عباد الله إن أمامكم يوم لا كالأيام يوم فيه من الأهوال والشدائد والكروب ما يشيب الولدان وتذهل فيه المرضعة عما أرضعت يوم يتغير فيه العالم وينتهي نظامه الذي نراه.
فتنثر الكواكب وتتساقط وتطوى السماء كطي السجل للكتب يزيلها الله وتبدل الأرض غير الأرض وتمد كما أخبر الله تعالى وينفخ في الصور فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين.
وحينئذ يحشر الكافر أعمى لا يبصر أصم لا يسمع أبكم لا ينطق يمشي على وجهه ليعلم من أول الأمر أنه من أهل الإهانة ويكون أسود الوجه أزرق العينين في منتهى العطش في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ليس بينه وبين الشمس إلا مقدار ميل.
إذ ذاك يقف مبهوتا ذاهل العقل شاخص البصر يتمنى أن يكون ترابا ثم يؤمر به إلى النار ويسلك في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا وبعد دخوله فيها لا يخرج منها أبدا ولا يزداد إلا عذابا ولا يفتر عنه.
[ ٢ / ١٢ ]
إن استغاث يغاث بماء كالمهل يشوي الوجوه ويذيب الأمعاء ويحرق الجلود تحيط به النار من كل جهاته لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش كلما نضج جلده بدل جلدا غيره.
وكلما أراد أن يخرج منها قمع بمقامع من حديد كل هذا العذاب يعانيه ولا يموت ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ لا يموت فيها ولا يحيا وسواء صبر أم لم يصبر هو خالد في جهنم خلودا لا انتهاء له أبدا.
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ أُتي بفرس يجعل كل خطو منه أقصى بصره فسار وسار معه جبريل ﵇.
فأتى على قومٍ يزرعون في يوم ويحصدون قي يوم كلما حصدوا عاد كما كان فقال يا جبريل من هؤلاء؟ قال هؤلاء المجاهدون قي سبيل الله تضاعف لهم الحسنة بسبعمائة ضعف وما أنفقوا من شيء فهو يخلفه.
ثم أتى على قوم ترضخ رؤوسهم بالصخر كلما رضخت عادت كما كانت ولا يفتر عنهم من ذلك شيء قال يا جبريل من هؤلاء؟ قال هؤلاء الذين تثاقلت رؤوسهم عن الصلاة.
ثم أتى على قوم على أدبارهم رقاع وعلى أقبالهم رقاع يسرحون كما تسرح الأنعام إلى الضريع والزقوم ورضف جهنم قال ما هؤلاء يا جبريل؟ قال هؤلاء الذين لا يؤدون صدقات أموالهم وما ظلمهم الله وما الله بظلام للعبيد، ثم أتى على رجل قد جمع حزمة عظيمة لا يستطيع حملها وهو يريد أن يزيد عليها قال يا جبريل ما هذا؟ قال هذا رجل من أمتك عليه أمانة الناس
[ ٢ / ١٣ ]
لا يستطيع أداءها وهو يريد أن يزيد عليها.
ثم أتى على قوم تقرض شفاههم وألسنتهم بمقاريض من حديد كلما قرضت عادت كما كانت لا يفتر عنهم من ذلك شيء قال يا جبريل ما هؤلاء؟ قال خطباء الفتنة.
ثم أتى على حجر صغير يخرج منه ثور عظيم فيريد الثور أن يدخل من حيث خرج فلا يستطيع قال ما هذا يا جبريل؟ قال هذا الرجل يتكلم بالكلمة العظيمة فيندم عليها فيريد أن يردها فلا يستطيع.
ثم أتى على واد فوجد ريحا طيبة ووجد ريح مسك مع صوت فقال ما هذا؟ قال صوت الجنة تقول يا رب ائتني بأهلي وبما وعدتني فقد كثر غرسي وحريري وسندسي وإستبرقي وعبقريي ومرجاني وفضتي وذهبي وأكوابي وصحافي وأباريقي وفواكهي وعسلي ومائي ولبني وخمري ائتني بما وعدتني.
قال لك كل مسلم ومسلمة ومؤمن ومؤمنة ومن آمن بي وبرسلي وعمل صالحا ولم يشرك شيئا ولم يتخذ من دوني أندادا فهو آمن ومن سألني أعطيته ومن أقرضني جزيته ومن توكل علي كفيته إني أنا الله لا إله إلا أنا لا خلف لميعادي قد أفلح المؤمنون تبارك الله أحسن الخالقين فقالت رضيت. ثم أتى على واد فسمع صوتا منكرا فقال يا جبريل ما هذا الصوت؟
قال هذا صوت جهنم تقول يا رب ائتني بأهلي وبما وعدتني فقد كثرت سلاسلي وأغلالي وسعيري وحميمي وغساقي وغسليني وقد بعد قعري واشتد حري ائتني بما وعدتني قال لك كل مشرك ومشركة وخبيث وخبيثة وكل جبار لا يؤمن بيوم الحساب قالت قدر رضيت، رواه البزار عن أبي العالية -
[ ٢ / ١٤ ]
أو غيره- عن أبي هريرة في الترغيب والترهيب جـ ٤ ص ٤٥٤ في كتاب صفة الجنة والنار.
عن أبي سعيد ﵁ عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «ويل واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره» .
وعنه ﵁ عن النبي ﷺ قال في قوله تعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قال: (جبل من نار يكلف الكافر أن يصعده فإذا وضع يده عليه ذابت فإذا رفعها عادت وإذا وضع رجله عليه ذابت فإذا رفعها عادت يصعد سبعين خريفا ثم يهوي كذلك) رواه أحمد والحاكم وقال صحيح الإسناد.
اللهم ثبت قواعد الإيمان في قلوبنا وشيد فيها بنيانه ووطد فيها أركانه وألهمنا ذكرك وشكرك ووفقنا بطاعتك وامتثال أمرك وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.