مَسْلَك النسيم الْبَارِد الَّذِي يروح على الْفُؤَاد بِهَذَا النَّفس الدَّائِم المتتابع وَفِي اللِّسَان مَنْفَعَة الذَّوْق فتذاق بِهِ الطعوم وتدرك لذتها ويميز بهَا بَينهَا فَيعرف حَقِيقَة كل وَاحِد مِنْهَا وَفِيه مَعَ ذَلِك مَعُونَة على إساغة الطَّعَام وان يلوكه ويقلبه حَتَّى يسهل مسلكه فِي الْحلق وَفِي الاسنان من الْمَنَافِع مَا هُوَ مَعْلُوم من تقطيع الطَّعَام كَمَا تقدم وفيهَا إِسْنَاد الشفتين وإمساكهما
[ ١ / ٢٦٩ ]
عَن الاسترخاء وتشويه الصُّورَة وَلِهَذَا ترى من سَقَطت اسنانه كَيفَ تسترخي شفتاه وَفِي الشفتين مَنَافِع عديدة يرشف بهَا الشَّرَاب حَتَّى يكون الدَّاخِل مِنْهُ الى حلقه بِقدر فَلَا يشرق بِهِ الشَّارِب ثمَّ هما بَاب مغلق على الْفَم الَّذِي اليه يَنْتَهِي اليه مَا يخرج من الْجوف وَمِنْه يبتدي مَا يلج فَهِيَ فهما عَطاء وطابق عَلَيْهِ يفتحهما البواب مَتى شَاءَ ويغلقهما إِذا شَاءَ وهما ايضا جمال وزينة للْوَجْه وَفِيهِمَا مَنَافِع اخرى سوى ذَلِك وَانْظُر الى من سَقَطت شفتاه مَا اشوه منظره وَقد بَان ان كل وَاحِد من هَذِه الاعضاء يتَصَرَّف الى وُجُوه شَتَّى من الْمَنَافِع والمآرب والمصالح كَمَا تتصرف الاداة الْوَاحِدَة فِي اعمال شَتَّى هَذَا وَلَو رَأَيْت الدِّمَاغ وكشف لَك عَن تركيبه وخلقه لرايت الْعجب العجاب وَتكشف لَك عَن تركيب يحار فِيهِ الْعقل قد لف بحجب وأغشيه بَعْضهَا فَوق بعض لتصونه عَن الاعراض وَتَحفظه عَن الِاضْطِرَاب ثمَّ اطبقت عَلَيْهِ الجمجمة بِمَنْزِلَة الخوذة وبيضة الْحَدِيد لتقيه حد الصدمة والسقطة والضربة الَّتِي تصل اليه فتتلقاها تِلْكَ الْبَيْضَة عَنهُ بِمَنْزِلَة الخوذة الَّتِي على راس الْمُحَارب ثمَّ جللت تِلْكَ الجمجمة بِالْجلدِ الَّذِي هُوَ فَرْوَة الراس يستر الْعظم من البروز للمؤذيات ثمَّ كُسِيت تِلْكَ الفروة حلَّة من الشّعْر الوافر وقاية لَهَا وسترا من الْحر وَالْبرد والاذى وجمالا وزينة لَهُ فسل الْمُعَطل من الَّذِي حصن الدِّمَاغ هَذَا التحصين وَقدره هَذَا التَّقْدِير وَجعله خزانَة اودع فِيهَا من الْمَنَافِع والقوى والعجائب مَا اودعه ثمَّ احكم سد تِلْكَ الخزانة وحصنها اتم تحصين وصانها اعظم صِيَانة وَجعلهَا مَعْدن الْحَواس والادراكات وَمن الَّذِي جعل الاجفان على الْعَينَيْنِ كالغشاء والاشفار كالاشراج والاهداب كالرفوف فوف عَلَيْهَا إِذا فتحت وَمن الَّذِي ركب طبقاتها الْمُخْتَلفَة طبقَة فَوق طبقَة حَتَّى بلغت عدد السَّمَوَات سبعا وَجعل لكل طبقَة مَنْفَعَة وَفَائِدَة فَلَو اختلت طبقَة مِنْهَا لاختل الْبَصَر وَمن شقهما فِي الْوَجْه