العباد طاعتَه وتعظيمَه، وتوقيرَه وتبجيلَه، والقيامَ بحقوقه، وسَدَّ إليه جميع الطُّرق فلم يَفْتَح لأحدٍ إلا من طريقه، فشَرَحَ له صدرَه، ورَفَعَ له ذِكْرَه، ووَضَع عنه وِزْرَه، وجعَل الذِّلَّة والصَّغار على من خالف أمرَه، هدى به من الضلالة، وعلَّم به من الجهالة، وبصَّر به من العمى، وأرشدَ به من الغَيِّ، وفتحَ به أعينًا عميًا، وآذانًا صُمًّا، وقلوبًا غُلْفًا.
فلم يزل - ﷺ - قائمًا بأمر الله لا يردُّه عنه رادٌّ، داعيًا إلى الله لا يصدُّه عنه صادٌّ، إلى أن أشرقت برسالته الأرضُ بعد ظلماتها، وتألَّفت به (^١) القلوبُ بعد شَتاتها، وسارت دعوتُه مسيرَ الشمس (^٢) في الأقطار، وبلغ دينُه ما بلغ الليلُ والنَّهار.
فلمَّا أكمل الله به الدِّين، وأتمَّ به النعمة على عباده المؤمنين، استأثر به، ونَقَلَه إلى الرفيق الأعلى من كرامته، والمحلِّ الأرفع الأسنى من أعلى جنَّاته، ففارَق الأمةَ وقد تركها على المحجَّة البيضاء، التي لا يزيغُ عنها إلا من كان من الهالكين.
فصلى الله عليه وعلى آله الطَّيبين الطَّاهرين، صلاةً دائمةً بدوام السَّماوات والأرضين، مقيمةً عليهم أبدًا لا ترومُ انتقالًا عنهم ولا تحويلا.
أمَّا بعد؛ فإنَّ الله سبحانه لما أهبطَ آدمَ أبا البشر ــ ﵇ ــ من الجنة؛ لِمَا له في ذلك من الحِكَم التي تعجزُ العقولُ عن معرفتها، والألسنُ عن صفتها (^٣)، فكان إهباطُه منها عَيْنَ كماله، ليعود إليها على أحسن أحواله؛
_________________
(١) "به" ساقطة من (ت، ق).
(٢) (ت، ق): "سير الشمس".
(٣) بسط المصنف القول في هذه الحكم في "شفاء العليل" (٦٦١ - ٦٧٧).
[ ١ / ٥ ]
فأراد سبحانه أن يُذِيقَه وولدَه من تعب الدُّنيا وغمومها وهمومها وأوصابها ما يَعْظُمُ به عندهم مقدارُ دخولهم إليها في الدار الآخرة؛ فإنَّ الضدَّ يُظْهِرُ حُسْنَه الضدُّ، ولو تربَّوا في دار النعيم لم يعرفوا قَدْرَها.
* وأيضًا؛ فإنه سبحانه أراد أمرَهم ونهيَهم، وابتلاءهم واختبارهم، وليست الجنةُ دارَ تكليف؛ فأهبطَهم إلى الأرض، وعَرَّضهم بذلك لأفضل الثواب (^١) الذي لم يكن ليُنال بدون الأمر والنَّهي.
* وأيضًا؛ فإنه سبحانه أراد أن يتخذ منهم أنبياء ورسلًا، وأولياء وشهداء، يحبُّهم ويحبُّونه، فخلَّى بينهم وبين أعدائه، وامتحنَهم بهم، فلمَّا آثروه وبذلوا نفوسَهم وأموالَهم في مرضاته ومحابِّه نالوا من محبَّته ورضوانه والقُرْب منه ما لم يكن ليُنال بدون ذلك أصلًا؛ فدرجةُ الرسالة والنبوَّة والشَّهادة والحبِّ فيه والبغض فيه وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه عنده من أفضل الدَّرجات، ولم يكن يُنالُ هذا (^٢) إلا على الوجه الذي قَدَّرَه وقضاه مِنْ إهباطه إلى الأرض وجَعْلِ معيشة أولاده فيها.
* وأيضًا؛ فإنه سبحانه له الأسماءُ الحسنى؛ فمِن أسمائه: الغفور، الرحيم، العَفُوُّ، الحليم، الخافض، الرافع، المُعِزُّ، المُذِلُّ، المُحْيِي، المميت، الوارث، الصَّبور (^٣)؛ ولا بدَّ من ظهور أثر هذه الأسماء؛ فاقتضت
_________________
(١) (ح): "وعوضهم بذلك أفضل الثواب".
(٢) (ت): "ولم تكن تنال هذه".
(٣) ورد هذا الاسم في حديث أبي هريرة الطويل في أسماء الله، الذي أخرجه الترمذي (٣٥٠٧) وغيره. والصواب الذي عليه جماعةٌ من الحفاظ: أن سرد الأسماء في هذا الحديث مدرجٌ من كلام بعض السلف. وذهب بعضهم إلى صحة رفعه. انظر: "صحيح ابن حبان" (٨٠٨)، و"مستدرك الحاكم" (١/ ١٦)، و"الأسماء والصفات" للبيهقي (١/ ٣٣)، وجزء أبي نعيم الأصبهاني في طرق هذا الحديث، و"مجموع الفتاوى" (٦/ ٣٧٩، ٨/ ٩٦، ٢٢/ ٤٨٢)، و"تفسير ابن كثير" (٤/ ١٥١٧)، و"فتح الباري" (١١/ ٢١٥)، و"الأمالي المطلقة" (٢٢٧ - ٢٤٥). كما ورد الاسم في حديثٍ آخر أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٧٤٧٥)، ولا يصحُّ.
