عباد الله نحن في زمن لا نسيء إذا عددنا أكثر أهله من ضعفاء المتدينين الذين غلبت عليهم المداهنة والتملق والكذب، راجع حال السلف المؤمنين حقا وانظر حالنا النوم، تعجب من الفرق المبين.
كان هذا المال بأيديهم بكثرة، ومع ذلك لا يدور عليه الحول، لأنهم نصب أعينهم قوله تعالى: ﴿وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ
[ ٢ / ١٥ ]
الصَّالِحِينَ﴾ [طه: ١٠]، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنًّا وَلَا أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٢] .
مطمئنين إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩] كانوا إذا وصل إليهم المال يصيبهم قلق حتى يتصدقوا به على حد قول الشاعر:
قَالَتْ طُرَيْفَةُ لا تَبْقَى دَرَاهِمُنَا … وَمَا بِنا صَلَفٌ فِيْهَا وَلا خَرَقُ
لَكِنْ إِذَا اجْتَمَعَتْ يَومًا دَرَاهِمُنَا … ظَلَّتْ إلى طُرُقِ المَعْرُوفِ تَسْتَبِقُ
لا يَأْْلَفُ الدِّرْهَمْ المَضْرُوبُ صُرَّتَنَا … لَكِنْ يَمُرُّ عَلَيْهَا وَهُوَ مُنْطَلِقُ
آخر:
أَلَمْ تَرَى أنَّ المَالَ يُهْلِكُ أَهْلَهُ … إِذَا جَمَّ آتِيْهِ وَسُدَّتْ طَرِيْقُهُ
وَمَنْ جَاوَزْ المَاءَ الغَزِيْرَ مَسِيْلُهُ … وَسُدَّتْ مَجَارِي المَاءِ فَهوَ غَرِيْقُهُ
وجاء الإسلام ودار الندوة بيد حكيم بن حزام فباعها من معاوية بمائة ألف درهم فقال له عبد الله بن الزبير بعت مكرمة قريش قال: ذهبت المكارم إلا من التقوى يا ابن أخي إني اشتريت بها دارًا بالجنة أشهدك أني جعلت ثمنها في سبيل الله، تأمل يا أخي سيرة الرجال الذين عرفوا الدنيا حقيقة لعلك تقتدي بهم فتربح الدنيا والآخرة.
وكانوا إذا عرض لهم أحد وأبدى لهم احتياجه يرون غفلتهم عنه من النقائص والعيوب الفاحشات على حد قول الشاعر:
وَتَرْكي مُوَاسَاة الأخِلاءِ بالذِي … تَنَالُ يَدِي ظُلْمٌ لَهُم وَعُقُوقُ
[ ٢ / ١٦ ]
وَإِنِّي لأَسْتَحيي مِن اللهِ أَنْ أَرَى … بِحَالِ اتْسَاعٍ وَالصَّدِيْقُ مُضَيَّقُ
أين هذا وأين حالنا اليوم وقد بخلنا بحق المال الزكاة وهي حق الفقراء والمساكين … الخ.
وكانوا إذا فاتتهم تكبيرة الإحرام مع الإمام ربما غشي عليهم من ألم هذا المصاب العظيم وكانوا يعزون من فاتته تكبيرة الإحرام ومن باب أولى وأخرى من فاتته الجماعة أو الجمعة ويندر وجود ذلك منهم.
أين هذا من حال مجتمعنا اليوم الذي ترى الكثير منهم يجافي عليه الباب ويشرب الشاي أو الدخان أبا الخبائث والناس يصلون.
وكثير من الذين يصلون مع الجماعة تجدهم يحرصون على الإتيان إذا ظنوا أنها أقيمت الصلاة ويقصدون النقارين الذين لا يتركون في الصلاة ولا يطمئنون فيها ولا يتمكن المأموم من قراءة الفاتحة التي لا صلاة لمن لم يقرأ بها ولا يتمكن من الإتيان بالتشهد كاملًا.
فإن دل هذا على شيء فإنما يدل على أنهم لا يفهمون الصلاة ولا المقصود منها ولو فهموها تمامًا لصارت قرة أعينهم ولا استراحوا بها واستعانوا بها على الدين والدنيا.
وكانوا أي السلف ممن يحن إلى بيت الله يتمتعون به في كل عام، ولذلك تعد لأحدهم أربعين حجة، وأزيد، أين هذا ممن يسافرون إلى بلاد الكفرة بلاد الحرية محكمة القوانين أعداء الإسلام وأهله.
ومع ذلك يبعثرون الفلوس العظيمة، التي سيناقشون عنها داخلة وخارجة ضد ما عليه آباؤهم من هجران من جاء بلاد الكفر غير مهاجر قال
[ ٢ / ١٧ ]
- ﷺ -: «أنا بريء من مسلم بين أظهر المشركين» وقال: «من جامع المشركين وسكن معهم فإنه مثلهم» . بلغ يا أخي من يدرسون على الكفار والعياذ بالله.
