الْقَبْر وَجعلُوا هَذِه الاية اُحْدُ الادلة الدَّالَّة على عَذَاب الْقَبْر وَلِهَذَا قَالَ ونحشره يَوْم الْقِيَامَة اعمى قَالَ رب لم حشرتني اعمى وَقد كنت بَصيرًا قَالَ كَذَلِك اتتك آيَاتنَا فنسيتها وَكَذَلِكَ الْيَوْم تنسى أَي تتْرك فِي الْعَذَاب كماتركت الْعَمَل بِآيَاتِنَا فَذكر عَذَاب البرزخ وَعَذَاب دَار البوارونظيره قَوْله تَعَالَى فِي حق آل فِرْعَوْن النَّار يعرضون عَلَيْهَا غدوا وعشيا فَهَذَا فِي البرزخ وَيَوْم تقوم السَّاعَة ادخُلُوا آل فِرْعَوْن اشد الْعَذَاب فَهَذَا فِي الْقِيَامَة الْكُبْرَى وَنَظِيره قَوْله تَعَالَى وَلَو ترى إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَات الْمَوْت وَالْمَلَائِكَة باسطوا ايديهم اخْرُجُوا انفسكم الْيَوْم تُجْزونَ عَذَاب الْهون بِمَا كُنْتُم تَقولُونَ على الله غير الْحق وكنتم عَن آيَاته تستكبرون فَقَوْل الْمَلَائِكَة الْيَوْم تُجْزونَ عَذَاب الْهون المُرَاد بِهِ عَذَاب البرزخ الَّذِي أَوله يَوْم الْقَبْض وَالْمَوْت وَنَظِيره قَوْله تَعَالَى وَلَو ترى إِذْ يتوفى الَّذين كفرُوا الْمَلَائِكَة يضْربُونَ وُجُوههم وأدبارهم وذوقوا عَذَاب الْحَرِيق فَهَذِهِ الاذاقة هِيَ فِي البرزخ واولها حِين الْوَفَاة فَإِنَّهُ مَعْطُوف على قَوْله يضْربُونَ وُجُوههم وأدبارهم وَهُوَ من القَوْل الْمَحْذُوف مقوله لدلَالَة الْكَلَام عَلَيْهِ كنظائره وَكِلَاهُمَا وَاقع وَقت الْوَفَاة وَفِي الصَّحِيح عَن الْبَراء بن عَازِب ﵁ فِي قَوْله تَعَالَى يثبت الله الَّذين امنوا بالْقَوْل الثَّابِت فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الاخرة قَالَ نزلت فِي عَذَاب الْقَبْر والاحاديث فِي عَذَاب الْقَبْر تكَاد تبلغ حد التَّوَاتُر وَالْمَقْصُود ان الله سُبْحَانَهُ اخبر ان من اعْرِض عَن ذكره وَهُوَ الْهدى الَّذِي من اتبعهُ لَا يضل وَلَا يشقى فَإِن لَهُ معيشة ضنكا وتكفل لمن حفظ
[ ١ / ٤٣ ]
عَهده ان يحييه حَيَاة طيبَة ويجزيه اجره فِي الاخرة فَقَالَ تَعَالَى من عمل صَالحا من ذكر اَوْ انثى وَهُوَ مُؤمن فلنحيينه حَيَاة طيبَة ولنجزينهم اجرهم باحسن مَا كَانُوا يعْملُونَ فاخبر سُبْحَانَهُ عَن فلاح مَا تمسك بعهده علماوعملا فِي العاجلة بِالْحَيَاةِ الطّيبَة وَفِي الاخرة باحسن الْجَزَاء وَهَذَا بعكس من لَهُ الْمَعيشَة الضنك فِي الدُّنْيَا والبرزخ ونسيانه فِي الْعَذَاب بالاخرة وَقَالَ سُبْحَانَهُ وَمن يَعش عَن ذكر الرَّحْمَن نقيض لَهُ شَيْطَانا فَهُوَ لَهُ قرين وانهم ليصدونهم عَن السَّبِيل وَيَحْسبُونَ انهم مهتدون فَأخْبر سُبْحَانَهُ ان من ابتلاه بقرينه من الشَّيَاطِين وضلاله بِهِ إِنَّمَا كَانَ بِسَبَب اعراضه وعشوه عَن ذكره الَّذِي انزله على رَسُوله فَكَانَ عُقُوبَة هَذَا الاعراض ان قيض لَهُ شَيْطَانا يقارنه فيصده عَن سَبِيل ربه وَطَرِيق فلاحه وَهُوَ يحْسب انه مهتد حَتَّى إِذا وافى ربه يَوْم الْقِيَامَة مَعَ قرينه وعاين هَلَاكه وافلاسه قَالَ يَا لَيْت بيني وَبَيْنك بعدالمشرقين فبئس القرين وكل من اعْرِض عَن الاهتداء بِالْوَحْي الَّذِي هُوَ ذكر الله فَلَا بُد ان يَقُول هَذَا يَوْم الْقِيَامَة فَإِن قيل فَهَل لهَذَا عذر فِي ضَلَالَة إِذا كَانَ يحْسب انه على هدى كَمَا قَالَ تَعَالَى وَيَحْسبُونَ انهم مهتدون قيل لَا عذر لهَذَا وامثاله من الضلال الَّذين منشأ ضلالهم الاعراض عَن الْوَحْي الَّذِي جَاءَ بِهِ الرَّسُول وَلَو ظن انه مهتد فَإِنَّهُ مفرط باعراضه عَن اتِّبَاع دَاعِي الْهدى فَإِذا ضل فَإِنَّمَا اتى من تفريطه واعراضه وَهَذَا بِخِلَاف من كَانَ ضلاله لعدم بُلُوغ الرسَالَة وعجزه عَن الْوُصُول اليها فَذَاك لَهُ حكم آخر والوعيد فِي الْقُرْآن إِنَّمَا يتَنَاوَل الاول واما الثَّانِي فَإِن الله لَا يعذب احدا إِلَّا بعد إِقَامَة الْحجَّة عَلَيْهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى وَمَا كُنَّا معذبين حَتَّى نبعث رَسُولا وَقَالَ تَعَالَى رسلًا مبشرين ومنذرين لِئَلَّا يكون للنَّاس على الله حجَّة بعد الرُّسُل وَقَالَ تَعَالَى فِي اهل النَّار وَمَا ظلمناهم وَلَكِن كَانُوا هم الظَّالِمين وَقَالَ تَعَالَى ان تَقول نفس يَا حسرتي على مَا فرطت فِي جنب الله وَإِن كنت لمن الساخرين اَوْ تَقول لَو ان الله هَدَانِي لَكُنْت من الْمُتَّقِينَ اَوْ تَقول حِين ترى الْعَذَاب لَو ان لي كرة فَأَكُون من الْمُحْسِنِينَ بلَى قد جاءتك آياتي فَكَذبت بهَا واستكبرت وَكنت من الْكَافرين وَهَذَا كثير فِي الْقُرْآن