[ ١ / ٦ ]
حكمتُه سبحانه أن يُنْزِل آدمَ وذريَّته دارًا يظهَرُ عليهم فيها أثرُ أسمائه الحسنى، يَغْفِرُ فيها لمن يشاء، ويرحمُ من يشاء، ويخفض من يشاء، ويرفعُ من يشاء، ويُعِزُّ من يشاء، ويُذِلُّ من يشاء، وينتقمُ ممن يشاء، ويعطي ويمنع، ويقبض ويبسط، إلى غير ذلك من ظهور أثر أسمائه وصفاته.
* وأيضًا؛ فإنه سبحانه الملكُ الحقُّ المبين، والملكُ هو الذي يأمرُ وينهى، ويثيبُ ويعاقب، ويُهِينُ ويُكْرِم، ويُعِزُّ ويُذِلُّ، فاقتضى ملكُه سبحانه أن أنزل آدمَ وذريَّته دارًا تجري عليهم فيها أحكامُ الملك، ثمَّ ينقلُهم إلى دارٍ يُتِمُّ عليهم فيها ذلك.
* وأيضًا؛ فإنه سبحانه أنزلهم إلى دارٍ يكونُ إيمانُهم فيها بالغيب، والإيمانُ بالغيب هو الإيمانُ النَّافع (^١)، وأمَّا الإيمانُ بالشَّهادة فكلُّ أحدٍ يؤمنُ يوم القيامة، يوم لا ينفعُ نفسًا إلا إيمانُها في الدنيا؛ فلو خُلِقوا في دار النعيم لم ينالوا درجةَ الإيمان بالغيب، واللَّذةُ والكرامةُ الحاصلة بذلك لا تحصُل بدونه، بل كان الحاصلُ لهم في دار النعيم لذَّةً وكرامةً غير هذه.
* وأيضًا؛ فإنَّ الله سبحانه خلق آدمَ من قبضةٍ قَبَضها من جميع الأرض، والأرضُ فيها الطيبُ والخبيث، والسَّهْل والحَزْن، والكريمُ واللئيم؛ فعَلِم
_________________
(١) "والإيمان بالغيب" ساقط من (ح، ن).
[ ١ / ٧ ]
سبحانه أنَّ في ظهره من لا يصلحُ لمساكنته في داره، فأنزلَه إلى دارٍ استخرَجَ فيها الطيبَ والخبيثَ من صُلْبه، ثم ميَّزهم سبحانه بدارَين؛ فجعَل الطيِّبين أهلَ جِواره ومساكنته في داره، وجعَل الخبيثين أهلَ دارِ الشَّقاء دارِ الخبثاء.
قال تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٧].
فلمَّا عَلِمَ سبحانه أنَّ في ذريَّته من ليس بأهلٍ (^١) لمجاورته، أنزلَهم دارًا استخرَجَ منها أولئك وألحقَهم بالدار التي هم لها أهل؛ حكمةً بالغة، ومشيئةً نافذة، ذلك تقديرُ العزيز العليم.
* وأيضًا؛ فإنه سبحانه لما قال للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾، أجابهم بقوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠].
ثم أظهَر سبحانه علمَه لعباده ولملائكته، بما جعَله في الأرض من خواصِّ خلقه ورسله وأنبيائه وأوليائه، ومن يتقرَّبُ إليه ويَبْذُل نفسَه في محبته ومرضاته مع مجاهدة شهوته وهواه، فيتركُ محبوباته تقربًا إليَّ (^٢)، ويتركُ شهواته ابتغاءَ مرضاتي، ويَبْذُل دمَه ونفسه في محبتي، وأخُصُّه بعلمٍ لا تَعْلَمونه، يُسَبِّحُ بحمدي آناءَ الليل وأطرافَ النَّهار، ويعبدُني مع مُعارَضات (^٣) الهوى والشَّهوة
_________________
(١) (ح): "أهلا".
(٢) كذا في الأصول. وهو التفات.
(٣) (ت): "معارضة".
[ ١ / ٨ ]
والنفس والعدوِّ، إذ تعبدونني أنتم من غير مُعارِضٍ يعارضُكم، ولا شهوةٍ تعتريكم، ولا عدوٍّ أسلِّطه (^١) عليكم، بل عبادتكم لي بمنزلة النَّفَس لأحدهم.
* وأيضًا؛ فإني أريدُ أن أُظْهِرَ ما خفي عليكم من شأن عدوِّي ومحاربته لي، وتكبُّره عن أمري، وسعيه في خلاف مرضاتي.
وهذا وهذا كانا كامنَين مستترَين في أبي البشر وأبي الجنِّ، فأنزَلهم إلى دارٍ ظَهَر فيها (^٢) ما كان الله سبحانه منفردًا بعلمه لا يعلمُه سواه، وظهرت حكمتُه وتمَّ أمرُه، وبدا للملائكة مِنْ علمه ما لم يكونوا يعلمون.
