على هَذَا الْعَالم هَذَا الدوران الدَّائِم الى آخر الاجل على هَذَا التَّرْتِيب والنظام وَمَا فِي طي ذَلِك من اخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار والفصول وَالْحر وَالْبرد وَمَا فِي ضمن ذَلِك من مصَالح مَا على الارض من اصناف الْحَيَوَان والنبات وَهل يخفى على ذِي بَصِيرَة ان هَذَا ابداع الْمُبْدع الْحَكِيم وَتَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم وَلِهَذَا خَاطب الرُّسُل امتهم مُخَاطبَة من لَا شكّ عِنْده فِي الله وَإِنَّمَا دعوهم الى عِبَادَته وَحده لَا ألى الاقرار بِهِ فَقَالَت لَهُم أَفِي الله شكّ فاطر السَّمَوَات والارض فوجوده سُبْحَانَهُ وربوبيته وَقدرته اظهر من كل شَيْء على الاطلاق فَهُوَ اظهر للبصائر من الشَّمْس للابصار وابين للعقول من كل مَا تعقله وتقر بوجدوده فَمَا يُنكره الا مكابر بِلِسَانِهِ وَقَلبه وعقله وفطرته وَكلهَا تكذبه قَالَ تَعَالَى الله الَّذِي رفع السَّمَوَات بِغَيْر عمد ترونها ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش وسخر الشَّمْس وَالْقَمَر كل يجْرِي لاجل مُسَمّى يدبر الامر يفصل الايات لَعَلَّكُمْ بلقاء ربكُم توقنون وَهُوَ الَّذِي مد الارض وَجعل فِيهَا رواسي وانهارا وَمن كل الثمرات جعل فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يغشى اللَّيْل النَّهَار ان فِي ذَلِك لايات لقوم يتفكرون وَفِي الارض قطع متجاورات الاية وَقَالَ تَعَالَى ان فِي خلق السَّمَوَات والارض وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار لايات للْمُؤْمِنين وَفِي خَلقكُم واما يبث من دَابَّة إِلَى قَوْله وآياته يُؤمنُونَ وَقَالَ تَعَالَى خلق السَّمَوَات بِغَيْر عمد ترونها والقى فِي الارض رواسي ان تميد بكم وَبث فِيهَا من كل دَابَّة الى قَوْله فِي ضلال مُبين وَقَالَ تَعَالَى خلق الانسان من نُطْفَة فَإِذا هُوَ خصيم مُبين والأنعام خلقهَا لكم فِيهَا دفء وَمَنَافع وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ الى قَوْله افمن يخلق كمن لَا يخلق أَفلا تذكرُونَ وَتَأمل كَيفَ وحد سُبْحَانَهُ الاية من قَوْله هُوَ الَّذِي أنزل من السَّمَاء مَاء لكم مِنْهُ شراب الى آخرهَا وختمها باصحاب الفكرة فاما
[ ١ / ٢١٢ ]
تَوْحِيد الاية فَلِأَن مَوضِع الدّلَالَة وَاحِد وَهُوَ المَاء الَّذِي انزله من السَّمَاء فَاخْرُج بِهِ كلما ذكره من الارض وَهُوَ على اخْتِلَاف انواعه لقاحه وَاحِد وَأمه وَاحِدَة فَهَذَا نوع وَاحِد من آيَاته وَأما تَخْصِيصه ذَلِك بِأَهْل الْفِكر فَلِأَن هَذِه الْمَخْلُوقَات الَّتِي ذكرهَا من المَاء مَوضِع فكر وَهُوَ نظر الْقلب وتامله لَا مَوضِع نظر مُجَرّد بِالْعينِ فَلَا ينْتَفع النَّاظر بِمُجَرَّد رُؤْيَة الْعين حَتَّى ينْتَقل مِنْهُ الى نظر الْقلب فِي حِكْمَة ذَلِك وبديع صنعه وَالِاسْتِدْلَال بِهِ على خالقه وباريه وَذَلِكَ هُوَ الْفِكر بِعَيْنِه واما قَوْله تَعَالَى فِي الاية الَّتِي بعْدهَا ان فِي ذَلِك لايات لقوم يعْقلُونَ فَجمع الايات لانها تَضَمَّنت اللَّيْل وَالنَّهَار وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم وَهِي آيَات مُتعَدِّدَة مُخْتَلفَة فِي انفسها وخلقها وكيفياتها فَإِن إظلام الجو لغروب الشَّمْس ومجيء اللَّيْل الَّذِي يلبس الْعَالم كَالثَّوْبِ ويسكنون تَحْتَهُ آيَة باهرة ثمَّ ورد جَيش الضياء يقدمهُ بشير الصَّباح فينهزم عَسْكَر الظلام وينتشر الْحَيَوَان وينكشط ذَلِك اللبَاس بجملته آيَة اخرى ثمَّ فِي الشَّمْس الَّتِي هِيَ آيَة النَّهَار آيَة أُخْرَى وَفِي الْقَمَر الَّذِي هُوَ آيَة اللَّيْل آيَة اخرى وَفِي النُّجُوم آيَات أخر كَمَا قدمْنَاهُ هَذَا مَعَ مَا يتبعهَا من الايات الْمُقَارنَة لَهَا من الرِّيَاح واختلافها وَسَائِر مَا يحدثه الله