إعلموا رحمنا الله وإياكم أن في الجنائز عبرة للمعتبرين وفكرة للمتفكرين وإيقاظًا للنائمين والساهين.
[ ٢ / ٦١ ]
بينما الإنسان في قيام وقعود، ونزول وصعود، وخذ هذا واترك هذا واشتر هذا وبع هذا، وابن هذا واهدم هذا، وقد كان وما كان، وتقدم هذا وتأخر هذا، وعين فلان وفصل فلان، وربح فلان وخسر فلان.
إذ فاجأه الأمر الإلهي والحادث السماوي والحكم الرباني فسكنت حركته وطفئت شعلته، وذهبت نظرته وصار كالخشبة المنبوذة والحجر المرمي.
إن نودي لم يسمع وإن دعي لم يجب وإن قطع أو سحب أو حرق لم يمانع ولم يتكلم، عبرة لمن اعتبر وذكرى لمن كان له قلب ولكن حب الدنيا وزينتها وشهواتها وحجاب الهوى غطى القلوب وأعمى البصائر بمنع التفكر في الجنائز والاعتبار بها.
فصارت لا تزيد رؤيتها عند كثير من الناس إلا غفلة ولا مشاهدتها إلا قسوة حتى كأن الميت نائم يستيقظ بعد ساعة أو كأن الذي يرى الجنازة لا يكون مثلها وكأن الميت نزل به الموت وحده وقصده خاصة.
ولذلك تجد كثيرًا من المشيعين يبحث في مخلفاته نعم يعلم كل إنسان أنه سيموت لقول الله ﷻ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [الأنبياء: ٣٥] .
وقد تخالف الناس إلا في الموت فهم متفقون، ولكن لا يظنون ذلك من قريب قد فسحوا لأنفسهم في المدة ومدوا لها في المهلة بدليل. ما ينشئونه من الأعمال والقصور والشركات ونحو ذلك.
وإن دار على لسانه ذكر الموت عن قريب فهو قول ضعيف بدليل عدم تحركه من قبل الآخرة وحالته قبل رؤية الجنائز كحالته بعد تشييعها أكبر برهان على ذلك وربما تحدثوا بحديث الدنيا وضحكوا والميت يدفن.
[ ٢ / ٦٢ ]
وقلما يبكي على الجنازة إلا أهلها وذلك لفراقها، لا لنفس الموت، كبكاء الطفل والمرأة الذين لا يعقلان ولا يعلمان، ولو كانوا يعلمون لكان بكاؤهم على أنفسهم لا على ميتهم لأنه مات وهم ينتظرون الموت.
بَكَى لأنْ مَاتَ مَيْتٌ من عَشيْرَتِهِ
وَقَالَ وَاحرَبَا وَصَاحَ يَا هَرَبَا … وَقَالَ وَاحْرَبَا وَصَاحَ يَا هَرَبَا
وَبَاتَ فَوْقَ حَشاهُ لِلأَسَىَ لَهَبٌ … إِذَا أَرَادَ خُبُوا فارَ وَالتَهَبَا
وَلَو رَآى بِصَحِيْحِ العَقْلِ حَيْنَ رَأى … وَكَشَّفَ اللهُ عَنْهُ لِلْهَوى حُجُبَا
لَمَّا رَأَى الدَّهْرَ مَيْتًا أَوْ أَحَسَّ بِهِ … إِلا بَكَى نَفْسَهُ المِسْكِيْنُ وَانْتَحَبَا
وَمَنْ رَأى السُّمْرَ في جَنْبَيْهِ شَارِعَةٌ … أنَّى يَرَاهَا بِجَنْب ناءَ أو قَرُبَا
وَطَلْعَةُ الموتِ إِنْ تَطْلَعْ عَلَى أَحَدٍ … أَرَتْهُ في نَفْسِهِ مِنْ هَولِهَا عَجَبَا
اللهم اختم بالأعمال الصالحات أعمارنا وحقق بفضلك آمالنا وسهل لبلوغ رضاك سبلنا وحسن في جميع الأحوال أعمالنا يا منقذ الغرقى ويا منجي الهلكى ويا دائم الإحسان أذقنا برد عفوك وأنلنا من كرمك وجودك ما تقر به عيوننا من رؤيتك في جنات النعيم واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.