* وأيضًا؛ فإنه سبحانه لما كان يحبُّ الصَّابرين، ويحبُّ المحسنين، ويحبُّ الذين يقاتلون في سبيله صفًّا كأنهم بنيانٌ مرصوص، ويحبُّ التوابين، ويحبُّ المتطهِّرين، ويحبُّ الشاكرين، وكانت محبته أعلى أنواع الكرامات= اقتضت حكمتُه أن أسكَنَ آدمَ وبنيه دارًا يأتون فيها بهذه الصِّفات التي ينالون بها أعلى الكرامات من محبَّته؛ فكان إنزالُهم إلى الأرض من أعظم النعم عليهم، والله يختصُّ برحمته من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
* وأيضًا؛ فإنه سبحانه أراد أن يتَّخذ من آدمَ ذريةً يواليهم ويودُّهم، ويحبُّهم ويحبُّونه؛ فمحبتُهم له هي غايةُ كمالهم ونهايةُ شرفهم، ولم تكن لتتحقَّق (^٣) هذه المرتبةُ السَّنيةُ إلا بموافقة رضاه واتباع أمره، وتركِ إرادات النفس وشهواتها التي يكرهها محبوبُهم؛ فأنزلهم دارًا أمَرهم فيها ونهاهم؛ فقاموا بأمره ونهيه؛ فنالوا درجة محبَّتهم له؛ فأنالَهم درجةَ حبِّه إياهم، وهذا
_________________
(١) (ن): "سلطته".
(٢) (ق): "فأنزلهم دارا أظهر فيها".
(٣) (ق): "ولم يمكن تحقيق".
[ ١ / ٩ ]
من تمام حكمته وكمال رحمته، وهو البَرُّ الرحيم.
* وأيضًا؛ فإنه سبحانه لما خلَق خلقَه أطوارًا وأصنافًا، وسبَق في حكمه (^١) تفضيلُه آدمَ وبنيه على كثيرٍ من مخلوقاته= جعَل عبوديَّته أفضلَ درجاتهم، أعني العبوديةَ الاختيارية التي يأتونَ بها طوعًا واختيارًا، لا كرهًا واضطرارًا.
وقد ثبت أنَّ الله سبحانه أرسل جبريلَ إلى النبي - ﷺ - يخيِّره بين أن يكون مَلِكًا نبيًّا أو عبدًا نبيًّا، فنظر إلى جبريل كالمستشير له، فأشار إليه أنْ تواضعْ، فقال: "بل أكونُ عبدًا نبيًّا" (^٢)؛
فذَكَره سبحانه باسم عبوديَّته في أشرف مقاماته: في مقام الإسراء، ومقام الدَّعوة، ومقام التحدِّي.
فقال في مقام الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١]، ولم يقل: "برسوله"، ولا: "نبيه"؛ إشارةً إلى أنه نال هذا المقامَ الأعظم بكمال عبوديَّته لربه.
وقال في مقام الدعوة: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩].
_________________
(١) (ت): "حكمته".
(٢) أخرجه النسائي في "الكبرى" (٦٧١٠) - ومن طريقه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (٥/ ٣٣٨)، وأبو الشيخ في "أخلاق النبي - ﷺ -" (٦١١) من حديث ابن عباس بإسنادٍ منقطع. وانظر: "النكت الظراف" (٥/ ٢٣٢). وروي نحوه من حديث أبي هريرة. أخرجه أحمد (٢/ ٢٣١)، وأبو يعلى (٦١٠٥)، والبزار (٣/ ١٥٥ ــ كشف الأستار). وصححه ابن حبان (٦٣٦٥).
[ ١ / ١٠ ]
وقال في مقام التحدِّي: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣].
وفي "الصحيحين" في حديث الشَّفاعة، وتراجُع الأنبياء فيها، وقول المسيح - ﷺ -: "اذهبوا إلى محمد؛ عبد غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر" (^١)، فدلَّ ذلك على أنه نال ذلك المقام الأعظم (^٢) بكمال عبوديته لله، وكمال مغفرة الله له.
وإذا كانت العبوديةُ عند الله بهذه المنزلة، اقتضت حكمتُه أن أسكَنَ آدمَ وذريَّته دارًا ينالون فيها هذه الدرجةَ بكمال طاعتهم لله، وتقرُّبهم إليه بمحابِّه، وتَرْك مألوفاتهم من أجله؛ فكان ذلك من تمام نعمته عليهم وإحسانه إليهم.
* وأيضًا؛ فإنه سبحانه أراد أن يعرِّف عبادَه الذين أنعم عليهم تمامَ نعمته عليهم، ويعرِّفهم قَدْرَها؛ ليكونوا أعظم محبةً له، وأكثر شكرًا، وأعظمَ التذاذًا بما أعطاهم من النعيم؛ فأراهم سبحانه فِعْلَه بأعدائه، وما أعدَّ لهم من العذاب وأنواع الآلام، وأشهَدَهم تخليصَهم من ذلك، وتخصيصَهم بأعلى أنواع النعيم؛ ليزداد سرورُهم، وتكمُل غبطتُهم، ويعظُم فرحُهم، وتتمَّ لذتُهم، وكان ذلك من إتمام الإنعام عليهم ومحبَّتهم.
ولم يكن بدٌّ في ذلك من إنزالهم إلى الأرض وامتحانهم واختبارهم، وتوفيق من شاء منهم رحمةً منه وفضلًا، وخذلان من شاء حكمةً منه وعدلًا، وهو العليم الحكيم.
_________________
(١) "صحيح البخاري" (٤٤٧٦)، و"صحيح مسلم" (١٩٣) من حديث أنس.
(٢) (ت، ن): "العظيم".
