إنما كانت جنةً في الأرض في موضعٍ عالٍ منها، لا أنها جنةُ المأوى التي أعدَّها الله لعباده المؤمنين يوم القيامة.
وذكر منذر بن سعيد هذا القول في "تفسيره" عن جماعة، فقال: "وأما قولُه لآدم: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾:
فقالت طائفة: أسكن اللهُ تعالى آدمَ - ﷺ - جنةَ الخلد التي يدخلُها المؤمنون يوم القيامة.
وقال آخرون: هي جنةٌ غيرُها جعلها الله له، وأسكنه إيَّاها، ليست جنة الخلد".
قال: "وهذا قولٌ تكثرُ الدلائلُ الشاهدة له، والموجبةُ للقول به؛ لأنَّ الجنةَ التي تُدْخَلُ بعد القيامة هي من حيِّز الآخرة (^١)، وفي اليوم الآخر تُدْخَل؛ ولم يأتِ بعد، وقد وصفها الله لنا في كتابه بصفاتها، ومحالٌ أن يصفَ الله شيئًا بصفةٍ ثمَّ يكون ذلك الشيءُ بغير تلك الصفة التي وصفها به، والقولُ بهذا دافعٌ لما أخبر اللهُ به".
قالوا: وجدنا الله ﵎ وصَف الجنة التي أعدَّت للمتقين بعد قيام القيامة بدار المُقامة، ولم يُقِم آدمُ فيها.
_________________
(١) (ق، ت): "خير الآخرة".
[ ١ / ٢٨ ]
ووصَفها بأنها جنةُ الخلد، ولم يخلَّد آدمُ فيها.
ووصَفها بأنها دارُ جزاء، ولم يقل: إنها دارُ ابتلاء، وقد ابتلي آدمُ فيها بالمعصية والفتنة.
ووصَفها بأنها ليس فيها حَزَن، وأنَّ الداخلين إليها يقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤]، وقد حَزِنَ فيها آدم.
ووجدناه سمَّاها: ﴿دَارُ السَّلَامِ﴾، ولم يَسْلَم فيها آدمُ من الآفات التي تكونُ في الدنيا.
وسمَّاها: ﴿دَارُ الْقَرَارِ﴾، ولم يستقرَّ فيها آدم.
وقال فيمن يدخلها: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحِجْر: ٤٨]، وقد أُخرِجَ منها آدمُ بمعصيته.
وقال: ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ﴾ [الحِجر: ٤٨]، وقد نَدَّ (^١) آدمُ فيها هاربًا فارًّا عند إصابته المعصية، وطَفِقَ يخصِفُ ورَقَ الجنة على نفسه، وهذا النَّصَبُ بعينه الذي نفاه الله عنها.
وأخبَر أنه لا يُسْمَعُ فيها لغوٌ ولا تأثيم، وقد أَثِمَ فيها آدم، وأُسْمِعَ فيها ما هو أكبر من اللغو، وهو أنه أُمِرَ فيها بمعصية ربه.
وأخبَر أنه لا يُسْمَعُ فيها لغوٌ ولا كِذَّاب (^٢)، وقد أسمعه فيها إبليسُ الكذب، وغرَّه وقاسمه عليه أيضًا بعد أن أسمعه إياه.
_________________
(١) مضبوطة في (د، ق). ندَّ البعيرُ: شَرَد وذهب على وجهه.
(٢) (ح): "كذابا". وفي (ق): "كذب".
[ ١ / ٢٩ ]
وقد شربَ آدمُ من شرابها الذي سمَّاه في كتابه: ﴿شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]، أي: مُطهَّرًا من جميع الآفات المذمومة، وآدمُ لم يطهَّر من تلك الآفات.
وسمَّاها الله تعالى: ﴿مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾، وقد كَذَبَ إبليسُ فيها آدمَ، ومقعدُ الصِّدق لا كذبَ فيه.
وعِلِّيُّون لم يكن فيها استحالةٌ قطُّ ولا تبديل، ولا يكونُ بإجماع المصلِّين، والجنةُ في أعلى عليين.
والله تعالى فإنما قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، ولم يقل: إني جاعلٌ (^١) في جنة المأوى، فقالت الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾، والملائكةُ أتقى لله من أن تقول ما لا تعلم، وهم القائلون: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾، وفي هذا دلالةٌ على أنَّ الله قد كان أعلَمهم أنَّ بني آدم سيفسدون في الأرض، وإلا فكيف كانوا يقولون ما لا يعلمون، والله تعالى يقول ــ وقوله الحق ــ: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٧]، والملائكةُ لا تقول ولا تعمل إلا بما تؤمرُ به لا غير، قال الله تعالى: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠].
