اللَّيْل وَالنَّهَار وَلَوْلَا طلوعهما لبطل امْر الْعَالم وَكَيف كَانَ النَّاس يسعون فِي معائشهم ويتصرفون فِي امورهم وَالدُّنْيَا مظْلمَة عَلَيْهِم وَكَيف كَانُوا يتهنون بالعيش مَعَ فقد النُّور ثمَّ تَأمل الْحِكْمَة فِي غروبهما فَإِنَّهُ لَوْلَا غروبهما لم يكن للنَّاس هدوء وَلَا قَرَار مَعَ فرط الْحَاجة الى السبات وجموم الْحَواس وانبعاث القوى الْبَاطِنَة وَظُهُور سلطانها فِي النّوم الْمعِين على هضم الطَّعَام وتنفيذ الْغذَاء الى الاعضاء ثمَّ لَوْلَا الْغُرُوب لكَانَتْ الارض تَحْمِي بدوام شروق الشَّمْس واتصال طُلُوعهَا حَتَّى يَحْتَرِق كل مَا عَلَيْهَا من حَيَوَان ونبات فَصَارَت تطلع وقتا بِمَنْزِلَة السراج يرفع لاهل الْبَيْت ليقضوا حوائجهم ثمَّ تغيب عَنْهُم مثل ذَلِك ليقروا ويهدؤا وَصَارَ ضِيَاء النَّهَار مَعَ ظلام اللَّيْل وحر هَذَا مَعَ برد هَذَا مَعَ تضادهما متعاونين متظاهرين بهما تَمام مصَالح الْعَالم وَقد اشار تَعَالَى الى هَذَا الْمَعْنى وَنبهَ عباده عَلَيْهِ بقوله ﷿ ﴿قل أَرَأَيْتُم إِن جعل الله عَلَيْكُم اللَّيْل سرمدا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة من إِلَه غير الله يأتيكم بضياء أَفلا تَسْمَعُونَ قل أَرَأَيْتُم إِن جعل الله عَلَيْكُم النَّهَار﴾
[ ١ / ٢٠٧ ]
﴿سرمدا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة من إِلَه غير الله يأتيكم بلَيْل تسكنون فِيهِ أَفلا تبصرون﴾ خص سُبْحَانَهُ النَّهَار بِذكر الْبَصَر لانه مَحَله وَفِيه سُلْطَان الْبَصَر وتصرفه وَخص اللَّيْل بِذكر السّمع لَان سُلْطَان السّمع يكون بِاللَّيْلِ وَتسمع فِيهِ الْحَيَوَانَات مَالا تسمع فِي النَّهَار لانه وَقت هدوء الاصوات وخمود الحركات وَقُوَّة سُلْطَان السّمع وَضعف سُلْطَان الْبَصَر وَالنَّهَار بِالْعَكْسِ فِيهِ قُوَّة سُلْطَان الْبَصَر وَضعف سُلْطَان السّمع فَقَوله افلا تَسْمَعُونَ رَاجع إِلَى قَوْله قل ارايتم ان جعل الله عَلَيْكُم اللَّيْل سرمدا الى يَوْم الْقِيَامَة من اله غير الله يأتيكم بضياء بِهِ وَقَوله أَفلا تبصرون رَاجع الى قَوْله قل أرايتم ان جعل الله عَلَيْكُم النَّهَار سرمدا الى يَوْم الْقِيَامَة وَقَالَ تَعَالَى تبَارك الَّذِي جعل فِي السَّمَاء بروجا وَجعل فِيهَا سِرَاجًا وقمرا منيرا وَهُوَ الَّذِي جعل اللَّيْل وَالنَّهَار خلفة لمن أَرَادَ ان يذكر اَوْ أَرَادَ شكُورًا فَذكر تَعَالَى خلق اللَّيْل وَالنَّهَار وإنهما خلفة أَي يخلف احدهما الاخر لَا يجْتَمع مَعَه وَلَو اجْتمع مَعَه لفاتت الْمصلحَة بتعاقبهما واختلافهما وَهَذَا هُوَ المُرَاد باخْتلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار كَون كل وَاحِد مِنْهُمَا يخلف الاخر لَا يجامعه وَلَا يحاذيه بل يغشى احدهما صَاحبه فيطلبه حثيثا حَتَّى يُزِيلهُ عَن سُلْطَانه ثمَّ يَجِيء الاخر عَقِيبه فيطلبه حثيثا حَتَّى يهزمه ويزيله عَن سُلْطَانه فهما دَائِما يتطالبان وَلَا يدْرك احدهما صَاحبه