احسن شقّ واعطاهما احسن شكل وأودع الملاحة فيهمَا وجعلهما مرْآة للقلب وطليعة وحارسا للبدن ورائدا يُرْسِلهُ كالجند فِي مهماته فَلَا يتعب وَلَا يعيا على كَثْرَة ظعنه وَطول سَفَره وَمن اودع النُّور الباصر فِيهِ فِي قدر جرم العدسة فَيرى فِيهِ السَّمَوَات والارض وَالْجِبَال وَالشَّمْس وَالْقَمَر والبحار والعجائب من دَاخل سبع طَبَقَات وجعلهما فِي أعلا الْوَجْه بِمَنْزِلَة الحارس على الرابية الْعَالِيَة ربيتة للبدن وَمن حجب الْملك فِي الصُّدُور وَأَجْلسهُ هُنَاكَ على كرْسِي المملكة واقام جند الْجَوَارِح والاعضاء والقوى الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة فِي خدمته وذللها لَهُ فَهِيَ مؤتمرة إِذا امرها منتهية إِذا نهاها سامعة لَهُ مطيعة تكدح وتسعى فِي مرضاته فَلَا تَسْتَطِيع مِنْهُ خلاصا وَلَا خُرُوجًا عَن امْرَهْ فَمِنْهَا رَسُوله وَمِنْهَا بريده وَمِنْهَا ترجمانه وَمِنْهَا اعوانه وكل مِنْهَا على عمل لَا يتعداه وَلَا يتَصَرَّف فِي غير عمله حَتَّى إِذا أَرَادَ الرَّاحَة أوعز اليها بالهدو والسكون ليَأْخُذ الْملك رَاحَته فَإِذا اسْتَيْقَظَ من مَنَامه قَامَت جُنُوده
[ ١ / ٢٧٠ ]
بَين يَدَيْهِ على اعمالها وَذَهَبت حَيْثُ وَجههَا دائبة لَا تفتر فَلَو شاهدته فِي مَحل ملكه والاشغال والمراسيم صادرة عَنهُ وواردة والعساكر فِي خدمته وَالْبرد تَتَرَدَّد بَينه وَبَين جنده ورعيته لرأيت لَهُ شَأْنًا عجيبا فَمَاذَا فَاتَ الْجَاهِل الغافل من الْعَجَائِب والمعارف والعبر الَّتِي لَا يحْتَاج فِيهَا الى طول الاسفار وركوب القفار قَالَ تَعَالَى ﴿وَفِي الأَرْض آيَات للموقنين وَفِي أَنفسكُم أَفلا تبصرون﴾ فَدَعَا عباده الى التفكر فِي أنفسهم وَالِاسْتِدْلَال بهَا على فاطرها وباريها وَلَوْلَا هَذَا لم نوسع الْكَلَام فِي هَذَا الْبَاب وَلَا أطلنا النَّفس الى هَذِه الْغَايَة وَلَكِن الْعبْرَة بذلك حَاصِلَة وَالْمَنْفَعَة عَظِيمَة والفكرة فِيهِ مِمَّا يزِيد الْمُؤمن ايمانا فكم دون الْقلب من حرس وَكم لَهُ من خَادِم وَكم لَهُ من عبيد وَلَا يشْعر بِهِ وَللَّه مَا خلق لَهُ وهيأ لَهُ واريد مِنْهُ وَأعد لَهُ من الْكَرَامَة وَالنَّعِيم اَوْ الهوان وَالْعَذَاب فَأَما على سَرِير الْملك فِي مقْعد صدق عِنْد مليك مقتدر ينظر الى وَجه ربه وَيسمع خطابه وَإِمَّا اسير فِي السجْن الاعظم بَين اطباق النيرَان فِي الْعَذَاب الاليم فَلَو عقل هَذَا السُّلْطَان مَا هيأ لَهُ لضن بِملكه ولسعى فِي الْملك الَّذِي لاينقطع وَلَا يبيد وَلكنه ضربت عَلَيْهِ حجب الْغَفْلَة ليقضى الله امرا كَانَ مَفْعُولا