عباد الله يقول الله جل وعلا وتقدس: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] عباد الله أن الصلاة عماد الدين وأعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهي قرة عين المؤمن وطمأنينة قلبه تبدو واضحة في وقوفه بين يدي ربه، وخشوعه وانكساره، عندما يتجه إليه في عبادتهن ويقف خاضعًا ذليلًا بين يدي العزيز الحكيم.
عباد الله من حافظ على الصلاة فهو السعيد الرابح، ومن أضاعها فهو الشقي الخاسر، وإن اللبيب العاقل من إذا حضر للصلاة أقبل بقلبه وقالبه، طرح الدنيا وشئونها ومتعلقاتها جانبًا وتدبر ما يتلوه إن كان وحده أو إمامًا. وأنصت وأحضر قلبه إن كان مأمومًا وتفهم ما يسمع وابتهل وتضرع إلى مولاه.
عباد الله إن الخشوع في الصلاة هو روحها، والمحور الذي تدور عليه سائر أفعالها، والخشوع فيها مع الإخلاص لله آية الإيمان وسبب الفلاح وأمان من وساوس الشيطان. ألا وإن الصلاة بلا خشوع كجسد بلا روح، قال ابن عباس ﵄: "ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها".
وفي المسند مرفوعًا عن العبد ليصلي الصلاة ولم يكتب له إلا نصفها أو ثلثها أو ربعها، حتى بلغ عشرها، وقد علق الله فلاح المصلين بالخشوع في صلاتهم، فدل على أن من لم يخشع فليس من أهل الفلاح ولو اعتد له بها ثوابًا لكان من المفلحين هكذا قال بعض العلماء.
قالوا وأما الاعتداد بها في أحكام الدنيا وسقوط القضاء فإن غلب
[ ٢ / ٤٧ ]
الخشوع وتعقلها اعتد بها إجماعًا، وكانت السنن والأذكار عقبها جوابر ومكملات لنقصها، وإن غلب عليه عدم الخشوع فيها وعدم تعقلها.
فقد اختلف العلماء في وجوب إعادتها واحتجوا بأنها صلاة لا يثاب عليها، ولم يضمن له فيها الفلاح فلم تبرأ ذمته منها، ويسقط القضاء عنه كصلاة المرائي قالوا ولأن الخشوع والعقل روح الصلاة، ومقصودها ولبها، فكيف يعتد بصلاة فقدت روحها، ولبها وبقيت صورتها وظاهرها.
قالوا ولو ترك العبد واجبًا من واجباتها عمدًا لأبطلها تركه وغايته أن يكون بعضًا من أبعاضها بمنزلة فوات عضو من أعضاء العبد المعتق في الكفارة، فكيف إذا عدمت روحها ومقصودها، وصارت بمنزلة العبد الميت فإذا لم يعتد بالعبد المقطوع اليد يعتقه تقربًا إلى الله تعالى في كفارة واجبة فكيف يعتد بالعبد الميت.
وقال بعض السلف الصلاة كجارية تهدي إلى ملك من الملوك فما الظن بمن يهدي إليه جارية شلاء أو عوراء أو عمياء أو مقطوعة اليد أو الرجل أو مريضة أو دميمة أو قبيحة حتى يهدي إليه جارية ميتة بلا روح وجارية قبيحة فكيف بالصلاة التي يهديها العبد ويتقرب بها إلى ربه تعالى والله طيب لا يقبل إلا طيبًا وليس من العمل الطيب صلاة لا روح فيها كما أنه ليس من العتق الطيب عتق عبد بلا روح.
قالوا وتعطيل القلب عن عبودية الحضور والخشوع تعطيل لملك الأعضاء عن عبوديته وعزل له عنها فماذا تغني طاعة الرعية وعبوديتها وقد عزل ملكها وتعطل.
[ ٢ / ٤٨ ]
قالوا والأعضاء تابعة للقلب تصلح بصلاحه وتفسد بفساده فإذا لم يكن قائمًا بعبوديته فالأعضاء أولى أن لا يعتد بعبوديتها وإذا فسدت عبوديته بالغفلة والوسواس فأنى تصح عبودية رعيته وجنده ومادتهم منهم وعن أمره يصدرون وبه يأتمرون.
قالوا ولأن عبودية من غلبت عليه الغفلة والسهو في الغالب لا تكون مصاحبة للإخلاص فإن الإخلاص قصد المعبود وحده بالتعبد والغافل لا قصد له فلا عبودية له.
قالوا وقد قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون٥] وليس السهو عنها تركها وإلا لم يكونوا مصلين وإنما السهو عن واجبها إما عن الحضور أو الخشوع.
