عباد الله لقد امتن الله على خاتم رسله، وصفوة خلقه، سيدنا محمد بن عبد الله بأشرف المنن، واختصه بأجل النعم، وآتاه من فضله ما لم يؤت أحدًا
[ ٢ / ٣٦ ]
سواه، أدبه فأحسن تأديبه، وهذبه فأكمل تهذيبه، ومنحه من الصفات الجميلة غايتها، ومن الأخلاق الكريمة نهايتها، ثم أثنى عليه فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم٤] قالت عائشة ﵂: كان خلقه القرآن يرضى برضاه، ويسخط بسخطه، وكان - ﷺ - أوسع الناس صدرًا، وأصدقهم قولًا، وألينهم جانبًا، وأكرمهم عشرة، يؤلف الناس ولا ينفرهم، ويكرم كريم كل قوم، ويوليه عليهم، يتفقد أصحابه ويعطي كل جليس نصيبه، حتى لا يحسب جليسه أحدًا أكرم عليه منه، من جالسه أو قاربه بحاجة سايره، حتى يكون هو المنصرف عنه، قد وسع الناس بسطه وخلقه، فصار لهم أبًا رحيمًا. وصاروا عنده في الحق سواء، لذلك اجتمعت عليه القلوب بعد نفورها، وتألفت النفوس بعد جموحها، تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران١٥٩] وكان - ﷺ - حليمًا مع الأذى، عفوا مع القدرة، صبورًا على المكاره، وتلك خصال أدبه بها ربه، فقال: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]
سأل رسول الله - ﷺ - جبريل ﵇ عن تفسيرها، فقال: إن الله يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، وكان - ﷺ - أكرم الناس، وأسخاهم يدًا، وأطيبهم نفسًا، ما سئل عن شيء قط فقال لا، من سأله حاجة لم يرده إلا بها، أو بميسور من القول، يجيب دعوة من دعاه، ويقبل الهدية ولو كانت كراعًا، ويكافئ عليها خيرًا منها، وكان ﵊ أشجع الناس، وأعظم الناس غيرة وإقدامًا، فر الفرسان والأبطال عنه غير مرة، وهو ثابت لا يبرح، مقبل لا مدبر، ولا يتزحزح،
[ ٢ / ٣٧ ]
وكان صلوات الله وسلامه عليه أشد الناس حياءً، وأكثرهم عن العورات إغضاء قال أبو سعيد الخدري: كان رسول الله - ﷺ - أشد حياءً من العذراء في خدرها، وكان إذا كره شيئًا عرفنا في وجهه وكان لا يخاطب أحدًا بما يكره حياءً وكرمًا.
أما شفقته ورحمته ورأفته ولطفه بجميع الخلق، فما ذكر الله عنه بقوله: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] وقال عز من قائل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] وأما تواضعه –مع علو منصبه ومكانته، ورفع رتبته- فقد خيره الله بين أن يكون ملكًا نبيًا، أو عبدًا نبيًا، فاختار عبدًا نبيًا، وكان يقول: «إنما أنا عبد، أكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد» وكان يجالس الفقراء، ويعود المساكين، ويجلس مع أصحابه مختلطًا بهم، كأنه واحد منهم، وكان يقول: «اللهم أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين» .
وأما عدله وأمانته، وعفته ومروءته، ووقاره وهيبته، وصدقه ووفاؤه بالعهد وحفظه للوعد، وصلته للأرحام، وعطفه على الأيتام، فقد بلغ في كل ذلك الغاية، ووصل إلى النهاية وأما زهده وورعه، فقد قال - ﷺ -: «إني عرض علي أن تجعل لي بطحاء مكة ذهبًا، فقلت، لا يا رب. أجوع يومًا، وأشبع يومًا، فأما اليوم الذي أجوع فيه فأتضرع إليك وأدعوك وأما اليوم الذي أشبع فيه فأحمدك وأثني عليك» وقالت، أم المؤمنين عائشة ﵂: إنا كنا آل محمد لنمكث شهرًا ما نستوقد نارًا، إن هو إلا التمر والماء، وأما خوفه من ربه، وطاعته له فعلى قدر علمه به، ولذلك قال: «لو تعلمون ما
[ ٢ / ٣٨ ]
أعلم لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا، أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطت السماء وحق لها أن تئط ما فهيا موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدًا لله والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا، ولما تلذذتم بالنساء على الفراش ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى» … وكان - ﷺ - يصلي حتى تورمت قدماه، فقالت له عائشة: أتكلف هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا»؟ هذا يا عباد الله قليل من كثير من صفات سيد المرسلين، ذي الخُلُق العظيم، والقدر الفخيم، فهل لكم أن تتأملوا هذه الصفات الجليلة، والخصال الحميدة، فتمسكوا بها وتسيروا على نهجها، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن﴾ [الأحزاب: ٢١]
اللهم يا حي يا قيوم يا من لا تأخذه سنة ولا نوم يا ذا الجلال والإكرام يا واحد أحد يا فرد صمد يا بديع السموات والأرض نسألك أن تنصر الإسلام والمسلمين وأن تعلى كلمة الحق والدين وأن تشمل بعنايتك وتوفيقك كل من نصر الدين وأن تملأ قلوبنا بمحبتك ومحبة رسلك وأوليائك وأن تلهمنا ذكرك وشكرك.
اللهم وفقنا لصالح الأعمال وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ٢ / ٣٩ ]