الشِّلاق (^١) لا يحصِّلُ غرضًا (^٢) ولا يزيلُ مرضًا، فسلكنا هذا السبيلَ ليكون قولهم مردودًا على كلِّ قولٍ من أقوال الأمة (^٣)، والله المستعان، وعليه التُّكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فنقول: أما ما ذكرتموه من كون الجنة التي أُهبِط منها آدمُ ليست جنةَ الخلد، وإنما هي جنةٌ غيرها، فهذا مما قد اختلف فيه الناس (^٤)، والأشهَر عند الخاصَّة والعامة الذي لا يخطرُ بقلوبهم سواه أنها جنة الخُلد التي أُعِدَّت للمتقين، وقد نصَّ غيرُ واحدٍ من السَّلف على ذلك.
_________________
(١) سيأتي تفسيره (ص: ١٠٣٥).
(٢) (ق): "يحصل غرضًا"، بالإثبات. والصواب المثبت.
(٣) (ق): "الأئمة".
(٤) انظر: "حادي الأرواح" (٤٥ - ٩٠)، و"البداية والنهاية" (١/ ١٧٥ - ١٨٠)، و"سير أعلام النبلاء" (١٥/ ٥٥٨)، و"تأويلات أهل السنة" للماتريدي (١/ ١٠٦)، و"حقائق التأويل" للشريف الرضي (٢٤٦)، و"أعلام النبوة" للماوردي (٥٤)، و"مفاتيح الأسرار" للشهرستاني (١/ ٢٨٢، ٢٨٧)، و"التبيان" للطوسي (١/ ١٣٥، ١٥٦، ٤/ ٣٦٧)، و"تفسير القرطبي" (١/ ٣٠٢)، و"البحر المحيط" (١/ ١٥٦)، و"روح المعاني" (١/ ٢٣٤)، و"التحرير والتنوير" (١/ ٤٣٠)، و"تفسير المنار" (١/ ٢٧٧)، و"محاسن التأويل" (٢/ ١١١)، و"إكمال المعلم" (٦/ ٣٠٦، ٨/ ١٣٨)، و"فتح الباري" (١١/ ٥٢٠)، و"التيجان" لابن هشام (١٨)، و"شمس العلوم" لنشوان (٦٨٥٩)، و"البدء والتاريخ" (٢/ ٨٤)، و"اللمعة البيضاء" للتبريزي (٤٢٢)، وفي حاشية الأخير مواضع المسألة في كتب الشيعة. وانظر المصادر الآتية في التعليقات. وهو خلافٌ ينبغي فصلُه والخروجُ منه، كما قال ابن كثير، وإن لم تكن المسألة من أصول العلم.
[ ١ / ٣٧ ]
واحتجَّ من نصر هذا بما رواه مسلمٌ في "صحيحه" (^١) من حديث أبي مالكٍ الأشجعيِّ، عن أبي حازم، عن أبي هريرة. وأبي مالك عن رِبْعِيِّ بن حِرَاش، عن حذيفة، قالا: قال رسول الله - ﷺ -: "يجمعُ الله ﷿ النَّاس، فيقومُ المؤمنون حتى تُزْلَفَ لهم الجنة، فيأتون آدمَ ﵇، فيقولون: يا أبانا استفتح لنا الجنة، فيقول: وهل أخرجَكم من الجنة إلا خطيئةُ أبيكم آدم؟ " وذكر الحديث.
قالوا: فهذا يدلُّ على أنَّ الجنة التي أُخْرِج منها آدمُ هي بعينها التي يُطلبُ منه أن يستفتحها لهم.
قالوا: ويدلُّ عليه أنَّ الله سبحانه قال: ﴿يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ إلى قوله: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾، فهذا يدلُّ على أنَّ هبوطَهم (^٢) كان من الجنة إلى الأرض، من وجهين:
أحدهما: من لفظ قوله: ﴿اهْبِطُوا﴾، فإنَّ الهبوطَ نزولٌ من عُلْوٍ إلى سُفْل (^٣).
والثاني: قوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ عقيب قوله: ﴿اهْبِطُوا﴾، فدلَّ على أنهم لم يكونوا أوَّلًا في الأرض.
وأيضًا؛ فإنه سبحانه وصَف الجنةَ التي أُسْكِنَها آدمُ بصفاتٍ لا تكونُ في الجنة الدنيوية، فقال تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ
_________________
(١) (١٩٥).
