عباد الله –الدنيا ملأى بالمصائب والآلام، والأحزان والأسقام غناها فقر وعزها ذل. والآجال فيها معدودة والأعمار محدودة، قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]
نعيمها إلى فناء وعيشها إلى انقضاء متاعُها قليل، وحسابها طويل –الخلود فيها لا يكون لإنسان والبقاء الدائم لا يكون إلا للديان الذي يقول: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧]
فالسعيد من استعد ليوم الرحيل، وجهز نفسه بالعمل الصالح لسفر طويل، وتفكر فيمن سبقوه إلى دار القرار، وعلم أنه لا حق بهم مهما حاول الفرار، والأمر بعد ذلك إما نعيم مقيم أو شقاء وعذاب أليم.
فيا من بنيت الآمال وقصرت في الصالح من الأعمال، تنبه للموت، فإن نسيانه ضلال مبين، كم من صديق لك مات في ريعان شبابه، وكم شيعت إلى الدار الآخرة من أحبابه، تذكر يا مغرور ساعة الاحتضار وخروج الروح والأولاد حولك يبكون والنساء تنوح، يناديك ولدك، أبتي إني بعدك مسكين، وتصرخ الزوجة يا زوجي إلى أين الرحيل وهل من رجعة أو غيابك طويل.
فتغرغر عيناك بالدموع ويلجم منك اللسان، وتحاول النطق فيتعذر عليك الكلام، وتطلب النجاة ولكن ﴿وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:: ١٩]
إذا علمت هذا يا أخا الإسلام، فكيف يكون حال أبنائك من بعدك. ذل بعد عز وحرمان بعد حنان ينظرون إلى الأبناء مع آبائهم فيحزنون،
[ ٢ / ٣٠ ]
ويذكرون عطف أبيهم فيبكون، ليلهم نهار، ونهارهم ليل.
أعيادهم أتراح وأحزان، وأفراحهم هموم وأشجان، يتلفتون على أحباب أبيهم وأصدقائه، علهم يجدون عندهم الحنان ويشتهون ضمة أو قبلة كما يفعل الآباء بالغلمان والولدان.
فإن كنت يا مسلم في حياتك بارًا بمن فقدوا آباءهم، عطوفًا على اليتامى. تمسح دموعهم بخيرك، وتعاملهم كولدك تدخل السرور على قلوبهم الحزينة بما تقدمه لهم من الهدايا والإحسان، وما تظهره لهم من حب وعطف ورعاية وحنان، إن فعلت هذا في حياتك فأبشر.
فإن أولادك بعدك في أمان، تحنو عليهم القلوب، ويرعاهم علام الغيوب. قال تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء: ٩]
أيها المسلمون: إن رعاية اليتيم من واجبات الدين، وإن إهمال شأنه وإذلاله وقهره ما ينبغي للإنسان وأكل ماله يغضب الديان، ويوجب الحرمان. قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ [الضحى٩] وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠]
إن من رعاية اليتيم تنمية ماله، وإصلاح حاله بالتربية والتعليم والتهذيب والتقويم قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠]
وإن احتاج اليتيم أو الأرملة إلى مساعدة تعود على مصلحته فينبغي
[ ٢ / ٣١ ]
لوليه أن يستعين بأهل الفضل والكرم ممن لهم قدم ثابت في ذلك وعرق أصيل لأنهم أحرى من غيرهم في النفع. وأحذر اللئام والبخلاء.