[ ١ / ١١ ]
ولا ريب أن المؤمنَ إذا رأى عدوَّه وعدوَّ محبوبه ــ الذي هو أحبُّ الأشياء إليه ــ في أنواع العذاب والآلام، وهو يتقلَّبُ في أنواع النعيم واللذة= ازدادَ بذلك سرورُه، وعَظُمَت لذتُه وكَمُلت نعمتُه.
* وأيضًا؛ فإنه سبحانه إنما خلق الخلق لعبادته، وهي الغايةُ المطلوبة منهم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].
ومعلومٌ أن كمال العبودية المطلوبَ من الخلق لا يحصُل في دار النعيم والبقاء، إنما يحصُل في دار المحنة والابتلاء، وأما دار البقاء فدار لذَّةٍ ونعيم، لا دار ابتلاءٍ وامتحانٍ وتكليف.
* وأيضًا؛ فإنه سبحانه اقتضت حكمتُه خلقَ آدم وذريَّته في تركيبٍ (^١) مستلزمٍ لداعي الشَّهوة والغضب، وداعي العقل والعلم؛ فإنه سبحانه خلق فيه العقل (^٢) والشَّهوة ونَصَبَهما داعيَين لمقتضياتهما (^٣)؛ ليتمَّ مراده، ويظهر لعباده عزَّته في حكمته (^٤) وجبروته، ورحمته وبرِّه، ولطفه في سلطانه وملكه.
فاقتضت حكمتُه ورحمتُه أنْ أذاقَ أباهم وَبِيلَ مخالفته، وعرَّفه ما تجني عواقبُ إجابة الشَّهوة والهوى؛ ليكون أعظم حذرًا فيها (^٥) وأشدَّ
هروبًا.
_________________
(١) (ق): "من تركيب".
(٢) من قوله: "وأيضا فإنه سبحانه" إلى هنا بياض في (د).
(٣) (ق): "بمقتضياتهما".
(٤) (ت): "عزته وحكمته".
(٥) أي: الإجابة. (ت): "فيهما" أي: الهوى والشهوة.
[ ١ / ١٢ ]
وهذا كحال رجلٍ سائرٍ على طريقٍ قد كَمَنت الأعداءُ في جَنَباته، وخلفه وأمامه، وهو لا يشعرُ بها (^١)، فإذا أصيب منها مرةً بمصيبةٍ استعدَّ في سيره، وأخذ أُهْبَةَ عدوِّه، وأعدَّ له ما يدفعُه به. ولولا أنه ذاق ألم إغارة عدوِّه عليه وتبييته له لما سمحت نفسُه بالاستعداد والحذر وأخذ العُدَّة.
فمِن تمام نعمة الله على آدم وذريَّته أنْ أراهم ما فعَل العدوُّ بهم وبأبيهم فاستعدُّوا له وأخذوا أُهْبتَه.
فإن قيل: كان من الممكن أن لا يسلِّط عليهم العدوَّ.
قيل: قد تقدَّم أنه سبحانه خلق آدمَ وذريَّته على بِنْيةٍ وتركيبٍ مستلزمٍ لمخالطتهم لعدوِّهم وابتلائهم به، ولو شاء لخلقَهم كالملائكة الذين هم عقولٌ بلا شهوات (^٢)، فلم يكن لعدوِّهم طريقٌ إليهم، ولكن لو خُلِقوا هكذا لكانوا خلقًا آخرَ غيرَ بني آدم؛ فإنَّ بني آدم قد رُكِّبوا على العقل والشَّهوة.
* وأيضًا؛ فإنه لما كانت محبةُ الله وحده هي غاية كمال العبد وسعادته التي لا كمال له ولا سعادة بدونها أصلًا، وكانت المحبةُ الصَّادقةُ إنما تتحقَّقُ (^٣) بإيثار المحبوب على غيره من محبوبات النفوس، واحتمال أعظم المشاقِّ في طاعته ومرضاته، فبهذا تتحقَّق المحبةُ ويُعْلَمُ ثبوتُها في القلب= اقتضت حكمتُه سبحانه إخراجَهم إلى هذه الدَّار المحفوفة بالشهوات ومحابِّ النفوس، التي بإيثار المحبوب (^٤) الحقِّ عليها والإعراض عنها
_________________
(١) "بها" ليست في (ق).
(٢) (ح): "شهوة".
(٣) التاء الأولى مضبوطةٌ بالضم في (ق) في الموضعين.
(٤) (ت): "النفوس". وساقطة من (د، ق).
[ ١ / ١٣ ]
يتحقَّقُ حبُّهم له وإيثارهم إيَّاه على غيره.
وكذلك بتحمُّل (^١) المشاقِّ الشديدة، وركوب الأخطار، واحتمال المَلامة، والصبر على دواعي الغيِّ والضلال، ومجاهدتها (^٢) = يقوى سلطانُ المحبة، وتثبُت (^٣) شجرتُها في القلب، وتَعْظُم (^٤) ثمرتُها على الجوارح؛ فإنَّ المحبة الثابتة اللازمة على كثرة الموانع والعوارض والصَّوارف هي المحبةُ الحقيقيةُ النافعة، وأمَّا المحبةُ المشروطة بالعافية والنعيم واللذَّة وحصول مراد المحبِّ من محبوبه فليست محبةً صادقة، ولا ثباتَ لها عند المعارضات والموانع؛ فإنَّ المعلَّق على الشرط عدمٌ عند عدمه، ومَنْ وَدَّك لأمرٍ ولَّى عند انقضائه.
وفرقٌ بين من يعبدُ الله على السرَّاء والرخاء والعافية فقط، وبين من يعبده على السرَّاء والضرَّاء، والشدَّة والرخاء، والعافية والبلاء.