والله تعالى أخبرنا أنَّ إبليس قال لآدم: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠]، فإن كان الله أسكن آدمَ جنةَ الخلد والمُلكَ الذي لا يبلى، فكيف لم يردَّ عليه نصيحتَه ويكذِّبه في قوله، فيقول: وكيف تدلُّني على شيءٍ أنا فيه وقد أُعطِيتُه واحتزتُه (^٢)؟!
_________________
(١) (ت، د، ن): "جاعله".
(٢) مهملة في (د، ق). وساقطة من (ت). والمثبت من (ح، ن).
[ ١ / ٣٠ ]
بل كيف لم يَحْثُ الترابَ في وجهه ويسبَّه؟!؛ لأنَّ إبليس ليس كان يكون بهذا الكلام مُغْوِيًا له، إنما كان يكون زاريًا عليه (^١)؛ لأنه إنما وعده على معصية ربه بما كان فيه لا زائدًا عنه، ومثلُ هذا لا يخاطَبُ به إلا المَجانين الذين لا يعقِلون؛ لأنَّ العِوَض الذي وعَده به بمعصية ربه قد كان أحرزه، وهو الخلدُ والمُلْكُ الذي لا يبلى.
ولم يخبر اللهُ آدمَ إذ أسكنه الجنة أنه فيها من الخالدين، ولو كان فيها من الخالدين لما رَكَنَ إلى قول إبليس، ولا قَبِلَ نصيحتَه، ولكنه لما كان في غير دار خلودٍ غَرَّه بما أطمَعه فيه من الخُلد، فقَبِل منه، ولو أخبر اللهُ آدمَ أنه في دار الخُلد ثمَّ شكَّ في خبر ربه لسمَّاه كافرًا، ولما سمَّاه عاصيًا؛ لأن من شكَّ في خبر الله فهو كافر، ومن فعَل غيرَ ما أمره الله به وهو معتقدٌ للتصديق لخبر ربه فهو عاصٍ، وإنما سمَّى اللهُ آدمَ عاصيًا ولم يسمِّه كافرًا.
قالوا: فإن كان آدمُ أُسكِن جنة الخُلد، وهي دارُ القُدس التي لا يدخلها إلا طاهرٌ مقدَّس؛ فكيف توصَّل إليها إبليسُ الرجسُ النجسُ الملعونُ المذمومُ المدحور حتى فَتَنَ فيها آدم؟!
وإبليسُ فاسقٌ قد فسق عن أمر ربه، وليست جنةُ الخلد دارَ الفاسقين، ولا يدخلها فاسقٌ بتَّةً، إنما هي دارُ المتقين، وإبليس غيرُ تقيٍّ، فبعد أن قيل له: اهبِط (^٢) منها فما يكونُ لك أن تتكبَّر فيها، أيُفْسَحُ له (^٣) أن يرقى إلى جنة المأوى فوق السماء السابعة بعد السخط والإبعاد له بالعُتُوِّ والاستكبار؟!
_________________
(١) أي: عائبًا محتقرًا له، مستخفًّا به.
(٢) كذا في الأصول، على سبيل الاستشهاد، لا التلاوة.
(٣) (ق): "انفسح له".
[ ١ / ٣١ ]
هذا مضادٌّ لقوله تعالى: ﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾، فإن كانت مخاطبتُه آدمَ بما خاطبه به وقاسمه عليه ليس تكبُّرًا فليس تَعْقِلُ العربُ التي نزل القرآن بلسانها ما التكبُّر!
ولعل من ضَعُفَت رويَّته وقَصُرَ بحثُه (^١) أن يقول: إنَّ إبليسَ لم يَصِل إليها، ولكنَّ وسوستَه وصلت!
فهذا قولٌ يُشْبِهُ قائلَه، ويُشاكِلُ مُعتقِدَه، وقولُ الله تعالى حكمٌ بيننا وبينه، وقولُه تعالى: ﴿وَقَاسَمَهُمَا﴾ يردُّ ما قال؛ لأنَّ المقاسَمة ليست وسوسة، ولكنَّها مخاطبةٌ ومشافَهة، ولا تكونُ إلا من اثنين، شاهدَين (^٢) غير غائبَين، ولا أحدهما.
ومما يدلُّ على أنَّ وسوستَه كانت مخاطبةً قولُ الله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ الآية، فأخبر أنه قال له، ودلَّ ذلك على أنه إنما وسوسَ إليه مخاطبةً، لا أنه أوقَع ذلك في نفسه (^٣) بلا مقاوَلة، فمن ادَّعى على الظاهر تأويلًا ولم يُقِم عليه دليلًا لم يجب قبولُ قوله.