(٢) (ق): "هبوطه".
(٣) (ق، ن): "سفول". (ح): "أسفل".
[ ١ / ٣٨ ]
فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٨ - ١١٩]، وهذا لا يكونُ في الدنيا أصلًا، ولو كان الرجلُ في أطيب منازلها فلا بدَّ أن يَعْرِض له الجوعُ والظَّمأُ والعُرْي (^١) والضُّحِيُّ للشمس.
وأيضًا؛ فإنها لو كانت الجنةُ في الدنيا لعَلِمَ آدمُ كذبَ إبليس في قوله: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾؛ فإنَّ آدمَ كان يعلم أنَّ الدنيا منقضيةٌ فانية، وأنَّ مُلْكَها يبلى.
وأيضًا؛ فإنَّ قصَّة آدمَ في "البقرة" ظاهرةٌ جدًّا في أنَّ الجنة التي أُخْرِجَ منها فوق السَّماء؛ فإنه سبحانه قال: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤) وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٤ - ٣٧]، فهذا إهباطُ آدمَ وحوَّاءَ وإبليسَ من الجنة، ولهذا أتى فيه بضمير الجمع (^٢).
وقيل: إنه خطابٌ لهم (^٣) وللحيَّة. وهذا يحتاجُ إلى نقلٍ ثابت؛ إذ لا ذكر للحية في شيءٍ من قصَّة آدم وإبليس.
وقيل: خطابٌ لآدم وحوَّاء، وأتى فيه بلفظ الجمع؛ كقوله تعالى:
_________________
(١) (ق): "والتعري".
(٢) (د، ت): "بصيغة الجمع".
(٣) (ت): "لآدم وحواء".
[ ١ / ٣٩ ]
﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨].
وقيل: لآدم وحوَّاء وذريتهما.
وهذه الأقوالُ ضعيفةٌ غير الأول؛ لأنها بين قولٍ لا دليل عليه، وبين ما يدلُّ ظاهرُ الخطاب على خلافه؛ فثبت أنَّ إبليس داخلٌ في هذا الخطاب، وأنه من المُهْبَطين من الجنة.
ثم قال تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨]، وهذا الإهباطُ الثاني لا بدَّ أن يكون غيرَ الأوَّل، وهو إهباطٌ من السماء إلى الأرض؛ وحينئذٍ فتكون الجنةُ التي أُهْبِطوا منها أوَّلًا فوق السماء، وهي جنةُ الخلد.
وقد ذهبت طائفةٌ ــ منهم الزمخشريُّ ــ إلى أنَّ قوله: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ خطابٌ لآدم وحوَّاء خاصَّة، وعبَّر عنهما بالجمع لاستتباعهما ذريَّاتهما (^١).
قال: "والدليلُ عليه قولُه تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ ".
قال: "ويدلُّ على ذلك قولُه: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٨ - ٣٩]، وما هو إلا حكمٌ يعمُّ الناسَ كلهم، ومعنى ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ
_________________
(١) (ح، ن): "ذريتهما".
[ ١ / ٤٠ ]
عَدُوٌّ﴾ ما عليه الناسُ من التعادي والتباغض وتضليل بعضهم لبعض" (^١).
وهذا الذي اختاره أضعفُ الأقوال في الآية؛ فإنَّ العداوةَ التي ذكرها اللهُ في كتابه (^٢) إنما هي بين آدم وإبليس وذرياتهما، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦] (^٣)، وأمَّا آدمُ وزوجُه فإنَّ الله سبحانه أخبر في كتابه أنه خلقها منه ليَسْكُنَ إليها، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١]، فهو سبحانه جعَل المودةَ بين الرجل وزوجه، وجعل العداوة بين آدمَ وإبليسَ وذرياتهما.
ويدلُّ عليه ــ أيضًا ــ عَوْدُ الضَّمير إليهم بلفظ الجمع، وقد تقدَّم ذكرُ آدمَ وزوجه وإبليس في قوله: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾، فهؤلاء ثلاثة: آدم، وزوجه، وإبليس؛ فلماذا يعودُ الضميرُ على بعض المذكور (^٤) مع منافرته لطريق الكلام، ولا يعودُ على جميع المذكور مع أنه وَجْهُ الكلام؟!
فإن قيل: فما تصنعون بقوله في سورة طه: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾، وهذا خطابٌ لآدم وحوَّاء، وقد أخبر بعداوة بعضهم بعضًا؟
_________________
(١) "الكشاف" (١/ ١٢٨).
