الْحِكْمَة ان يكون حمله ثمارا كبارًا جعل نَبَاته منبسطا على الارض إِذْ لَو انتصب قَائِما كَمَا ينْتَصب الزَّرْع لضعفت قوته عَن حمل هَذِه الثِّمَار الثَّقِيلَة ولنقصت قبل أدراكها وانتهائها الى غاياتها فاقتضت حِكْمَة مبدعها وخالقها ان بَسطه ومده على الارض ليلقى عَلَيْهَا ثماره فتحملها عَنهُ الارض فترى الْعرق الضَّعِيف الدَّقِيق من ذَلِك منبسطا على الارض وثماره مبثوثة حواليه كَأَنَّهَا حَيَوَان قد اكتنفها اجراؤها فَهِيَ ترضعهم وَلما كَانَ شجر اللوبيا والباذنجان والباقلاء وَغَيرهَا مِمَّا يقوى على حمل ثَمَرَته انتبه الله منتصبا قَائِما على سَاقه إِذْ لَا يلقى من حمل ثماره مُؤنَة وَلَا يضعف عَنهُ
[ ١ / ٢٢٩ ]
ثمَّ تَأمل كَيفَ اقْتَضَت الْحِكْمَة الالهية موافات اصناف الْفَوَاكِه وَالثِّمَار للنَّاس بِحَسب الْوَقْت المشاكل لَهَا الْمُقْتَضى لَهَا فتوافيهم كموافاة المَاء للظمآن فتتلقاها الطبيعة بانشراح واشتياق منتظرة لقدومها كانتظار الْغَائِب للْغَائِب فَلَو كَانَ نَبَات الصَّيف انما يوافي فِي الشتَاء لصادف من النَّاس كَرَاهِيَة واستثقالا بوروده مَعَ مَا كَانَ فِيهِ من الْمضرَّة للابدان والاذى لَهَا وَكَذَلِكَ لَو وافى مَا فِي ربيعها فِي الخريف اَوْ مَا فِي خريفها فِي الرّبيع لم يَقع من النُّفُوس ذَلِك الْموقع وَلَا استطابته واستلذته ذَلِك الالتذاذ وَلِهَذَا تَجِد الْمُتَأَخر مِنْهَا عَن وقته مملولا محلول الطّعْم وَلَا يظنّ ان هَذَا لجَرَيَان الْعَادة الْمُجَرَّدَة بذلك فَإِن الْعَادة إِنَّمَا جرت بِهِ لانه وفْق الْحِكْمَة والمصلحة الَّتِي لَا يخل بهَا الْحَكِيم الْخَبِير