والصواب أنه يعم النوعين فإنه سبحانه أثبت لهم صلاة ووصفها بالسهو عنها، فهو السهو عن وقتها الواجب أو عن إخلاصها وحضورها الواجب، ولذلك وصفهم بالرياء، ولو كان السهو سهو ترك لما كان هناك رياء اهـ.
وبالتالي فإن العبد إذا مرّن نفسه وقلبه على التفهم والتدبر والخشوع والخضوع في الصلاة انغرست في قلبه خشية الله ومحبته والرغبة فيما لديه، وحضرته هيبة خالقه في جميع أحواله وفي جميع أعماله.
فإذا سولت له نفسه أمرًا أو زين الشيطان سوءًا تبرأ منهما قائلًا إني أخاف الله رب العالمين فكن في صلاتك خاشعًا خاضعًا مخبتًا.
فإذا قلت الله أكبر فاستحضر عظمة الله وأنه لا شيء أكبر منه ولا شيء أعظم منه وأنه مستحق لأن يعظم ويجل ويقدّر وأنه ليس أحد يساويه أو
[ ٢ / ٤٩ ]
يدانيه في عظمته.
وإذا قلت الحمد لله رب العالمين فاستحضر أنه المستحق للثناء وأنه المربي لجميع الخلق التربية العامة والمربي لخواص خلقه التربية الخاصة، وهي تربية القلوب على العقائد النافعة، والأعمال الصالحة، والأخلاق الفاضلة.
وإذا قلت الرحمن الرحيم استحضرت لرحمته العامة والخاصة راجيًا منه أن يجعلك ممن كتبها لهم فإذا قلت ملك يوم الدين مجدته واستحضرت لوقوفك بين يديه وهو أحكم الحاكمين.
فإذا قلت إياك نعبد وإياك نستعين استحضرت أنك تخصه وحده بالعبادة والاستعانة، المعنى نعبدك ولا نعبد غيرك ونستعين بك ولا نستعين بغيرك.
فإذا قلت أهدنا الصراط المستقيم استحضرت أنك تتضرع إليه وتسأله أن يدلك ويرشدك ويوفقك إلى سلوك الصراط المستقيم وأن يثبتك عليه فهذا الدعاء من أجمع الأدعية وأنفعها للعبد ولهذا وجب على العبد أن يدعو به في كل ركعة من صلاته لضرورته إلى ذلك وهذا الصراط هو صراط المنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا وافعل باقي صلاتك كما فعلت في أولها من التدبر والتفهم محضرًا قلبك لمعاني ما تقوله وما تسمعه حتى تكتب لك كاملة.
عباد الله إن من حافظ على الصلوات في أوقاتها وواظب على الجمعة والجماعات وأداها تأدية تامة بخشوع وخضوع، استنار قلبه وقويت الصلة بينه وبين ربه، وتهذبت نفسه وحسنت مع الله والناس معاملته، وحيل بينه
[ ٢ / ٥٠ ]
وبين المحرمات وكان على البؤساء عطوفًا وبالضعفاء رحيمًا، وأفلح في دينه ودنياه وكان من المحبوبين عند الله وعند خلقه.
عباد الله النفس آمرة بالسوء، والشيطان يأمر بالفحشاء والمنكر والسيف القاطع والدواء النافع الذي جعله الله وقاية للإنسان من شر النفس والشيطان، إنما هو الصلاة قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]
عباد الله احذروا أن تستهينوا بالصلاة وأن لا تهتموا لها، فإن هذه صفة الذين خلت صلاتهم من التذلل والخشوع كما ترونهم يسرعون في أدائها وهم عنها غافلون لا يعرفون لها معنى ولا يعقلون لها سرًا ولم تشعر قلوبهم بحلاوتها ولا بلذة المناجات قد ملكتهم الوساوس، وامتلأت قلوبهم بشواغل الدنيا ولذاتها، واستحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله.
قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦] ومن الناس من عميت بصائرهم، وتحجرت ضمائرهم، فأضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، وأهملوا أوامر بديع السموات وغفلوا عن واجب شكره ولم يخافوا سطوة جبروته وبطشه، ولا سوء الحساب، ولا نار العذاب ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]، ﴿أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة١٩] .
فيا أيها المسلمون اتقوا الله ربكم وحافظوا على صلاتكم وقوموا لله خاضعين خاشعين لتفوزوا برضوان الله وتكونوا من المفلحين.
اللهم قوي إيماننا بك وبملائكتك وبكتبك وبرسلك وباليوم الآخر
[ ٢ / ٥١ ]
وبالقدر خيره وشره.
اللهم ثبت محبتك في قلوبنا وقوها وألهمنا ذكرك وشكرك وارزقنا صيانة أوقاتنا وحفظها عن المعاصي ووفقنا لشغلها بالباقيات الصالحات واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.