(٢) "في كتابه" من (ت) فقط.
(٣) في (ق) هنا زيادة: "ولا عدو" ولا معنى لها.
(٤) (ت): "المذكورين". وضرب على الياء والنون في (د).
[ ١ / ٤١ ]
قيل: إما أن يكون الضميرُ في قوله: ﴿اهْبِطَا﴾ راجعًا إلى آدمَ وزوجِه، أو يكون راجعًا إلى آدم وإبليس، ولم يذكر الزوجةَ لأنها تَبَعٌ له.
وعلى الثاني؛ فالعداوةُ المذكورةُ للمخاطَبين بالإهباط، وهما آدمُ وإبليس.
وعلى الأول؛ تكون الآيةُ قد اشتملت على أمرين:
أحدهما: أمرُه لآدمَ وزوجِه بالهبوط.
والثاني: جعلُه العداوةَ بين آدمَ وزوجه وإبليس. ولا بدَّ أن يكون إبليس داخلًا في حكم هذه العداوة قطعًا، كما قال تعالى له (^١): ﴿إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ [طه: ١١٧]، وقال لذريته: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦].
وتأمَّل كيف اتفقت المواضعُ التي فيها العداوةُ على ضمير الجمع دونَ التثنية، وأما ذِكرُ الإهباط فتارةً يأتي بلفظ ضمير الجمع، وتارةً بلفظ التثنية، وتارةً يأتي بلفظ الإفراد لإبليسَ وحده، كقوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾، فهذا الإهباطُ لإبليس وحده، والضميرُ في قوله: ﴿مِنْهَا﴾ قيل: إنه عائدٌ إلى الجنة. وقيل: عائدٌ إلى السماء.
وحيث أتى (^٢) بصيغة الجمع، كان لآدمَ وزوجِه وإبليس؛ إذ مدارُ القصَّة عليهم.
_________________
(١) أي: لآدم. وسقطت "له" من (ق).
(٢) أي: الضمير في ذكر الإهباط.
[ ١ / ٤٢ ]
وحيثُ أتى بلفظ التثنية، فإمَّا أن يكون لآدمَ وزوجِه ــ إذ هما اللذان باشرا الأكلَ من الشجرة وأقدما على المعصية ــ، وإمَّا أن يكون لآدمَ وإبليس ــ إذ هما أبوَا الثقلين ــ، فذكر حالهما وما آل إليه أمرُهما؛ ليكون عظةً وعبرةً لأولادهما. والقولان محكيَّان في ذلك.
وحيث أتى بلفظ الإفراد، فهو لإبليسَ وحدَه.
وأيضًا؛ فالذي يوضِّح أنَّ الضمير في قوله: ﴿اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ لآدمَ وإبليس: أنَّ الله سبحانه لمَّا ذكَر المعصية أفردَ بها آدمَ دون زوجِه، فقال: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢) قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا﴾، وهذا يدلُّ على أنَّ المخاطَب بالإهباط هو آدمُ ومن زيَّن له المعصية، ودخلت الزوجةُ تبعًا.
وهذا لأنَّ المقصودَ إخبارُ الله تعالى لعباده المكلفين من الجنِّ والإنس بما جرى على أبويهما من شُؤم المعصية ومخالفة الأمر؛ لئلَّا يقتدوا بهما في ذلك؛ فذِكْرُ أبوي الثَّقلين أبلغُ في حصول هذا المعنى من ذكر أبوي الإنس فقط.
وقد أخبَر الله سبحانه عن الزوجة أنها أكلت مع آدم، وأخبَر أنه أهبطَه وأخرجَه (^١) من الجنة بتلك الأكلة؛ فعُلِمَ أنَّ هذا اقتضاءُ حكم الزوجة، وأنها صارت إلى ما صار إليه آدم؛ فكان تجريدُ العناية إلى ذِكر حال الأبوين اللذين هما أصلُ الذرية أولى من تجريدها إلى ذكر أبي الإنس وأمِّهم، والله أعلم.
_________________
(١) (ح): "أهبطها وأخرجها".
[ ١ / ٤٣ ]
وبالجملة؛ فقولُه: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ ظاهرٌ في الجمع، فلا يسوغُ حملُه على الاثنين في قوله: ﴿اهْبِطَا﴾.
