عباد الله لقد أصبح الناس وما يتعلق بالدنيا أهم عندهم بكثير مما يتعلق بالدين، فإنا لله وإنا إليه راجعون، في ليلهم ونهارهم مشغولين شغل العاشقين المستغرقين، كأنهم ما خلقوا إلا لها، وأما الدين فلا يخطر على بالهم، وإن خطر فطيف يمر مر السحاب، أثر بعضهم على بعض في هذا الانهماك العظيم، وذلك أن الشيطان بلغ في تهوين الدين عندهم الغاية ومما يدلك على ذلك أنك ترى الشخص يرتد عن الدين فلا يسأل ولا يناقش، ولذلك نزعت البركة من أعمارنا وأعمالنا وأموالنا وأولادنا، وأصبحنا وقد ضرب الذل علينا سرادقه ونحن كأنا لسنا من الأحياء، أما عدم البركة في أعمارنا، فلأن أحدنا يمر عليه الشهر والعام لا ترى لحياته من أثر، في الإصلاح وتوجيه المنحرفين، والقيام التام المثمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسعي في إزالة ما يمس الدين مما حل في بلاد المسلمين من المنكرات والمفاسد والشرور، ولو سألت
[ ٢ / ٢٨ ]
أحدنا هل لك من حياتك أثر نافع لتلجلج في الكلام، ينظر وراءه فلا يرى أثرًا، ويتبين له أن الأيام مرت سدى تتلوها الأيام، هذا من عدم البركة في أعمارنا، وأما عدم البركة في أعمالنا فلأن أحدنا ما دام مستيقظًا يتحرك ولا تنقطع أقواله ولا أفعاله، ولكنها تدور بين حرام أو مكروه، أو عبث لا يليق أن يصدر من الرجال، فتجد الكذب والنميمة والقذف والغيبة والتملق والنفاق والرياء وتعظيم العصاة المجاهرين بها ونحو ذلك، وأما عدم البركة في أموالنا فلأن أحدنا يكون عنده المال الكثير فتراه يبعثره في سبيل شهواته وملذاته الفاجرة أو يكنزه ولا يخرج منه الزكاة، وإن عرضت عليه مشروعًا دينيًا فر منك مذعورًا فأي بركة تكون في مثل هذا المال، وأما عدم البركة في أولادنا فلأنهم في صغرهم يكونون شياطين يتعبون في التربية آباءهم وأمهاتهم، فإذا شبوا شغلوا بشهواتهم عما يجب عليهم للوالدين من صنوف البر وأكثرهم يكون طول حياته حربًا على والديه يريهما أنواع الاهانات، والأذايا وأي بركة في أولاد هذا حالهم مع والديهم والله أعلم أن نزع البركة من كل ذلك عقوبة لنا على إقبالنا على الدنيا وإعراضنا عن الدين فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
اللهم ثبت وقو محبتك في قلوبنا واشرح صدورنا ونورها بنور الإيمان واجعلنا هداة مهتدين وألهمنا ذكرك وشكرك واجعلنا ممن يفوز بالنظر إلى وجهك في جنات النعيم يا حليم ويا كريم واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ٢ / ٢٩ ]