وكان السلف يشتاقون إلى الصيام، وبعضهم يصومون ستة أيام من شوال، وثلاثة من كل شهر، ويوم الاثنين، والخميس، وبعضهم يصوم كصيام داود ﵇، يوم يصوم، ويوم يفطر.
أما نحن فيا ليته يسلم لنا رمضان من المفسدات والمنقصات وهيهات. وكانت المساكن لا تهمهم يسكنون فيما تيسر.
عن مالك بن دينار أنه حضر رجلًا يبني دارًا وهو يعطي العمال الأجرة فمد يده فأعطاه درهمًا فطرح الدرهم في الطين فتعجب الرجل وقال كيف تطرح الدرهم في الطين؟ فقال: أعجب مني أنت لأنك طرحت كل دراهمك في الطين يعني ضيعتها في البناء، ومر علي بن أبي طالب ﵁ بالعلا بن زياد فرأى سعة داره فقال له ما كنت تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا وأنت إليها في الآخرة كنت أحوج.
وكان نوح ﵇ في بيت من شعر ألف سنة فقيل له يا رسول الله لو اتخذت بيتًا من طين تأوي إليه قال أنا ميت فلم يزل فيه حتى فارق الدنيا وقيل إنه قال بيت العنكبوت كثير على من يموت.
وقال أبو هريرة بئس بيت الرجل المسلم بيت العروس يذكر الدنيا وينسي الآخرة، وكان لشقيق البلخي خص يكون هو ودابته فيه فإذا غزا هدمه وإذا رجع بناه. بلغ يا أخي أهل الفلل والعمائر وقل عن قريب
[ ٢ / ١٨ ]
ستسكنون في مسكن ثلاث أذرع فقط ويسد عليكم فيه لا تخرجون منه إلا مع الناس ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج٤٣]
شعرًا:
تَبْنِي المَنَازْلَ أَعمارٌ مُهَدَّمةٌ … مِن الزَّمَانِ بِأنفاسٍ وَساعاتِي
آخر:
أَمَّا بُيوتُكَ في الدُّنْيَا فَوَاسِعَةٌ … فَلَيْتَ قَبْرَكَ بَعد الموتِ يَتْسِعُ
كانوا إذا سمعوا الموعظة، أو مروا بحدّاد يوقد نارًا، صعقوا وربما مكثوا بلا وعي، أيامًا، أو أشهرًا متتاليات، وقد سمعت بأناس قتلتهم المواعظ أما نحن فتتلى علينا الآيات من كتاب الله ولا كأنها مرت على قلوبنا من الانهماك بالدنيا والغفلة أصبحت لا تؤثر فيها العظات.
كانوا يتعاونون على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويلتفون كتلة واحدة ويأخذون على يد السفيه أما نحن فنثبط ونقول لمن يريد المساعدة ما أنت بملزم اتركهم.
كانوا ينصحون أهل المعاصي، ويهجرونهم، إذا أصروا على المعاصي ولو كانوا ممن لهم منزلة ومكانة في قلوب كثير من أهل الدنيا وكانوا لا تأخذهم في الله لومة لائم وهممهم عالية وأنفسهم رفيعة لا يخشون إلا الله لا يتملقون ولا يداهنون ولا يخضعون إلا لله قال بعضهم:
قَالُوا نَرَى نَفَرًا عِنْدَ المُلُوكِ سَمَوْا … وَمَا لَهُمْ هِمَّةٌ تَسْمُوا وَلا وَرَعُ
وَأَنْتَ ذُو هِمَّةٍ في الفَضْلِ عَالِيةٍ … فَلِمْ ظَمِئْتَ وَهُم في الجَاهِ قَدْ كَرَعُوْا
[ ٢ / ١٩ ]
فَقُلْتُ بَاعُوا نُفُوسًا وَاشْتَرَوا ثَمَنًا … وَصُنْتُ نَفْسِي فَلَمْ أَخْضَعْ كَمَا خَضَعُوْا
قَدْ يُكْرَمُ القِرْدُ إِعَجَابًا بِخِسَّتِهِ … وَقَدْ يُهَانُ لِفَرْطِ النَّخْوَةِ السَّبُعُ
هذا الذي كان من سلفنا الكرام نحو أهل المعاصي والمنكرات.
أما نحن فنتركهم ونقول ذنوبهم على جنوبهم، وربما جالسناهم، وواكلناهم، وعظمناهم، كما تسمع الكثير يقولون للمجاهر بالمعاصي كشارب الدخان، وحالق اللحية، ومستعمل آلات اللهو، يا معلم يا أستاذ يا سيد والواجب هجره ليرتدع فإنا لله وإنا إليه راجعون.
اللهم وفقنا لما وفقت إليه القوم وأيقظنا من سنة الغفلة والنوم وارزقنا الاستعداد لذلك اليوم الذي يربح فيه المتقون اللهم وعاملنا بإحسانك وجد علينا بفضلك وامتنانك واجعلنا من عبادك الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. اللهم ارحم ذلنا بين يديك واجعل رغبتنا فيما لديك، ولا تحرمنا بذنوبنا، ولا تطردنا بعيوبنا، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.