدة الحب له.
والحب فيه والبغض من أجله، وتقربوا إلى الله بالمعرفة بأياديه الحسنة ونعمه الظاهرة والباطنة، وأفعاله الجميلة.
ومننه المتواترة على تواتر الإساءة منا، وهو جل وعلا وتقدس يعود بأنواع النعم علينا.
ألا فتقربوا إليه بالخوف من زوال النعم، وشدة الحياء من التقصير في الشكر.
وتقربوا بالوجل من مكر الله تعالى والإشفاق على إيمانكم.
وتقربوا إلى الله بشدة الخوف منه.
وحقيقة الرجاء فيه، والسرور بذكره، ومناجاته، والشوق إليه، والرغبة في جواره.
وتقربوا إلى الله بصدق اليقين والتوكل عليه والثقة به والطمأنينة إليه
[ ١ / ٢٠١ ]
والأنس به والانقطاع إليه.
وتقربوا إليه بالوفاء ولين الجانب والجناح والتواضع والخشوع والخضوع.
وتقربوا إليه بالحلم والاحتمال وكظم الغيظ وتجرع المرارة.
وتقربوا إليه بسلامة الصدر وإرادة الخير للأمة وكراهة الشر لهم.
وتقربوا إلى الله بالرأفة والرحمة والشفقة والحوطة على المسلمين.
وتقربوا إليه بالجود والكرم والتفضل والإحسان وصدق الوفاء.
وتقربوا إليه بالقناعة والعفاف والكفاف والرضى بالبلغة واليأس من نائل الناس.
وتقربوا إليه بالتدبر لكتابه وتفهمه والعمل به والإخلاص.
وتقربوا إليه بمجاهدة إبليس -لعنه الله- ومخالفة الهوى والنفس الأمارة بالسوء والتفقد لأحوالكم والتقوى في كل أموركم وتقربوا إلى الله بأداء الأمانات.
وتقربوا إليه بالإحسان إلى المسيء والإيثار على أنفسكم وإن كان بكم خصاصة.
وارغبوا في مكارم الأخلاق.
وتقربوا إلى الله بالتواضع والابتعاد عن الترفع على عباد الله المؤمنين.
وتقربوا إلى الله بالفرح بمصائب الدنيا، والرضا بقضاء الله وقدره.
وتقربوا إلى الله بالاستعداد للموت والبعث والنشور والحساب والميزان.
أَلَمْ تَر أنَّ المرء يِحبسُ ماله … وَوَراثِةُ فيه غدًا يَتَمَتَّعُ
كَأَنَّ الحماة المشفقين عَلَيْكَ … قَدْ غَدَوا بكَ أَوْ رَاحُوا رَوَاحًا فَأَسْرَعُوا
وما هُوَ إِلا النَّعْشُ لَوْ قَدْ أَتَوَا بِهِ …
[ ١ / ٢٠٢ ]
تُقَلَّ فَتَلْقَى فوْقَهُ ثُم تُرْفَعُ
وَمَا هُوَ إلا حَادِث بَعْدَ حَادثٍ … عَلَيْكَ فَمِنْ أَيِّ الحَوَادِثِ تَجْزِعُ
وَمَا هُوَ إِلا المَوْتُ يَأتِي لِوَقْتِهِ … فَمَالكَ في تَأخِيْرهِ عَنْكَ مَدْفَعُ
أَلا وإذا وُدِّعْتَ تَوْدِيْعَ هَالِكٍ … فَآخِرُ يَوْمٍ مِنْكَ يَوْمٌ تُوَدَّعُ
أَلا وَكَمَا شَعَّيْتَ يَوْمًا جَنَائِزًا … فَأَنْتَ كَمَا شَيَّعْتَهُم سَتُشَيَّعُ
رَأَيْتُكَ في الدُنْيَا عَلَى ثِقَةٍ بِهَا … وَإِنَّكَ في الدُنْيَا لأَنْتَ المُرَوَّعُ
وَصَفْتَ التُّقَى وَصْفًا كَأَنَّكَ ذُو تُقَى … وَرِيْحُ الخَطَايَا مِنْ ثِيَابِكَ تَسْطَعُ
وَلَمْ تُعْنَ بِالأَمْرِ الذي هُوَ وَاقِعُ … وَكُلُّ امْرئٍ يَعْنَي بِمَا يَتَوقَّعُ
وَإِنَّكَ لَلْمَنْقُوْصِ في كُلُّ حَالةٍ … وَكلُّ بَني الدُّنْيَا عَلى النَّقْصِ يُطْبَعُ
وَمَا زِلْتُ أَرْمى كُلُّ يَوْمٍ بِعْبِرَةٍ … تَكادُ لَهَا صُمُّ الجِبَالِ تَصَدَّعُ
فَمَا بَالُ عَيْنِي لا تَجُوْدُ بِمَائِهَا … وَمَا بَالُ قَلْبِي لا يَرِقُّ وَيَخْشَعُ
تَبَارَكَ مَنْ لا يَمْلِكُ المُلْكَ غَيْرُهُ … مَتَى تَنْقَضي حَاجَاتُ مَنْ لَيْسَ يَقْنَعُ
وَأَيُّ امْرِءٍ في غَايَةٍ لَيْسَ نَفْسُهُ … إِلى غَايَةٍ أُخْرَى سِوَاهَا تَطَلَّعُ
وَبَعُْض بَنِي الدُّنْيَا لِبَعْضٍ ذَرِيْعَةٌ … َوَكُلٌّ بِكُل قَلَّمَا يَتَمَتَّعُ
يُحِبُّ السَّعِيْدُ العَدْلَ عِنْدَ احْتِجَاجِهِ … َوَيَبْغِي الشَّقِيُّ البَغْيَ والبَغْيُ يَصْرَعُ
اللهم ثبتنا على نهج الاستقامة وأعذنا من موجبات الحسرة والندامة يوم القيامة وخفف عنا ثقل الأوزار، وارزقنا عيشة الابرار واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصل الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ١ / ٢٠٣ ]