والفواكه متلاحقة شَيْئا بعد شَيْء متتابعة وَلم يخلقها كلهَا جملَة وَاحِدَة فانها لَو خلقت كَذَلِك على وَجه الارض وَلم تكن تنْبت على هَذِه السُّوق والاغصان لدخل الْخلَل وفاتت الْمصَالح الَّتِي رتبت على تلاحقها وتتابعها فَإِن كل فصل واوان يقتضى من الْفَوَاكِه والنبات غير مَا يتقضيه الْفَصْل الاخر فَهَذَا حَار وَهَذَا بَارِد وَهَذَا معتدل وكل فِي فَصله مُوَافق للْمصْلحَة لَا يَلِيق بِهِ غير مَا خلق فِيهِ ثمَّ انه سُبْحَانَهُ خلق تِلْكَ الاقوات مُقَارنَة لمنافع اخر من العصف والخشب وَالْوَرق والنور والعسف وَالْكرب وَغَيرهَا من مَنَافِع النَّبَات وَالشَّجر غير الاقوات كعلف الْبَهَائِم وأداة الابنية والسفن والرحال والاواني وَغَيرهَا وَمَنَافع النُّور من الادوية والمنظر البهيج الَّذِي يشوق الناظرين وَحسن مرائي الشّجر وخلقتها البديعة الْمُشَاهدَة لفاطرها ومبدعها بغاية الْحِكْمَة واللطف ثمَّ إِذا تَأَمَّلت إِخْرَاج ذَلِك النُّور الْبَهِي من نفس ذَلِك الْحَطب ثمَّ الْوَرق الاخضر ثمَّ اخراج تِلْكَ الثِّمَار على اخْتِلَاف أَنْوَاعهَا وأشكالها ومقاديرها وألوانها وطعومها وروائحها ومنافعها وَمَا يُرَاد مِنْهَا ثمَّ تَأمل ايْنَ كَانَت مستودعة فِي تِلْكَ الْخَشَبَة وهاتيك العيدان وَجعلت الشَّجَرَة لَهَا كالام
[ ١ / ٢٢٤ ]
فَهَل كَانَ فِي قدرَة الاب الْعَاجِز الضَّعِيف إبراز هَذَا التَّصْوِير العجيب وَهَذَا التَّقْدِير الْمُحكم وَهَذِه الاصباغ الفائقة وَهَذِه الطعوم اللذيذة والروائح الطّيبَة وَهَذِه المناظر العجيبة فسل الجاحد من تولى تَقْدِير ذَلِك وتصيره وإبرازه وترتيبه شَيْئا فَشَيْئًا وسوق الْغذَاء اليه فِي تِلْكَ الْعُرُوق اللطاف الَّتِي يكَاد الْبَصَر يعجز عَن إِدْرَاكهَا وَتلك المجاري الدقاق فَمن الَّذِي تولى ذَلِك كُله وَمن الَّذِي اطلع لَهَا الشَّمْس وسخر لَهَا الرِّيَاح وَأنزل عَلَيْهَا الْمَطَر وَدفع عَنْهَا الافات وتامل تَقْدِير اللَّطِيف الْخَبِير فَإِن الاشجار لما كَانَت تحْتَاج الى الْغذَاء الدَّائِم كحاجة النَّاس وَسَائِر الْحَيَوَان وَلم يكن لَهَا قُوَّة أَفْوَاه كافواه الْحَيَوَان وَلَا حَرَكَة تنبعث بهَا لتناول الْغذَاء جعلت اصولها مركوزة فِي الارض ليسرع بهَا الْغذَاء وتمتصه من اسفل الثرى فتؤديه الى أَغْصَانهَا فتؤديه الاغصان الى الْوَرق وَالثَّمَر كل لَهُ شرب مَعْلُوم لَا يتعداه يصل اليه فِي مجاري وطرق قد احكمت غَايَة الاحكام فتأخذ الْغذَاء من اسفل فتلقمه بعروقها كَمَا يلتقم الْحَيَوَان غذاءه بفمه ثمَّ تقسمه على حملهَا بِحَسب مَا يحْتَملهُ فتعطى كل جُزْء مِنْهُ بِحَسب مَا يحْتَاج اليه لَا تظلمه وَلَا تزيده على قدر حَاجته فسل الجاحد من اعطاها هَذَا وَمن هداها اليه وَوَضعه فِيهَا فَلَو اجْتمع الاولون والاخرون هَل كَانَت قدرتهم وإرادتهم تصل الى تربية ثَمَرَة وَاحِدَة مِنْهَا هَكَذَا باشارة اَوْ نصاعة اَوْ حِيلَة اَوْ مزاولة وَهل ذَلِك الا من صنع من شهِدت لَهُ مصنوعاته دلّت عَلَيْهِ آيَاته كَمَا قيل:
فواعجبا كَيفَ يعْصى الاله ام كَيفَ يجحده الجاحد وَللَّه فِي كل تحريكه وتسكينه ابدا شَاهد وَفِي كل شَيْء لَهُ آيَة تدل على انه وَاحِد