قالوا: وأمَّا قولكم: إنه كيف وسوسَ لهما بعد إهباطه من الجنة؟ ومحالٌ أن يصعدَ إليها بعد قوله تعالى له: ﴿اهْبِطْ مِنْهَا﴾.
فجوابُه من وجوه (^١):
أحدها: أنه أُخرِجَ منها ومُنِعَ من دخولها على وجه السُّكنى والكرامة واتخاذها دارًا، فمن أين لكم أنه مُنِعَ من دخولها على وجه الابتلاء والامتحان لآدمَ وزوجِه؟! ويكونُ هذا دخولًا عارضًا كما يدخل الشُّرَطُ دارَ من أُمِروا بابتلائه ومحنته، وإن لم يكونوا أهلًا لسكنى تلك الدار.
الثاني: أنه كان يدنو من السماء فيكلِّمُهما ولا يدخلُ عليهما دارَهما.
الثالث: أنه لعله قام على الباب فناداهما وقاسَمَهما ولم يَلِج الجنة.
الرابع: أنه قد رُوِي أنه أراد الدخولَ عليهما، فمنعته الخَزَنة، فدخل في فم الحيَّة حتى دخلت به عليهما، ولا يشعرُ الخزنةُ بذلك (^٢).
قالوا: ومما يدلُّ على أنها جنةُ الخلد بعينها أنها جاءت مُعَرَّفةً بلام التعريف في جميع المواضع، كقوله: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾، ولا جنةَ يعهدُها المخاطَبون ويعرفونها إلا جنةَ الخُلدِ التي وَعَدَ الرحمنُ عبادَه
_________________
(١) هذا جواب الزمخشري في "الكشاف" (١/ ١٢٨).
(٢) أخرجه الطبري في "التفسير" (١/ ٢٢٧) عن ابن عباسٍ وابن مسعودٍ من وجهٍ لا يثبت. وانظر تعليق الطبري على ما تضمنته هذه الرواية في (١/ ٥٣٢).
[ ١ / ٤٤ ]
بالغيب، فقد صار هذا الاسمُ عَلَمًا عليها بالغَلَبة، وإن كان في أصل الوضع (^١) عبارةً عن البستان ذي الثمار والفواكه، وهذا كالمدينة لـ "طيبة" والنجم لـ "الثريا"، ونظائرها.
فحيثُ ورد اللفظُ معرَّفًا بالألف واللام انصرف إلى الجنة المعهودة المعلومة في قلوب المؤمنين، وأما إن أريد به جنةٌ غيرها فإنها تجيء منكَّرة، كقوله: ﴿جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ [الكهف: ٣٢]، أو مقيَّدةً بالإضافة، كقوله: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ﴾ [الكهف: ٣٩]، أو مقيَّدةً من السِّياق بما يدلُّ على أنها جنةٌ في الأرض، كقوله: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ [القلم: ١٧] الآيات؛ فهذا السِّياقُ والتقييدُ يدلُّ على أنها بستانٌ في الأرض.
قالوا: وأيضًا؛ فإنه قد اتفق أهلُ السنة والجماعة على أنَّ الجنة والنار مخلوقتان، وقد تواترت الأحاديثُ عن النبي - ﷺ - بذلك، كما في "الصحيحين" عن عبد الله بن عمر عن النبي - ﷺ - أنه قال: "إنَّ أحدَكم إذا مات عُرِضَ عليه مقعدُه بالغداة والعشيِّ، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدُك حتى يبعثك الله يوم القيامة" (^٢).
وفي "الصحيحين" من حديث أبي سعيد الخدريِّ عن النبي - ﷺ - قال: "اختصمت الجنةُ والنار، فقالت الجنة: ما لي لا يدخلُني إلا ضعفاءُ النَّاس وسَقَطُهم؟ وقالت النار: ما لي لا يدخلُني إلا الجبَّارون والمتكبِّرون؟ فقال
_________________
(١) (ت): "في نفس الأمر".
(٢) "صحيح البخاري" (١٣٧٩)، و"صحيح مسلم" (٢٨٦٦).
[ ١ / ٤٥ ]
للجنة: أنت رحمتي أرحمُ بك من أشاء، وقال للنار: أنت عذابي أعذِّبُ بك من أشاء" الحديث (^١).