بِسَبَبِهَا آيَات أخر فالموضع مَوضِع جمع وَخص هَذِه الايات بِأَهْل الْعقل لانها اعظم مِمَّا قبلهَا وأدل وأكبر والاولى كالباب لهَذِهِ فَمن اسْتدلَّ بِهَذِهِ الايات واعطاها حَقّهَا من الدّلَالَة اسْتحق من الْوَصْف مَا يسْتَحقّهُ صَاحب الْفِكر وَهُوَ الْعقل وَلِأَن منزله الْمنزلَة الْعقل بعد منزلَة الْفِكر فَلَمَّا دلهم بالاية الاولى على الْفِكر نقلهم بالاية الثَّانِيَة الَّتِي هِيَ اعظم مِنْهَا الى الْعقل الَّذِي هُوَ فَوق الْفِكر فَتَأَمّله فَأَما قَوْله فِي الاية الثَّالِثَة ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَة لقوم يذكرُونَ﴾ فَوحد الاية وخصها بِأَهْل التَّذَكُّر فَأَما توحيدها فكتوحيد الاولى سَوَاء فَإِن مَا ذَرأ فِي الارض على اختلافه من الْجَوَاهِر والنبات والمعادن وَالْحَيَوَان كُله فِي مَحل وَاحِد فَهُوَ نوع من انواع آيَاته وَإِن تعدّدت أصنافه وانواعه واما تَخْصِيصه اياها بِأَهْل التَّذَكُّر فطريقة الْقُرْآن فِي ذَلِك ان يَجْعَل آيَاته للتبصر والتذكر كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة ق ﴿وَالْأَرْض مددناها وألقينا فِيهَا رواسي وأنبتنا فِيهَا من كل زوج بهيج تبصرة وذكرى لكل عبد منيب﴾ فالتبصرة التعقل والتذكرة التَّذَكُّر والفكر بَاب ذَلِك ومدخله فَإِذا فكر تبصر وَإِذا تبصر تذكر فجَاء التَّذْكِير فِي الاية لترتيبه على الْعقل الْمُرَتّب على الْفِكر فَقدم الْفِكر إِذْ هُوَ الْبَاب والمدخل ووسط الْعقل إِذْ هُوَ ثَمَرَة الْفِكر ونتيجته وَأخر التَّذَكُّر إِذْ هُوَ الْمَطْلُوب من الْفِكر وَالْعقل فَتَأمل ذَلِك حق التَّأَمُّل فَإِن قلت فَمَا الْفرق بَين التَّذَكُّر والتفكر فَإِذا تبين الْفرق ظَهرت الْفَائِدَة قلت التفكر والتذكر اصل الْهدى والفلاح وهما قطبا السَّعَادَة وَلِهَذَا وسعنا الْكَلَام فِي التفكر فِي هَذَا الْوَجْه لعظم الْمَنْفَعَة وَشدَّة الْحَاجة اليه قَالَ الْحسن مَا زَالَ اهل الْعلم يعودون بالتذكر على التفكر وبالتفكر على التَّذَكُّر ويناطقون الْقُلُوب حَتَّى نطقت فَإِذا لَهَا اسماع وابصار فَاعْلَم ان التفكر طلب الْقلب مَا لَيْسَ بحاصل من الْعُلُوم من امْر هُوَ حَاصِل
[ ١ / ٢١٣ ]
مِنْهَا هَذَا حَقِيقَته فَإِنَّهُ لَو لم يكن ثمَّ مُرَاد يكون موردا للفكر اسْتَحَالَ الْفِكر لَان الْفِكر بِغَيْر مُتَعَلق متفكر فِيهِ محَال وَتلك الْموَاد هِيَ الامور الْحَاصِلَة وَلَو كَانَ الْمَطْلُوب بهَا حَاصِلا عِنْده لم يتفكر فِيهِ فَإِذا عرف هَذَا فالمتفكر ينْتَقل من الْمُقدمَات والمبادي الَّتِي عِنْده الى الْمَطْلُوب الَّذِي يُريدهُ فَإِذا ظفر بِهِ وَتحصل لَهُ تذكر بِهِ وابصر مواقع الْفِعْل وَالتّرْك وَمَا يَنْبَغِي ايثاره وَمَا يَنْبَغِي اجتنابه فالتذكر هُوَ مَقْصُود التفكر وثمرته فَإِذا تذكر عَاد بتذكرة على تفكره فاستخرج مَا لم يكن حَاصِلا عِنْده فَهُوَ لَا يزَال يُكَرر بتفكره على تذكره وبتذكره على تفكره مَا دَامَ عَاقِلا لَان الْعلم والارادة لَا يقفان على حد بل هُوَ دَائِما سَائِر بن الْعلم والارادة وَإِذا عرفت معنى كَون آيَات الرب ﵎ تبصرة وذكرى يتبصر بهَا من عمى الْقلب ويتذكر بهَا من غفلته فان المضاد للْعلم اما عمى الْقلب وزواله بالتبصر وَإِمَّا غفلته وزواله بالتذكر وَالْمَقْصُود تَنْبِيه الْقلب من رقدته بالاشارة الى شَيْء من بعض آيَات الله وَلَو ذَهَبْنَا نتتبع ذَلِك لنفذ الزَّمَان وَلم نحط بتفصيل وَاحِدَة من آيَاته على التَّمام وَلَكِن مَالا يدْرك جملَة لَا يتْرك جملَة واحسن مَا انفقت فِيهِ الانفاس التفكر فِي آيَات الله وعجائب صنعه والانتقال مِنْهَا الى تعلق الْقلب والهمة بِهِ دون شَيْء من مخلوقاته فَلذَلِك عَقدنَا هَذِه الْكتاب على هذَيْن الاصلين إِذْ هما افضل مَا يكتسبه العَبْد فِي هَذِه الدَّار