عباد الله كلنا نعلم أن حياتنا مهما امتدت وصفت للزوال، وكذلك كل واحد منا يعلم أنه أتى للدنيا للاختبار بما كلفنا به من العبادات والمعاملات، وسيصبح الواحد منا عما قريب في حفرة وحيدًا ليس معه أولاد ولا أموال، وحينئذ تكون أيها الأخ كأنك ما رأيت الدنيا ولا هي رأتك لحظة من اللحظات.
ويا ليتك إذا زالت الحياة تزول دون أن يترتب عليها آثار لو كان ذلك لأحب بعضنا الموت، لأنه يكون بشيرًا بانتهاء الأمراض والمصائب والآلام، لكنك تعلم أنه يعقب ذلك الموت أهوال، وأمور مزعجات، تلاقي جزاء ما كان منك قبل الموت في الاختبار.
فإن كنت قد أحسنت، رأيت قبرك روضة نعيم، وإن كنت مسيئًا رأيته نيرانًا محرقات.
عن البراء بن عازب قال كنا في جنازة رجل من الأنصار ومعنا رسول الله - ﷺ - فانتهينا إلى القبر ولم يلحد، ووضعت الجنازة، وجلس رسول الله - ﷺ -، فقال «إن المؤمن إذا احتضر، أتاه ملك الموت في أحسن صورة، وأطيب ريحًان فجلس عنده، لقبض روحه، وأتاه ملكان بحنوط من الجنة وكانا منه على بعيد فاستخرج ملك الموت روحه من جسده رشحًا.
فإذا صارت إلى ملك الموت ابتدرها الملكان فأخذاها منه فحنطاها بحنوط من الجنة وكفناها بكفن من الجنة ثم عرجا بها إلى الجنة، فتفتح له أبواب السماء، وتستبشر الملائكة بها ويقولون لمن هذه الروح الطيبة التي فتحت لها أبواب السماء.
[ ١ / ٢٠٤ ]
ويسمى بأحسن الأسماء التي كان يسمى بها في الدنيا، فيقال هذه روح فلان فإذا صعدا بها إلى السماء شيعها مقربو كل سماء، حتى توضع بَيْنَ يدي الله عند العرش، فيخرج عملها من عليين فيقول الله ﷿ للمقربين اشهدوا أني قد غفرت لصاحب هذا العمل، ويختم كتابه فيرد في عليين.
فيقول الله ﷿ ردوا روح عبدي إلى الأرض، فإني وعدتهم أني أردهم فيها.
ثم قرأ رسول الله - ﷺ - ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥] . فإذا وضع المؤمن في لحده تقول له الأرض إن كنت لحبيبًا إلي وَأَنْتَ على ظهري، فكيف إذا صرت اليوم في بطني سأريك ما أصنع بك، فيفسح له في قبره مد بصره.
وقال رسول الله - ﷺ - إذا وضع الكافر في قبره أتاه منكر ونكير فيجلسانه فيقولان له من ربك، فيقول لا أدري، فيقولان له لا دريت، فيضربانه ضربة فيصير رمادًا، ثم يعاد فيجلس فيقال له ما قولك في هذا الرجل، فيقول أي رجل فيقولان محمد - ﷺ - فيقول قال الناس إنه رسول الله - ﷺ - فيضربانه ضربة فيصير رمادًا» .
ويا ليت الأمر ينتهي، ويقف عند هذا الحد، فتبقى في قبرك على الدوام، فإنه أخف مما بعده، فتكون آلامك فيه أخف إن كنت من أهل الشقاء والآثام، ولكن تعلم أن ما أخبر به الله سيقع، وهو القيام من القبور، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] .