وفي "السنن" عن أبي هريرة أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: "لما خلق الله الجنةَ والنار أرسل جبريل إلى الجنة فقال: اذهب فانظر إليها وإلى ما أعددتُ لأهلها. قال: فذهبَ فنظر إليها وإلى ما أعدَّ الله لأهلها " الحديث (^٢).
وفي "الصحيحين" (^٣) في حديث الإسراء: "ثمَّ رُفِعَت لي سِدْرةُ المنتهى، فإذا ورقُها مثل آذان الفُيول، وإذا نَبِقُها مثل قِلال هَجَر، وإذا أربعةُ أنهار: نهران ظاهران، ونهران باطنان، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: أمَّا النهران الظاهران فالنيلُ والفرات، وأمَّا الباطنان فنهران في الجنة".
وفيه أيضًا: "ثمَّ أُدْخِلتُ الجنة، فإذا جَنابِذُ اللؤلؤ (^٤)، وإذا ترابها المسك" (^٥).
وفي "صحيح البخاري" (^٦) عن أنس عن النبي - ﷺ - قال: "بينا أنا أسيرُ في الجنة إذا أنا بنهرٍ حافَتاه قِبابُ الدُّرِّ المُجَوَّف، قال: قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثرُ الذي أعطاك ربُّك. فضرب المَلَكُ بيده فإذا طينُه
_________________
(١) "صحيح البخاري" (٤٨٥٠)، و"صحيح مسلم" (٢٨٤٦).
(٢) أخرجه أبو داود (٤٧٤٤)، والترمذي (٢٥٦٠)، والنسائي (٣٧٧٢)، وصححه الترمذي، وابن حبان (٧٣٩٤)، والحاكم (١/ ٢٦) ولم يتعقبه الذهبي.
(٣) "البخاري" (٣٢٠٧)، و"مسلم" (١٦٤) من حديث مالك بن صعصعة.
(٤) جمع جُنْبُذَة. وهي القُبَّة. "النهاية" (١/ ٣٠٥).
(٥) "البخاري" (٣٤٩)، و"مسلم" (١٦٣) من حديث أبي ذر.
(٦) (٦٥٨١).
[ ١ / ٤٦ ]
مِسكٌ أَذْفَر".
وفي "صحيح مسلم" (^١) في حديث صلاة الكسوف أنَّ النبي - ﷺ - جعل يتقدَّمُ ويتأخَّرُ في الصلاة، ثم أقبل على أصحابه، فقال: "إنه عُرِضَت عليَّ الجنةُ والنار، فقُرِّبت منِّي الجنة حتى لو تناولتُ منها قِطْفًا لأخذتُه، فلو أخذتُه لأكلتُم منه ما بَقِيَت الدنيا".
وفي "صحيح مسلم" (^٢) عن ابن مسعودٍ في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]: أنَّ "أرواحهم في جوف طيرٍ خُضر، لها قناديلُ معلَّقةٌ بالعرش، تسرَحُ من الجنة حيث شاءت، ثمَّ تأوي إلى تلك القناديل، فاطَّلع عليهم ربُّك اطِّلاعةً، فقال: هل تشتهون شيئًا؟ فقالوا: أيَّ شيءٍ نشتهي ونحن نسرحُ من الجنة حيث شئنا؟! " الحديث.
وفي الصحيح (^٣) من حديث ابن عباس قال: قال رسولُ الله - ﷺ -: "لما أصيبَ إخوانُكم بأحدٍ جعل الله أرواحَهم في أجواف طيرٍ خُضرٍ تَرِدُ أنهارَ
_________________
(١) (٩٠١، ٩٠٤، ٩٠٧) بنحوه. وورد الحديث في (ت، ق) مختصرًا.
(٢) (١٨٨٧). والظاهر أنه من كلام النبي - ﷺ -، ولم يصرِّح بذلك ابن مسعود لظهور العلم به وأن الوهم لا يذهب إلى سواه، ثم لشدة احتياطه وتحريه في رفع الحديث. انظر: "شرح مسلم" للنووي (٧/ ٣٤)، و"تهذيب سنن أبي داود" للمصنف (٧/ ١٤٠)، و"المغني عن حمل الأسفار" للعراقي (٢/ ٢٥٥). وقال المزي في "تحفة الأشراف" (٧/ ١٤٥): "موقوف".
(٣) (ت): "الصحيحين". ولم أقف على الحديث فيهما. وقد استدركه الحاكم كما سيأتي. فلعل المصنف أراد صحة الحديث فحسب.