* وأيضًا؛ فإنَّ الله سبحانه له الحمدُ المطلقُ الكاملُ الذي لا نهاية بعده، فكان ظهورُ الأسباب التي يُحْمَدُ عليها مِنْ مقتضى كونه محمودًا، وهي من لوازم حمده تعالى، وهي نوعان: فضلٌ، وعدل؛ إذ هو سبحانه المحمودُ على هذا وعلى هذا، فلا بدَّ من ظهور أسباب العدل واقتضائها لمسمَّياتها، ليترتَّب عليها (^٥) كمالُ الحمد الذي هو أهلُه.
_________________
(١) (د): "تتحمل". (ت): "ولذلك تتحمل". (ح، ن): "ولذلك يتحمل".
(٢) (ح، ن): "وبمجاهدتها".
(٣) (ن): "وتنبت".
(٤) (د، ق، ن، ح): "وتطعم".
(٥) (ح): "المرتب عليها".
[ ١ / ١٤ ]
فكما أنه سبحانه محمودٌ على إحسانه وبرِّه، وفضله وثوابه، فهو محمودٌ على عدله وانتقامه وعقابه، إذ مَصْدَرُ (^١) ذلك كلِّه عن عزَّته وحكمته.
ولهذا ينبِّه ﷾ على هذا كثيرًا، كما في سورة الشعراء، حيث يذكرُ في آخرِ كلِّ قصَّةٍ من قصص الرسل وأممهم: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ٨ - ٩]؛ فأخبر سبحانه أنَّ ذلك صادرٌ عن عزَّته المتضمِّنة كمالَ قدرته، وحكمته المتضمِّنة كمالَ علمه ووضعه الأشياءَ مواضعها اللائقة بها (^٢). فما وَضعَ نعمتَه وإنجاءه (^٣) لرسله ولأتباعهم، ونقمتَه وإهلاكَه لأعدائهم، إلا في محلِّها اللائق بها؛ لكمال عزَّته وحكمته.
ولهذا قال سبحانه عقبَ إخباره عن قضائه بين أهل السَّعادة والشَّقاوة، ومصير كلٍّ منهم إلى ديارهم التي لا يليقُ بهم غيرُها، ولا تقتضي حكمتُه سواها: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥].
* وأيضًا؛ فإنه سبحانه اقتضت حكمتُه وحمدُه أنْ فاوتَ بين عباده أعظمَ تفاوتٍ وأبينَه؛ ليشكره منهم من ظهرت عليه نعمتُه وفضلُه، ويعرفَ أنه قد حُبِيَ بالإنعام، وخُصَّ دونَ غيره بالإكرام.
_________________
(١) (ق): "إذ يصدر".
(٢) كذا في الأصول. وهو سهوٌ من المصنف؛ فليس في الآية ذكرٌ للحكمة، وإنما هي الرحمة. وتنبَّه لذلك في "شفاء العليل" (٥٦٢)، و"مدارج السالكين" (٣/ ٤٩٢)، فقال: "فصدور هذا الإهلاك عن عزته وذلك الإنجاء عن رحمته".
(٣) في الأصول: "ونجاته". كأن المصنف رسمها: "وإنجائه". والإهلاك يقابله: الإنجاء. وانظر: "المدارج" (الموضع السابق).
[ ١ / ١٥ ]
ولو تساووا جميعُهم في النعمة والعافية لم يعرِف صاحبُ النعمة قدرَها، ولم يبذل شكرَها إذ لا يرى أحدًا إلا في مثل حاله.
ومن أقوى أسباب الشكر وأعظمها استخراجًا له من العبد: أن يرى غيرَه في ضدِّ حاله الذي هو عليها من الكمال والفلاح.
وفي الأثر المشهور: أنَّ الله سبحانه لما أرى آدمَ ــ ﵇ ــ ذريتَه، وتفاوتَ مراتبهم (^١)، قال: يا ربِّ! هلَّا سوَّيتَ بين عبادك. قال: "إني أحبُّ أن أُشْكَر" (^٢).
فاقتضت محبتُه سبحانه لأن يُشْكَر خَلْقَ الأسباب التي يكونُ شكرُ الشَّاكرين عندها أعظمَ وأكمل، وهذا هو عينُ الحكمة الصَّادرة عن صفة الحمد.
_________________
(١) (ح، ن): "فرأى تباينهم وتفاوت مراتبهم".
(٢) أخرجه عبد الله بن أحمد في "زوائد المسند" (٥/ ١٣٥)، والطبري في "التفسير" (١٣/ ٢٣٨)، والفريابي في "القدر" (٥١، ٥٢)، وابن منده في "الرد على الجهمية" (٣٠)، وابن عبد البر في "التمهيد" (١٨/ ٩١)، وغيرهم من طرقٍ يصحُّ بها عن أبيِّ ابن كعبٍ موقوفًا في سياقٍ طويل. وصححه الحاكم في "المستدرك" (٢/ ٣٢٣) ولم يتعقبه الذهبي، وخرَّجه الضياء في "المختارة" (٣/ ٣٦٤). وانظر: "الروح" للمصنف (٤٣٥، ٤٤٥). وروي نحوه من حديث أبي هريرة عند ابن أبي حاتم في "التفسير"، ولا يصحُّ. انظر: "تفسير ابن كثير" (٤/ ١٥٠٨). وروي من مرسل الحسن البصري عند عبد الرزاق في "المصنف" (١٠/ ٤٢٤)، وابن أبي شيبة (١٣/ ٥٠٨)، وابن أبي الدنيا في "الشكر" (١٦٥) من طرق.
[ ١ / ١٦ ]
* وأيضًا؛ فإنه سبحانه لا شيء أحبَّ إليه من العبد مِنْ تذلُّله بين يديه، وخضوعه وافتقاره، وانكساره وتضرُّعه إليه.
ومعلومٌ أنَّ هذا المطلوبَ من العبد إنما يتمُّ بأسبابه التي يتوقَّف عليها، وحصولُ هذه الأسباب في دار النعيم المطلق والعافية الكاملة ممتنع؛ إذ هو مستلزمٌ للجمع بين الضدَّين.
* وأيضًا؛ فإنه سبحانه له الخلقُ والأمر، والأمرُ هو شرعُه وأمرُه ودينُه الذي بعث به رسلَه، وأنزل به كتبه، وليست الجنةُ دار تكليفٍ تجري عليهم فيها أحكامُ التكليف ولوازمُها، وإنما هي دارُ نعيمٍ ولذَّة؛ فاقتضت حكمتُه سبحانه إخراجَ آدمَ (^١) وذريَّته إلى دارٍ تجري عليهم [فيها] (^٢) أحكامُ دينه وأمره؛ ليظهرَ فيهم مقتضى الأمر ولوازمُه؛ فإنَّ الله سبحانه كما أنَّ أفعاله وخلقَه من لوازم كمال أسمائه الحسنى وصفاته العلى، فكذلك أمرُه وشرعُه وما يترتبُ عليه من الثواب والعقاب.
وقد أرشدَ سبحانه إلى هذا المعنى في غير موضعٍ من كتابه، فقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦]، أي: مهملًا معطَّلًا لا يؤمرُ ولا يُنهى، ولا يثابُ ولا يعاقَب.
وهذا يدلُّ على أنَّ هذا منافٍ لكمال حكمته، وأنَّ ربوبيته وعزَّته وحكمته تأبى ذلك، ولهذا أخرجَ الكلامَ مخرجَ الإنكار على من زعم ذلك، وهو يدلُّ على أنَّ حُسْنَه مستقرٌّ في الفِطر والعقول، وقُبحَ تركه سدًى معطَّلًا مستقرٌّ في
_________________
(١) (ت، ق): "استخراج آدم".
(٢) ليست في الأصول. والسياق يقتضيها.
[ ١ / ١٧ ]
الفِطر، فكيف يُنْسَبُ إلى الربِّ ما قبحُه مستقرٌّ في فطركم وعقولكم؟!
وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٥ - ١١٦]؛ نزَّه نفسه سبحانه عن هذا الحُسْبان (^١) الباطل المضادِّ لمُوجَب أسمائه وصفاته، وأنه لا يليقُ بجلاله نسبتُه إليه.
ونظائرُ هذا في القرآن كثيرة.
* وأيضًا؛ فإنه سبحانه يحبُّ من عباده أمورًا يتوقَّفُ حصولُها منهم على حصول الأسباب المقتضية لها، ولا تحصُل إلا في دار الابتلاء والامتحان؛ فإنه سبحانه يحبُّ الصابرين، ويحبُّ الشاكرين، ويحبُّ الذين يقاتلون في سبيله صفًّا، ويحبُّ التَّوابين، ويحبُّ المتطهِّرين، ولا ريبَ أنَّ حصول هذه المحبوبات بدون أسبابها ممتنع، كامتناع حصول الملزوم بدون لازمه، والله سبحانه أفرحُ بتوبة عبده حين يتوبُ إليه من الفاقد لراحلته التي عليها طعامُه وشرابُه في أرضٍ دَوِيَّةٍ مَهْلَكةٍ إذا وجدَها.
كما ثبت في "الصحيح" عن النبي - ﷺ - أنه قال: "لَلَّهُ أشدُّ فرحًا بتوبة عبده المؤمن من رجلٍ في أرضٍ دَوِيَّةٍ مَهْلَكةٍ معه راحلتُه، عليها طعامُه وشرابُه، فنام، فاستيقَظ وقد ذهبَت، فطلبها حتى أدركَه العطش، ثم قال: أرجعُ إلى المكان الذي كنتُ فيه، فأنامُ حتى أموت، فوضع رأسَه على ساعده ليموت، فاستيقظ وعنده راحلتُه، عليها زادُه وطعامُه وشرابُه، فالله
_________________
(١) بكسر الحاء في (ق). والوجهان جائزان. وفي (ح، ن): "الحساب". وفي هامش (ح) إشارة إلى أن في نسخة: "الحسبان".
[ ١ / ١٨ ]
أشدُّ فرحًا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته" (^١).
وهذا غايةُ ما يكونُ من الفرح وأعظمُه، ومع هذا فالله سبحانه أشدُّ فرحًا بتوبة العبد المؤمن من فرح هذا براحلته (^٢).
وسيأتي ــ إن شاء الله ــ الكلامُ على هذا الحديث (^٣)، وذكرُ سرِّ هذا الفرح بتوبة العبد (^٤).
والمقصودُ أنَّ هذا الفرحَ المذكورَ إنما يكونُ بعد التوبة من الذنب، فالتوبةُ والذنبُ لازمان لهذا الفرح، ولا يوجد الملزومُ بدون لازمه، وإذا كان هذا الفرحُ المذكورُ إنما يحصُل بالتوبة المستلزمة للذنب، فحصولُه في دار النعيم التي لا ذنبَ فيها ولا مخالفة ممتنع.
ولما كان هذا الفرحُ أحبَّ إلى الربِّ سبحانه من عدمه اقتضت محبتُه له خلقَ الأسباب المُفْضِية إليه؛ ليترتَّب عليها المُسَبَّبُ الذي هو محبوبٌ له.
* وأيضًا؛ فإن الله سبحانه جعل الجنةَ دار جزاءٍ وثواب، وقسَّم منازلها بين أهلها على قَدْرِ أعمالهم، وعلى هذا خلقها سبحانه؛ لما له في ذلك من الحكمة التي اقتضتها أسماؤه وصفاتُه؛ فإنَّ الجنة درجاتٌ بعضُها فوق
_________________
(١) "صحيح البخاري" (٦٣٠٨)، و"صحيح مسلم" (٢٧٤٤) من حديث ابن مسعود. والدَّوِيَّة: الأرض القفر الخالية. والمَهْلكة (بفتح اللام وكسرها): موضع خوف الهلاك.
(٢) من قوله: "وهذا غاية" إلى هنا ليس في (ح، ن).
(٣) لم يقع ذلك في باقي الكتاب، وانظر ما سيأتي (ص: ٨١٣)، وراجع ما كتبناه في المقدمة.
(٤) (ت): "الفرح بهذا العبد".
[ ١ / ١٩ ]
بعض، وبين الدرجتين كما بين السَّماء والأرض؛ كما في الصحيح عن النبي - ﷺ - أنه قال: "إنَّ الجنةَ مئة درجة، بين كلِّ درجتين كما بين السَّماء والأرض" (^١).
وحكمةُ الربِّ سبحانه مقتضيةٌ لعمارة هذه الدَّرجات كلِّها، وإنما تُعْمَرُ ويقعُ التفاوتُ فيها بحسب الأعمال، كما قال غيرُ واحدٍ من السلف: "ينجونَ من النار بعفو الله ومغفرته، ويدخلونَ الجنة بفضله ونعمتِه (^٢)، ويتقاسمونَ المنازلَ بأعمالهم" (^٣).
وعلى هذا حملَ غيرُ واحدٍ ما جاء من إثبات دخول الجنة بالأعمال، كقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢]، وقوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢].
قالوا: وأما نفيُ دخولها بالأعمال كما في قوله - ﷺ -: "لن يَدْخُل الجنةَ أحدٌ بعمله" قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا" (^٤)، فالمرادُ به نفيُ أصل الدخول.
_________________
(١) "صحيح البخاري" (٢٧٩٠) من حديث أبي هريرة.
(٢) (ق): "ونعمته ومغفرته".
(٣) أخرجه هناد في "الزهد" (١/ ٤٠٤) عن ابن مسعود موقوفًا بإسنادٍ ضعيف. وأخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٤/ ٢٤٦)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٧/ ٧٤) عن عون بن عبد الله. وروي مرفوعًا من حديث أنس بن مالك عند ابن أبي الدنيا بإسنادٍ ضعيف، ساقه ابن كثير في "النهاية" (٢٠/ ١٠١) ثم قال: "وهذا حديث غريب".
(٤) أخرجه البخاري (٥٦٧٣)، ومسلم (٢٨١٦) من حديث أبي هريرة.
[ ١ / ٢٠ ]
وأحسنُ من هذا أن يقال: الباءُ المقتضيةُ للدخول غيرُ الباء التي نُفِيَ معها الدخول؛ فالمقتضيةُ هي باءُ السببية الدالَّة على أن الأعمال سببٌ للدخول مقتضيةٌ له كاقتضاء سائر الأسباب لمُسَبَّباتها (^١)، والباءُ التي نُفِيَ بها الدخولُ هي باءُ المُعاوَضة والمقابلة التي في نحو قولهم: اشتريتُ هذا بهذا (^٢).
فأخبَر النبي - ﷺ - أنَّ دخولَ الجنة ليس في مقابل عمل أحد، وأنه لولا تغمُّد الله سبحانه لعبده برحمته لما أدخله الجنة، فليس عملُ العبد ــ وإن تناهى ــ مُوجِبًا بمجرَّده لدخول الجنة، ولا عِوَضًا لها، فإنَّ أعماله وإن وقعت منه على الوجه الذي يحبُّه الله ويرضاه فهي لا تقاوِمُ نعمةَ الله التي أنعَم بها عليه في دار الدنيا، ولا تُعادِلها، بل لو حاسَبه لوقعَت أعمالُه كلُّها في مقابلة اليسير من نِعَمه، وتبقى بقيةُ النعم مقتضيةً لشكرها، فلو عذَّبه في هذه الحالة لعذَّبه وهو غيرُ ظالمٍ له، ولو رحمَه لكانت رحمتُه خيرًا له من عمله؛ كما في "السنن" من حديث زيد بن ثابت وحذيفة بن اليمان وغيرهما مرفوعًا إلى النبي - ﷺ - أنه قال: "إنَّ الله لو عذَّب أهلَ سماواته وأهلَ أرضه لعذَّبهم وهو غيرُ ظالمٍ لهم، ولو رحمَهم لكانت رحمتُه خيرًا لهم من أعمالهم" (^٣).
_________________
(١) (ت): "سائر الأسباب المسبب إليها".
