كَيفَ جعلت لَهُ اسنان حداد وبراثن شَدَّاد واشداق مهرونة وافواه وَاسِعَة واعينت بأسلحة وأدوات تصلح للصَّيْد والاكل وَلذَلِك تَجِد سِبَاع الطير ذَوَات مناقير حداد ومخالب كالكلاليب وَلِهَذَا حرم النَّبِي كل ذِي نَاب من السبَاع ومخلب من الطير لضرره وعدوانه وشره والمغتذى شَبيه بالغاذيفلو اغتذى بهَا الانسان لصار فِيهِ من اخلاقها وعدوانها وشرها مَا يشابهها بِهِ فَحرم على الامة اكلها وَلم يحرم عَلَيْهِم الضبع وان كَانَ ذَا نَاب فَإِنَّهُ لَيْسَ من السبَاع عِنْد اُحْدُ من الامم وَالتَّحْرِيم إِنَّمَا كَانَ لما تضمن الوصفين ان يكون ذَا نَاب وان يكون من السبَاع وَلَا يُقَال هَذَا ينْتَقض بالسبع إِذا لم يكن لَهُ نَاب لَان هَذَا لم يُوجد أبدا فصلوات الله وَسَلَامه على من اوتي جَوَامِع الْكَلم فأوضح الاحكام وَبَين الْحَلَال وَالْحرَام فَانْظُر حِكْمَة الله ﷿ فِي خلقه وامره فِيمَا خلقه وَفِيمَا شَرعه تَجِد مصدر ذَلِك كُله الْحِكْمَة الْبَالِغَة الَّتِي لَا يخْتل نظامها وَلَا ينخرم ابدا وَلَا يخْتل اصلا وَمن النَّاس من يكون حَظه من مُشَاهدَة حِكْمَة الامر اعظم من مُشَاهدَة حِكْمَة الْخلق وَهَؤُلَاء خَواص الْعباد الَّذين عقلوا عَن الله امْرَهْ وَدينه وَعرفُوا حكمته فِيمَا احكمه وَشهِدت فطنهم وعقولهم ان مصدر ذَلِك حِكْمَة بَالِغَة واحسان ومصلحة اريدت بالعباد فِي معاشهم ومعادهم وهم فِي ذَلِك دَرَجَات لَا يحصيها الا الله وَمِنْهُم من يكون حَظه من مُشَاهدَة حِكْمَة الْخلق اوفر من حَظه من حِكْمَة الامر وهم أَكثر الاطباء الَّذين صرفُوا افكارهم الى اسْتِخْرَاج مَنَافِع النَّبَات وَالْحَيَوَان وقواها وَمَا تصلح لَهُ مُفْردَة ومركبة وَلَيْسَ لَهُم نصيب فِي حِكْمَة الامر إِلَّا كَمَا للفقهاء من حِكْمَة الْخلق بل اقل من ذَلِك وَمِنْهُم من فتح عَلَيْهِ بمشاهدة الْخلق وَالْأَمر بِحَسب استعداده وقوته فَرَأى الْحِكْمَة الباهرة الَّتِي بهرت الْعُقُول فِي هَذَا وَهَذَا فَإِذا نظر الى خلقه وَمَا فِيهِ من الحكم ازْدَادَ إِيمَانًا وَمَعْرِفَة وَتَصْدِيقًا بِمَا جَاءَت
[ ١ / ٢٣٥ ]
بِهِ الرُّسُل واذا نظر الى امْرَهْ وَمَا تضمنه من الحكم الباهرة ازْدَادَ ايمانا ويقينا وتسليما لاكمن حجب بالصنعة عَن الصَّانِع وبالكواكب عَن مكوكبها فَعمى بَصَره وَغلظ عَن الله حجابه وَلَو اعطى علمه حَقه لَكَانَ من اقوى النَّاس إِيمَانًا لانه اطلع من حِكْمَة الله وباهر آيَاته وعجائب صَنعته الدَّالَّة عَلَيْهِ وعَلى علمه وَقدرته وحكمته على مَا خَفِي عَن غَيره وَلَكِن من حِكْمَة الله ايضا ان سلب كثيرا من عقول هَؤُلَاءِ خاصيتها وحجبها عَن مَعْرفَته واوقفها عِنْد ظَاهر من الْعلم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وهم عَن الاخرة هم غافلون لدناءتها وخستها وحقارتها وَعدم اهليتها لمعرفته وَمَعْرِفَة اسمائه وَصِفَاته واسرار دينه وشرعه وَالْفضل بيد الله يؤتيه من يَشَاء وَالله ذُو الْفضل الْعَظِيم وَهَذَا بَاب لَا يطلع الْخلق مِنْهُ على مَاله نِسْبَة الى الخافي عَنْهُم مِنْهُ ابدا بل علم الاولين والاخرين مِنْهُ كنقرة العصفور من الْبَحْر وَمَعَ هَذَا فَلَيْسَ ذَلِك بِمُوجب للاعراض عَنهُ والياس مِنْهُ بل يسْتَدلّ الْعَاقِل بِمَا ظهر لَهُ مِنْهُ على مَا وَرَاءه