وحينئذ تسوقك نتيجة اختبارك إما إلى الجنة وإما إلى السعير، من كان مكذبًا بهذا والعياذ بالله فلا كلام لنا معه، لأن مآله إلى جهنم وبئس المهاد
[ ١ / ٢٠٥ ]
لأنه من الكافرين، وإن كان مؤمنًا بذلك كما أخبر الله ورسوله فهو الذي تفيد فيه المواعظ وضرب الأمثال ويقال لماذا نراك متصفًا بما يخالف قولك:
يَا قَسْوةَ القَلْبِ مَالِي حِيْلةٌ فِيْكَ … مَلَكْتِ قَلْبِي فأَضْحَى شَرَّ مَمْلُوكِ
حَجَبْتِ عَنِي إِفادَاتِ الخُشُوعِ فَلا … يَشْفِيْكِ ذِكْرٌ وَلا وَعْظٌ يُدَاوِيْكِ
وَمَا تَمَادِيْكِ مِن كُثْفِ الذُنُوبِ وَلَـ … ـكِنَّ الذُنُوبَ أَرَاهَا مِن تَمَادِيْكِ
لَكِن تَمَادِيْكِ مِن أَصْلِ نَشَأتِ بِهِ … طَعام سُوْءٍ عَلَى ضَعْفٍ يُقَوِّيْكِ
وَأَنْتَ يا نَفسُ مَأْوَى كُلِّ مُعْضِلةٍ … وَكُلُ دَاءٍ بِقلبِي مِن عَوادِيْكِ
أَنتِ الطَّلِيْعَةُ لِلشَّيْطَانِ في جَسَدِي … فَلَيْسَ يَدْخُلُ إِلا مِن نَواحِيْكِ
لَمَا فَسَحْتِ بِتَوفِيْرِ الحظُوظِ لَهُ … أَضْحَى مَعَ الدَّم يَجْرِيْ في مَجَارِيْكِ
وَالَيْتِهِ بِقَبُوْلِ الزُورِ مِنْكِ فَلَنْ … يُوَالِي الله إِلا مَن يُعَادِيْكِ
ما زِلْتِ في أسْرِهِ تَهْوِيْنَ مَوْثقَةٌ … حَتَّى تَلِفْتِ فَأَعيانِي تَلافِيْكِ
يَا نَفْسُ تُوبِي إلى الرحمنِ مُخْلِصَةً … ثم اسْتَقِيْمِيْ عَلَى عَزْمٍ يُنَجِيْكِ
واسْتَدِركِي فَارِطَ الأوْقَاتِ واجْتَهِدِيْ … عَسَاكِ بالصِدْقِ أنْ تَمْحَيْ مَسَاوِيْكِ
واسْعَيْ إِلَى البِرَّ والتَّقْوىَ مُسَارِعَةً … فَرُبَّما شُكِرَتْ يَومًا مَسَاعِيْكِ
وَلَنْ يَتِمْ لَكِ الأَعْمَالُ صَالِحةً … إِلا بِتَركِكِ شَيْئًا شَرّ مَتْرُوْكِ
حُبُّ التَّكَاثُرِ في الدُّنْيَا وَزِيْنَتهَا … فَهْيَ التِي عَن طِلابِ الخَيرِ تُلْهِيْكِ
لا تُكْثِريْ الحِرْصَ في تَطْلابِهَا فَلَكَمْ … دَمٌ لَهَا بِسُيُوفِ الحِرْصِ مَسْفُوْكِ
بَل اقْنَعِي بِكَفَافِ الرِّزْقِ رَاضِيَةٌ … فَكُلَّمَا جَاَز مَا يَكْفِيْكِ يُعْطِيْكِ
ثُمَّ اذْكُرِيْ غُصصَ الموتِ الفَظِيْع تَهُنْ … عَلَيْكِ أَكْدَارُ دُنْيا لا تُصَافِيْكِ
وَظُلْمَةَ القَبُرِ لا تَخْشَيْ وَوَحْشَتَهُ … عِنْدَ انْفِرَادِكِ عَن خِلِ يُوَالِيْكِ
والصَّالِحَاتِ لِيَوْمِ الفَاقَةِ ادَّخِرِيْ …
[ ١ / ٢٠٦ ]
في مَوْقفٍ لَيْسَ فَيْهِ مِن يُوَاسِيْكِ
وأَحْسِنِي الظَّنَّ بِالرحمنِ مُسْلِمَةً … فَحُسْنُ ظَنِّكِ بِالرحمنِ يَكْفِيْكِ
اللهم إنا نسألك نفسًا مطمئنة تؤمن بلقائك وترضى بقضائك، اللهم إنا نسألك باسمك الطاهر الطيب المبارك الأحب إليك الذي إذا دعيت به أجبت، وإذا سئلت به أعطيت، وإذا استرحمت به رحمت، وإذا استفرجت به فرجت أن تغفر سيئاتنا وتبدلها لنا بحسنات يا أرحم الراحمين وصل الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.