وعلى أنَّ الوسوسة قد تكونُ كلامًا مسموعًا أو صوتًا قال رؤبة (^٤):
* وَسْوَسَ يدعو مُخْلِصًا ربَّ الفَلَق *
_________________
(١) (ت، ن، ح): "وقصر به بحثه".
(٢) (ق): "وشاهدين".
(٣) (ت، ح، ن): "بنفسه".
(٤) ديوانه (١٠٨).
[ ١ / ٣٢ ]
وقال الأعشى (^١):
تَسْمَعُ للحَلْيِ وَسْواسًا إذا انصَرَفَتْ كما استعانَ بريحٍ عِشْرقٌ زَجِلُ
قالوا: وفي قول إبليس لهما: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف: ٢٠] دليلٌ على مشاهدته لهما وللشجرة.
ولما كان آدمُ خارجًا من الجنة وغير ساكنٍ فيها قال الله: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف: ٢٢]، ولم يقل: "عن هذه الشجرة"، كما قال له إبليس؛ لأنَّ آدم لم يكن حينئذٍ في الجنة ولا مشاهدًا للشجرة.
مع قوله ﷿: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]؛ فقد أخبَر سبحانه خبرًا محكمًا غير مشتبهٍ أنه لا يصعدُ إليه إلا كلمٌ طيبٌ وعملٌ صالح، وهذا مما قدَّمنا ذكرَه، أنه لا يَلِجُ المقدَّسَ المطهَّر إلا مقدَّسٌ مطهَّرٌ طيِّب، ومعاذَ الله أن تكون وسوسةُ إبليسَ مقدَّسةً أو طاهرةً أو خيرًا، بل هي شرٌّ كلُّها، وظلمةٌ وخبثٌ ورجس. تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
وكما أنَّ أعمال الكافرين لا تَلِجُ القُدسَ الطاهرَ ولا تَصِلُ إليه؛ لأنها خبيثةٌ غيرُ طيبة، كذلك لا تَصِلُ ــ ولم تَصِل ــ وسوسةُ إبليس، ولا ولجت القُدس؛ قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: ٧].
_________________
(١) ديوانه (٥٥)، من معلَّقته. والوسواس: صوت جَرْسِ الحلي. والعِشْرِق: نبتٌ له ورق، إذا يبس أطارته الريحُ، فأسمعَتْ له زجلًا (صوتًا).
[ ١ / ٣٣ ]
وقد رُوِي عن النبي - ﷺ - أنَّ آدم نامَ في جنته (^١)،
وجنةُ الخلد لا نوم فيها بإجماع المسلمين (^٢)؛ لأنَّ النومَ وفاة، وقد نطق به القرآن (^٣)، والوفاةُ تقلُّب حال، ودارُ السَّلام مسلَّمةٌ من تقلُّب الأحوال، والنائمُ ميِّتٌ أو كالميِّت.
قالوا: وقد رُوِي عنه - ﷺ - أنه قال لأمِّ حارثة لما قالت له: يا رسول الله، إنَّ حارثة قُتِلَ معك، فإن كان صار إلى الجنة صبرتُ واحتسبت، وإن كان صار إلى ما سوى ذلك رأيتَ ما أفعل، فقال لها رسولُ الله - ﷺ -: "أو جنةٌ واحدةٌ هي؟!، إنما هي جِنانٌ كثيرة" (^٤).
فأخبر - ﷺ - أنَّ لله جنَّاتٍ كثيرة؛ فلعلَّ آدم أسكنه الله جنةً من جناته ليست هي جنة الخلد.
_________________
(١) لم أقف عليه مرفوعًا. وورد موقوفًا على بعض أصحاب النبي - ﷺ -، رواه السدي في تفسيره، ومن طريقه الطبري (١/ ٥١٣)، وابن منده في "التوحيد" (١/ ٢١٨)، والبيهقي في "الأسماء والصفات"، وغيرهم. وفي تفسير السدي نظر، وقد استعظم الإمام أحمد صنيعه في سياق أسانيده، ثم إن في راويه عنه أسباط بن نصر ضعفًا. انظر: "الضعفاء" للعقيلي (١/ ٨٨)، ومنتخب "الإرشاد" للخليلي (٣٩٨). ولم يعبأ بذلك ابن منده، فقال: "هذا إسنادٌ ثابت". وانظر تعليق الشيخ أحمد شاكر على "تفسير الطبري" (١/ ١٥٦ - ١٦٠). وورد مقطوعًا من قول مجاهد، ومحمد بن إسحاق، والسدي، عند الطبري في "التفسير" (١/ ٥١٤، ٧/ ٥١٥)، و"التاريخ" (١/ ١٠٤).
(٢) (ق، ح، ن): "من المسلمين".