اللهم وفقنا لسبيل الطاعة، وثبتنا على اتباع السنة والجماعة، ولا تجعلنا ممن عرف الحق وأضاعه، واختم لنا بخير منك يا كريم، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
شعرًا:
سَلِ الفَضْلَ أَهْلَ الفَضْلِ قِدْمًا وَلا تَسَلْ … عَلَى مَنْ نَشَأَ في الفقرِ ثُمَّ تَمَوَّلا
فَلَو مَلَكَ الدُّنْيَا جَمِيْعًا بِأَسْرِهَا … تُذَكِّرُهُ الأَيَّامُ ما كَانَ أَوَّلًا
آخر:
تَجَنَّبْ بُيُوتًا شُبِّعَتْ بَعْد جُوعِهَا … فَإِنَّ بَقَاءَ الجُوع فيها مُخَمَّرُ
وَآوِيْ بُيُوتًا جُوِّعَتْ بَعْدَ شِبْعِهَا … فَإِنَّ كَرِيْمَ الأَصْلِ لا يَتَغَيَّرُ
آخر:
إِيَّاكَ إِيَّاكَ أَنَّ تَرجُوا امْرأً حَسُنَتْ … أَحْوَالُهُ بَعْدَ ضُرٍّ كَانَ قَاسَاهُ
فَنَفْسُهُ تِيْكَ مَا زَادَتْ وَمَا نَقَصَتْ … وَذَلِكَ الفقرُ فَقْرٌ مَا تَنَاسَاهُ
قال في الفتح قال شيخنا في شرح الترمذي لعل الحكمة في كون كافل اليتيم يشبه في دخوله الجنة أو شبهت منزلته في دخول الجنة بالقرب من منزلة النبي لكون النبي شأنه أن يبعث إلى قوم لا يعقلون أمر دينهم، فيكون كافلًا لهم ومعلمًا ومرشدًا.
وكذلك كافل اليتيم يقوم بكفالة من لا يعقل أمر دينه بل ولا دنياه
[ ٢ / ٣٢ ]
ويرشده ويعلمه ويحسن أدبه انتهى، قلت وكثيرًا ما يفعل بعض الناس ذلك الإحسان زمنًا ويتركه ولا يتمم إحسانه وبعضهم يرحب بذلك أول الأمر ولا يثبت على ذلك وقليل من يتمم كلامه ويثبت على جميله وإحسانه والتوفيق بيد الله وقديمًا قيل:
وَمَا كُلُّ هَاوٍ لِلْجِميلِ بِفَاعِلٍ … وَمَا كُلُّ فَعَّالٍ لَهُ بِمُتَمِّمِ
آخر:
فَأَكثَرُ مَنْ تَلْقَى يَسُرُكَ قوله … وَلَكِنْ قَليلٌ مَنْ يُسُركَ فِعْلُهُ
آخر:
وَفي النَّاسِ مَنْ أَعْطَى الجَمِيْلَ بَدِيْهَةً … وَظَنَّ بِفعْلِ الخَيْرِ لَمَّا تَفَكَّرَا
عن أبي هريرة ﵁ قال قال النبي - ﷺ -: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله» .
رواه البخاري ومالك وغيرهما وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «ليس المسكين بهذا الطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه» . متفق عليه.
وروي عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من عال ثلاثة من الأيتام كان كمن قام ليله وصام نهاره وغدا وراح شاهرًا سيفه في سبيل الله، وكنت أنا وهو في الجنة أخوين كما أن هاتين أختان» . وألصق أصبعيه السبابة والوسطى. رواه ابن ماجه.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رجلًا شكا إلى رسول الله - ﷺ - قسوة
[ ٢ / ٣٣ ]
قلبه فقال: «امسح رأس اليتيم وأطعم المسكين» . رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
وعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله - ﷺ -: «كافل اليتيم له أو لغيره، أنا وهو كهاتين في الجنة» وأشار مالك بالسبابة والوسطى. رواه مسلم ورواه مالك عن صفوان بن مسلم مرسلًا.
ورواه البزار متصلًا ولفظه قال: «من كفل يتيمًا له ذا قرابة أو لا قرابة له فأنا وهو في الجنة كهاتين» وضم أصبعيه «ومن سعى على ثلاث بنات فهو في الجنة وكان له كأجر المجاهد في سبيل الله صائمًا قائمًا» .
والله أعلم وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم.