وسأسوق ما وقفتُ عليه من ذلك مرتبًا حسب وفيات مصنفيها:
* عمرو بن بحر الجاحظ (ت: ٢٥٥):
ونقل من كتاب "الدلائل والاعتبار" المنسوب إليه (^١)، وكاد أن
_________________
(١) وهو كتابٌ متنازع النسبة. ولا ريب أن للجاحظ كتابًا في هذا الباب، ذكره في جريدة مصنفاته النديم في "الفهرست" (٢١١)، وياقوت في "إرشاد الأريب" (٢١١٩)، وسمياه: "التفكر والاعتبار"، لكن بعض المعاصرين ذهب إلى أن ما بين أيدينا اليوم ليس به، وأنه منحولٌ على أبي عثمان لا يشبه أسلوبه، ومن أولئك: حسن السندوبي في "أدب الجاحظ" (٤٤، ١٥٣)، ومحمود أبو رية في رسائل الرافعي إليه (١٤٧، ٢٠٨). والمثبتون له المصححون لنسبته أجلُّ، فأولهم: الإمام المحقق المجتهد محمد بن إبراهيم الوزير (ت: ٨٤٠)، فقد وقف عليه وأطراه وسماه: "العبر والاعتبار"، في "العواصم والقواصم" (٤/ ٣٣، ٣٧)، و"إيثار الحق على الخلق" (١٦٩). وثانيهم: العلامة الشوكاني (ت: ١٢٥٠) في "فتح القدير" (٥/ ٥٦٧)، وأثنى عليه كذلك، ومن الكتاب نسخٌ خطية في مكتبات اليمن، وللزيدية هناك عنايةٌ بتراث المعتزلة وتهمُّم، وكثيرٌ منه طبع عن أصول احتفظت بها خزائنهم. وثالثهم: إمام الأدب لعصره مصطفى صادق الرافعي، وحسبك به خبرةً بطرائق الكلام وأنسًا ببيان الجاحظ، فقد كتب لأبي ريه حين طبع الكتاب بحلب سنة ١٩٢٨ يوصيه به: "طبع للجاحظ كتابٌ جديد اسمه كتاب الدلائل والاعتبار، فلا يفتك هذا الكتاب، وهو من أهم كتب الجاحظ، بل لعله أهمها في الرأي والفكر؛ لأنه أغار فيه على آراء الفلاسفة القدماء في حكمة المخلوقات وجاء بها في عبارة سَرِيَّة، رحم الله هذا الرجل وزمنه وأهل زمنه". "الرسائل" (١٤٧). ولم يقنع بذلك صاحبه، فكتب إليه سنة ١٩٣١ يسأله رأيه في نسبة الكتاب، فأجابه الرافعي: "لا يمكن إثباتُ كتاب لمؤلف كالجاحظ زوَّر على غيره وزوَّر غيرُه عليه إلا مقابلة الكتاب بأسلوبه في دقائقه وتفاصيله، والراجح أن كتاب دلائل الاعتبار له لولا بعض عبارات ضعيفة تعترض في أثنائه". "الرسائل" (٢٠٨). طبع الكتاب بمصر قديمًا سنة ١٩١٤ بالمطبعة الأميرية ملحقًا بكتاب التاج المنسوب للجاحظ، ولم يشتهر، ثم نشره الشيخ محمد راغب الطباخ في مطبعته العلمية بحلب سنة ١٩٢٨ بعنوان: "الدلائل والاعتبار على الخلق والتدبير"، فاشتهر وذاع، وسقطت مقدمته من النسخة التي اعتمد عليها، ووقف المستشرق الألماني كرنكو على نسخة متأخرة للكتاب في المتحف البريطاني فنشر مقدمتها في "مجلة المجمع العلمي العربي" بدمشق (٩/ ٥٥٨ - ٥٦١). وتناهبه النسَّاخ والمؤلفون، ونُسِبَ نِسَبًا شتى: * فنُسِبَ إلى جعفر الصادق ﵁، وأنه أملاه على المفضَّل بن عمر الجعفي، وانفرد الشيعة بهذه النسبة، وأقدم من نسب الكتاب منهم: النجاشي (ت: ٤٥٠) في رجاله (١١١٢)، وسماه: كتاب الفكر والحث على الاعتبار، ثم ابن طاووس علي بن موسى بن جعفر بن طاووس الحسني أبو القاسم (ت: ٦٦٤) في كتابيه: "كشف المحجة" (ص: ٩) و"الأمان من أخطار الأسفار والأزمان" (ص: ٩١)، وسماه في الأول: كتاب المفضل بن عمر الذي أملاه مولانا الصادق ﵇ فيما خلق الله ﷻ من الآثار، وسماه في الثاني: معرفة وجوه الحكمة في إنشاء العالم السفلي وإظهار أسراره. وأثنى عليه كثيرًا. ومن البيِّن أنه لم يكن له اسمٌ علَمي عندهم، ولذا اختلفت عباراتهم عند ذكره. وانظر: "الذريعة" (٤/ ٤٨٢، ٦/ ٤٩، ١٣/ ١٥٤، ١٦/ ٣٠٠، ١٨/ ١٥٢). وأدرجه المجلسي (ت: ١١١١) بتمامه في "بحار الأنوار" (٣/ ٥٧ - ١٥١)، وفرَّقه في مواضع كثيرة من كتابه وعلَّق عليه وشرح ألفاظه، وشرحه غير واحد منهم. واشتهر عند متأخريهم باسم "توحيد المفضَّل"، وبه طبع قديمًا في إيران والهند، وحديثًا في مؤسسة الوفاء ببيروت (الطبعة الثانية: ١٤٠٦) وهي التي اعتمدت، ونسخه الخطية في الأزهرية وبرنستون ومشهد وغيرها. انظر: "تاريخ الأدب العربي" (١/ ٢٦٠، ٢٦١)، و"تاريخ التراث العربي" (١/ ٢٧٠، ٢٧٩). والمفضَّل غالٍ مضطرب الرواية فاسد المذهب عند متقدمي مؤرخي الشيعة، مقبولٌ عند متأخريهم، كما قال المامقاني في "تنقيح المقال" (٣/ ٢٤٠): إن ما كان يعدُّ غلوًّا عند قدماء الشيعة تعدُّه الشيعةُ الآن من ضروريات مذهب التشيع!!. وقد وُضِعَ عليه وزيد شيءٌ كثير باعتراف محققيهم. وانظر لمصادر ترجمته: "الفائق في رواة وأصحاب الإمام الصادق" (٣/ ٢٩١). وأهمها وأقدمها: "اختيار معرفة الرجال" للطوسي (٢/ ٦١٢)، و"رجال النجاشي" (١١١٢). ودلائل الوضع على هذه النسبة لائحةٌ ظاهرة، وما هو من طريقة جعفر الصادق وأهل عصره بسبيل، وتحامق القوم فجعلوا في أوله قصة ركيكة لسبب إملائه، وألحقوا بآخره مادة رافضية تباين الكتاب روحًا وأسلوبًا، وبنى معاصروهم عليه علالي وقصورًا. وقد عُرِض الكتاب على الشيخ محمد بن إبراهيم سنة ١٣٧٧، فأجاب بأن في نسبته إلى جعفر الصادق شكًّا، وأن في آخره غلوًّا في أهل البيت، وما فيه من الحق فكتبُ المحققين من الأئمة المقتدى بهم كابن القيم وغيره تغني عنه. "الفتاوى والرسائل" (١٣/ ١٢٤). * ونسب إلى أبي حامد الغزالي، مع إضافات قليلة، وطبع طبعات عديدة بعنوانات مختلفة، منها: "الحكمة في مخلوقات الله"، و"أسرار الحكمة في المخلوقات"، وأورده الدكتور عبد الرحمن بدوي في كتابه "مؤلفات الغزالي" (٢٥٧) في القسم المشكوك في نسبته، ولم يبين سبب الشك. وقد ذكر السبكي في "الطبقات" (٦/ ٢٢٧)، والزبيدي في "الإتحاف" (١/ ٤٢) وغيرهما من تصانيف أبي حامد: "عجائب صنع الله"، فهل أرادوا هذا؟ وهل يحتمل أن تصح نسبته إليه ويكون قد أغار فيه على كتاب الجاحظ؟ * ونسب إلى جبريل بن نوح الأنباري، وهي نسبةٌ مشكلة، ففي مقدمة النُّسخ المنسوبة للجاحظ: "وقد ألَّف مثل كتابنا هذا جماعةٌ من الحكماء المتقدمين، فما أوضحوا معانيه، ولا بينوا المشكل منه، فمنهم: جبريل بن نوح الأنباري؛ لأنه صدَّر كتابه بغير خطبة ولا مقدمة، ورتبه ترتيب الفلاسفة، وصدَّره بكلام منغلق، ونظمه نظمًا غير متسق ". ولا ريب أن النسخة التي وقف عليها ابن القيم كانت منسوبة إليه، فقد قال (ص: ٦٣٢): "قرأت بخط الفاضل جبريل بن نوح الأنباري "، ثم نقل نصًّا منه. ولم أجد لجبريل هذا ترجمة. وفي خزانة أيا صوفيا (٤٨٣٦) نسخة من الكتاب منسوبة إليه، وفيها أنه صنفه أيام المتوكل، انظر: "تاريخ الأدب العربي" (٣/ ١٢٨). فهل هي بخط جبريل؟ وهل هو صاحب الكتاب الأصلي والجاحظ أو غيره ناقلون عنه؟ * وللحارث المحاسبي (ت: ٢٤٣) كتاب في هذا الباب بعنوان: "التفكر والاعتبار"، ذكره النديم في "الفهرست" (٢٣٦)، وأبدى السندوبي في "أدب الجاحظ" (١٥٣) احتمال أن يكون هو أصل كتابنا هذا. ولم يعثر عليه بعد. وأيًّا ما كان، فليس من غرضنا ههنا تحرير نسبة الكتاب، وحسبنا أنه مصدرٌ متقدمٌ معروفٌ قبل زمن ابن القيم اعتمد عليه وأفاد منه.