(٣) يشير إلى قوله تعالى في سورة الزمر: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الآية: ٤٢].
(٤) أخرجه البخاري (٢٨٠٩، ٣٩٨٢) من حديث أنس.
[ ١ / ٣٤ ]
قالوا (^١): وقد جاء في بعض الأخبار أنَّ جنة آدم كانت بأرض الهند (^٢).
قالوا: وهذا وإن كان لا يصحِّحه رواةُ الأخبار ونقلة الآثار، فالذي تقبلُه الألبابُ ويشهدُ له ظاهرُ الكتاب أنَّ جنة آدم ليست جنةَ الخلد ولا دارَ البقاء، وكيف يجوزُ أن يكون اللهُ أسكنَ آدمَ جنةَ الخلد ليكون فيها من الخالدين، وهو القائل للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾؟!
وكيف أخبَر الملائكةَ أنه يريدُ أن يجعل في الأرض خليفة، ثم يُسْكِنُه دارَ الخلود، ودارُ الخلود لا يدخلُها إلا من يخلُد فيها، كما سُمِّيت بدار الخلود؟! (^٣)
فقد سمَّاها الله بالأسماء التي تقدَّم ذِكْرُنا لها (^٤) تسميةً مطلقةً لا خصوص فيها، فإذا قيل للجنة: "دار الخُلد" لم يَجُزْ أن يُنْقَض مسمَّى هذا الاسم بحال.
_________________
(١) في (ت، ن) ههنا زيادة: "وقد جاء في الأخبار أنها ليست جنة الخلد". والسياقُ يأباها.
(٢) لم أقف على شيءٍ منها. لكن وردت آثارٌ عن جماعةٍ من الصحابة والتابعين في أن الهند هي الموضعُ الذي أُهبِط آدمُ إليه من الأرض، ولعلها من أخبار أهل الكتاب. انظر: "مستدرك الحاكم" (٢/ ٥٤٢)، و"مصنف عبد الرزاق" (٥/ ٩٣، ١١٦)، و"تاريخ الطبري" (١/ ١٢١)، و"الدر المنثور" (١/ ٥٥). وروي في ذلك شيءٌ مرفوع، لكنه لم يثبت. انظر: "تاريخ دمشق" (٧/ ٤٣٧)، و"كنز العمال" (٢/ ٣٥٨)، و"السلسلة الضعيفة" (٤٠٣).
(٣) كذا قرأتُ الجملة الأخيرة. ويحتمل أن تكون متعلِّقة بما بعدها.
(٤) وهي: "دار الخلود" و"دار السلام" و"دار القرار" و"مقعد صدق".
[ ١ / ٣٥ ]
فهذا بعضُ ما احتجَّ به القائلون بهذا المذهب.
وعلى هذا، فإسكانُ آدمَ وذريته في هذه الجنة لا ينافي كونهم في دار الابتلاء والامتحان، وحينئذٍ فكانت (^١) تلك الوجوهُ والفوائدُ التي ذكرتموها ممكنةَ الحصول في الجنة.
فالجوابُ أن يقال: هذا فيه قولان للناس، ونحن نذكرُ القولين، واحتجاجَ الفريقين، ونبينُ ثبوتَ الوجوه التي ذكرناها وأمثالها على كلا القولين.
ونذكرُ أوَّلًا قول من قال: إنها جنةُ الخلد التي وَعَدَها الله المتقين، وما احتجُّوا به، وما نقضوا به حججَ من قال: إنها غيرها، ثمَّ نتبعُه مقالةَ الآخرين وما احتجُّوا به، وما أجابوا به عن حجج منازعيهم، من غير انتصابٍ لنصرةِ أحد القولين وإبطال الآخر؛ إذ ليس غرضُنا ذلك، وإنما الغرضُ ذكرُ بعض الحِكَم والمصالح المقتضية لإخراج آدمَ من الجنة، وإسكانه في الأرض في دار الابتلاء والامتحان.
وكان الغرضُ بذلك الردَّ على من زعم أنَّ حكمة الله سبحانه تأبى إدخالَ آدمَ الجنة وتعريضَه للذنب الذي أُخْرِجَ منها به، وأنه أيُّ فائدةٍ في ذلك، والردَّ على من أبطل أن يكون له في ذلك حكمة، وإنما هو صادرٌ عن محض المشيئة التي لا حكمة وراءها.
ولما كان المقصودُ حاصلًا على كلِّ تقدير ــ سواءٌ كانت جنةَ الخلد أو غيرها ــ بنَينا الكلامَ على التقديرين، ورأينا أنَّ الردَّ على هؤلاء بدبُّوس
_________________
(١) (ق، ن): "كانت".
[ ١ / ٣٦ ]