عباد الله إنما يسعد المسلمون أن يتبعوا الحق ويدعوا إليه ولا تأخذهم في الله لومة لائم ويقبلوا النصيحة ممن ينصحهم ويعملوا بها راضية نفوسهم شاكرة ألسنتهم غير مستكبرين ولا متعنتين ولم يعمهم الهوى عن اتباع الحق إذ ذاك تكمل لهم السعادة ويتم لهم النعيم وقد فشا في الناس داء الكبر واستحكم ولا أقصد بذلك من الكبر الخيلاء والتبختر فقط وإنما أقصد كبر المتكبر عن قبول نصح الناصح وإرشاد المسترشد فإن الأول وإن كان شرًا ولكن الثاني شر منه فإن المرء إذا لم يقبل نصيحة الناصح كان راضيًا عن نفسه ومتى رضي عن نفسه عميت عن عيوبها فلا يؤثر فيها نصح ولا ينفع
[ ٢ / ٣٥ ]
معها إرشاد لأن الغرور متحكم فيها والشهوات محيطة بها فإذا أراد الله بعبده خيرًا بصره بعيوب نفسه فأصلحها واتهمها دائمًا بالنقص وطالبها بالكمال حتى تلتحق بالنفوس الزكية والأرواح الطاهرة وهكذا كان سلفنا الصالح فكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ يقول رحم الله امرأ أهدى إلي عيوب نفسي وكانوا إذا أرشدهم أخ من إخوانهم إلى عيب في نفوسهم فرحوا بهذا التنبيه وطهروا نفوسهم منه وشكروا من نصحهم وجعلوا نصيحته منة له عليهم ولم يأنفوا ولم يستكبروا لأنهم يتهمون نفوسهم ويرونها ناقصة ويسعون إلى رفعتها إلى أوج الكمال وبهذا بلغوا ما بلغوا ونالوا ما نالوا يا عباد الله كيف نرضى عن نفوسنا والله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣] عباد الله من منا بلغ معشار ما بلغه عمر في كمال نفسه وقوة إيمانه وشدة يقينه وقد كان يقول لأصحابه من رأى منكم في اعوجاجًا فليقومه هكذا كان ظنه ﵁ بنفسه على جلالة قدره وعلو منزلته في دينه وكل ما كان أكبر كان أقل إعجابًا بنفسه وأكثر مطالبة لها بسلوك طريق الحق.
اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.