[ المقدمة / ٤٠ ]
يستوعبه في الفصول التي عقدها للتفكر في عجائب الخلق (ص: ٥٨٦ - ٨٠٦)، وله بين تضاعيفها تعليقاتٌ واستطرادات.
* ابن قتيبة (ت: ٢٧٦):
[ المقدمة / ٤٣ ]
ونقل من كتابه "عيون الأخبار" (ص: ٤٧٧ - ٤٨٣).
* أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠):
ونقل من كتابه "تهذيب الآثار" (ص: ١٤٨٦، ١٤٨٨، ١٥٣٧ - ١٥٣٩).
* أبو بكر ابن دريد (ت: ٣٢١):
ونقل من كتابه "الاشتقاق" (ص: ١٥٢١).
* القفال الشاشي (ت: ٣٦٥):
ونقل من كتابه "محاسن الشريعة" (ص: ٨٦٠)، وذكره (ص: ٩٦٤) وأثنى عليه.
* الشريف المرتضى (ت: ٤٣٦):
ونقل من رسالته في الرد على المنجمين (ص: ١١٩١)، ولعله نقل عنها بواسطة.
* أبو الحسين القشيري (ت: ٤٦٥):
ونقل من كتابه "الرسالة القشيرية" (ص: ٤٣٥ - ٤٣٨، ٤٥٤).
* الراغب الأصفهاني (ت: ٥٠٢):
ونقل من تفسيره (ص: ٢٢).
* أبو حامد الغزالي (ت: ٥٠٥):
ونقل من كتبه:
- "إحياء علوم الدين"، فانتفع بكتاب العلم عند البحث في وجوه فضل
[ المقدمة / ٤٤ ]
العلم، مع تعليقاتٍ طوال ونقول من مصادر أخرى، واستوعب كتاب التفكر عند الكلام في التفكر وفضله ومجاريه وعجائب خلق الإنسان وغيره (ص: ٥١٥ - ٥٨٣) (^١).
- "المستصفى " (ص: ٩٧٤ - ٩٧٨، ٩٧٩ - ٩٨٢).
- "تهافت الفلاسفة" (ص: ١٤١٤، ١٤١٦، ١٤١٨).
* الزمخشري (ت: ٥٣٨).
ونقل من كتابه "الكشاف" (ص: ٤٤).
* الشهرستاني (ت: ٥٤٨):
ونقل من كتابه "نهاية الأقدام" (ص: ٩٧٢ - ٩٧٤، ٩٧٨، ٩٨٣ - ٩٨٨، ٩٩٠، ٩٩١).
* ابن الجوزي (ت: ٥٩٧):
ونقل من كتابيه:
- "المدهش" (ص: ٨٣٠).
- "زاد المسير" (ص: ١٣٦٠).
* فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦):
ونقل من كتابه "السر المكتوم" (ص: ١١٧٩، ١٢٦٩، ١٢٨٢، وغيرها)،
_________________
(١) وأتى الزبيدي في شرحه، فنقل كثيرًا عن المصنف دون تصريح! وصرَّح به في بعض المواضع.
[ المقدمة / ٤٥ ]
وأشار إلى تصنيف الرازي له (ص: ١٣٦٥). [ومن كتابه في أقسام اللذات في مواضع كثيرة (ص: ٣٦٩ - ٣٨٣)، بتصرفٍ واختصارٍ حينًا، وبألفاظه وسياقه حينًا، وصرَّح باسمه في موضع واحد (ص: ٤١٠)، ويقابلها في كتاب الرازي (ص: ٢١٤ - ٢٥١ نشرة ليدن)].
* العز بن عبد السلام (ت: ٦٦٠):
ونقل من كتابه "قواعد الأحكام" (ص: ٩٠٠).
* أبو العباس ابن تيمية (ت: ٧٢٨):
ونقل من كتبه:
- "الجواب الصحيح" (ص: ١١٥٧).
- "شرح حديث أبي ذر" (ص: ١١٣٨).
- فتيا في الجنة التي أسكنها آدم (ص: ٧٧).
ومن المواضع التي لا أرتاب في أنها منقولةٌ عن مصدرٍ آخر، لكن لم أهتد إلى ه: سردُ الحوادث التي ظهر فيها كذبُ المنجمين، فإنها من جنس نثر العماد الكاتب والقاضي الفاضل وأضرابهما.
ولا ريب أن التصريح بالعزو عند النقل مِن شُكر العلم، وهو المتعيِّن، وخلافُه ليس عُرفًا مقبولًا بحال، بل ما زال أهل العلم
_________________
(١) ومنهم المصنف في مواضع من كتبه ينصُّون على فضل إضافة الفائدة لقائلها ونسبتها إلى صاحبها، ويتمثَّلونه في كتبهم، وينكرون على من حاد عن محجَّته، فلعل له عذرًا في ترك الإفصاح عن النقل في هذه المواضع. * * *
[ المقدمة / ٤٦ ]