(٢) انظر تقرير هذا المعنى في "جامع الرسائل" (١/ ١٤٣)، و"مجموع الفتاوى" (١/ ٢١٧، ٨/ ٧٠)، و"مدارج السالكين" (١/ ١٠٦)، و"حادي الأرواح" (١٧٧)، و"الكافية الشافية" (١٠٣٤)، وما سيأتي من الكتاب (ص:١٠٩١).
(٣) أخرجه أبو داود (٤٦٩٩)، وابن ماجه (٧٧)، وأحمد (٥/ ١٨٥، ١٨٩)، وغيرهم. وصححه ابن حبان (٧٢٧)، والمصنف في "شفاء العليل" (١١٣). وقال الحافظ ابن رجب في "جامع العلوم والحكم" (٤٢٢): "وفي هذا الحديث نظر؛ ووهب بن خالد ليس بذاك المشهور بالعلم، وقد يحمل على أنه لو أراد تعذيبهم لقدَّر لهم ما يعذِّبهم عليه، فيكون غير ظالمٍ لهم حينئذ". وفيما قال ابن رجب ﵀ نظر؛ فإنَّ وهب بن خالد - على ثقته - لم ينفرد بالحديث، فقد أخرجه الفريابي في "القدر" (١٩٠، ١٩١) - ومن طريقه الآجري في "الشريعة" (٣٧٣، ٤٢٤) -، وابن بطة في "الإبانة" (١٥٨٨ - القدر) من وجهٍ آخر لا بأس به. ثم إنَّ ما ذكره من التوجيه ليس بجيد. وانظر لتحقيق معنى الحديث، وغلط الطوائف في فهمه: "شفاء العليل" (٣٤٣)، و"طريق الهجرتين" (٦٢١)، و"عدة الصابرين" (٢٦٦)، وما سيأتي من الكتاب (ص: ١١٣٢).
[ ١ / ٢١ ]
والمقصودُ أنَّ حكمتَه سبحانه اقتضت خلقَ الجنة درجاتٍ بعضُها فوق بعض، وعمارتَها بآدم وذريته، وإنزالَهم فيها بحسب أعمالهم. ولازمُ هذا إنزالُهم إلى دار العمل والمجاهدة.
* وأيضًا (^١)؛ فإنه سبحانه خلق آدمَ وذريته ليستخلفَهم في الأرض، كما أخبر سبحانه في كتابه بقوله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٦٥]، وقال: ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٢٩].
فأراد سبحانه أن ينقلَه وذريَّته من هذا الاستخلاف إلى توريثه جنةَ الخلد، وعَلِمَ سبحانه بسابق علمه أنه لضعفه وقصور نظره قد يختارُ العاجلَ الخسيسَ على الآجل النفيس؛ فإنَّ النفسَ مُولَعةٌ بحبِّ العاجلة وإيثارها على الآخرة، وهذا من لوازم كونه خُلِقَ من عَجَل وخُلِقَ عجولًا (^٢).
_________________
(١) انظر: "تفسير الراغب الأصبهاني" (ق ٤٠/أ).
(٢) (ق): "من لوازم قوله: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾، وقوله: وخلق الإنسان". والإشارة إلى الآيتين من سورة الأنبياء: ٣٧، والإسراء: ١١، إلا أن صواب الآية الثانية: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾.
[ ١ / ٢٢ ]
فعلمَ سبحانه ما في طبيعته من الضَّعف والخَوَر، فاقتضت حكمتُه أنْ أدخلَه الجنة ليعرفَ النعيمَ الذي أُعِدَّ له عيانًا؛ فيكون إليه أشوَق (^١)، وعليه أحرَص، وله أشدَّ طلبًا؛ فإنَّ محبةَ الشيء وطلبه والشَّوق إليه من لوازم تصوُّره، فمن باشر طِيبَ شيءٍ ولذَّته وتذوَّق به (^٢) لم يكد يصبرُ عنه؛ وهذا لأنَّ النفسَ ذوَّاقةٌ توَّاقة، فإذا ذاقَت تاقَت، ولهذا إذا ذاق العبدُ طعمَ الإيمان وخالطت (^٣) بشاشتُه قلبَه رسخَ فيه حبُّه، ولم يُؤْثِر عليه شيئًا أبدًا.
وفي "الصحيح" من حديث أبي هريرة ﵁ المرفوع: "إنَّ الله ﷿ يسألُ الملائكة، فيقول: ما يسألني عبادي؟ فيقولون: يسألونك الجنة، فيقول: وهل رأوها؟ فيقولون: لا يا ربِّ، فيقول: كيف لو رأوها؟ فيقولون: لو رأوها لكانوا أشدَّ لها طلبًا" (^٤).
فاقتضت حكمتُه أنْ أراها أباهم وأسكنَه إيَّاها، ثم قَصَّ على بنيه قصَّتَه فصاروا كأنهم مشاهِدون لها حاضرون (^٥) مع أبيهم، فاستجاب من خُلِقَ لها وخُلِقَت له، وسارع إليها، ولم يَثْنِه عنها العاجلة، بل يَعُدُّ نفسَه كأنه فيها ثم سَباه العدوُّ، فيراها وطنه الأوَّل وقد أُخرِجَ منه، فهو دائمُ الحنين إلى وطنه،
_________________
(١) (ت): "أشوف".
(٢) كذا في الأصول. عدى الفعل بالباء.
(٣) (ق): "وخالط"، وفي (ح، ن): "وخالط بشاشة".
(٤) "صحيح البخاري" (٦٤٠٨)، و"صحيح مسلم" (٢٦٨٩).
(٥) (ق، ت): "مشاهدين لها حاضرين".
[ ١ / ٢٣ ]