[ ١ / ٤٧ ]
الجنة، وتأكلُ من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهبٍ معلَّقةٍ في ظلِّ العرش، فلما وجدوا طِيبَ مأكلهم ومشربهم ومَقِيلهم، قالوا: من يُبَلِّغ عنَّا إخواننا أنَّا في الجنة نُرزَق؛ لئلَّا يزهَدوا في الجهاد، ولا يَنْكُلوا عن الحرب؟ فقال الله: أنا أبلِّغُهم عنكم؛ فأنزل الله ﷿: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ الآية" (^١).
وفي "الموطأ" (^٢) من حديث كعب بن مالكٍ أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: "إنما نَسَمةُ المؤمن طائرٌ يَعْلقُ في الجنَّة حتى يُرْجِعَه اللهُ إلى جسده يوم يبعثُه".
وفي "البخاري" (^٣) أنَّ إبراهيم ابن رسول الله - ﷺ - لما توفِّي قال رسولُ الله - ﷺ -: "إنَّ له مُرْضِعًا في الجنة".
وفي "صحيح البخاري" (^٤) عن عمران بن حصين، قال: قال رسولُ الله - ﷺ -: "اطَّلعتُ في الجنة فرأيتُ أكثر أهلها الفقراء، واطَّلعتُ في النَّار فرأيتُ أكثر أهلها النساء".
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢٥٢٠)، وأحمد (١/ ٢٦٦)، وغيرهما. وصححه الحاكم (٢/ ٨٨) على شرط مسلم ولم يتعقبه الذهبي، وخرَّجه الضياء في "المختارة" (١٠/ ٣٤٩). وحديث ابن مسعود السابق يشهد له.
(٢) (١/ ٣٢٨)، ومن طريقه أحمد (٣/ ٤٥٥)، والنسائي (٢٠٧٢)، وغيرهما بإسنادٍ صحيح. وصححه ابن حبان (٤٦٥٧). وانظر: "تفسير ابن كثير" (٢/ ٨٠٨، ٧/ ٣٤١٤).
(٣) (١٣٨٢).
(٤) (٣٢٤١).
[ ١ / ٤٨ ]
والآثارُ في هذا الباب أكثر من أن تُذْكَر (^١).
وأمَّا القولُ بأنَّ الجنة والنار لم تخلقا بعد، فهو قولُ أهل البدع من ضُلَّال المعتزلة ومن قال بقولهم (^٢)، وهم الذين يقولون: إنَّ الجنة التي أُهْبِطَ منها آدمُ إنما كانت جنةً بشرقيِّ (^٣) الأرض. وهذه الأحاديثُ وأمثالُها تردُّ قولهم.
قالوا: وأمَّا احتجاجُكم بسائر الوجوه التي ذكرتموها في الجنة، وأنها منتفيةٌ في الجنة التي أُسكِنَها آدم، من اللغو والكذب، والنَّصَب والعُرْي، وغير ذلك؛ فهذا كلُّه حقٌّ، لا ننكره نحن ولا أحدٌ من أهل الإسلام؛ ولكن هذا إنما هو إذا دخلها المؤمنون يوم القيامة، كما يدلُّ عليه سياقُ الكلام، وهذا لا ينفي أن يكون فيها بين آدم وإبليسَ ما حكاه الله ﷿ من الامتحان والابتلاء، ثم (^٤) يصيرُ الأمرُ عند دخول المؤمنين إليها إلى ما أخبر الله ﷿ به؛ فلا تنافي بين الأمرين.
قالوا: وأمَّا قولكم: إنَّ الجنة دارُ جزاءٍ وثواب، وليست دار تكليف، وقد كلَّف الله سبحانه آدمَ فيها بالنهي عن الشجرة.
فجوابُه من وجهين:
_________________
(١) انظر: "حادي الأرواح" (٣٣ - ٤٥)، و"التيجان" لابن هشام (٢٠)، و"نظم المتناثر" للكتاني (٢٣٢).
(٢) انظر: "أوائل المقالات" للمفيد (١٢٤، ٢٢٠)، و"حقائق التأويل" للشريف الرضي (٢٤٥)، و"الفِصَل" (٤/ ١٤١)، و"الانتصار" للعمراني (٦٥٩).
(٣) مهملة في (د). وفي (ت، ق): "تسير في".
(٤) (ت): "حتى".
[ ١ / ٤٩ ]